الناطق الرسمي.. عندما تتحول الكلمة إلى مسؤولية دولة

علي حاتم

تُعدّ وظيفة الناطق الرسمي من أكثر الوظائف حساسية داخل المؤسسات الحكومية، فهو الواجهة التي يحصل من خلالها المواطنون ووسائل الإعلام على المعلومات المتعلقة بعمل الوزارة أو المؤسسة. وعلى الرغم من أهمية هذا الدور، فإن التجربة العراقية كشفت عن وجود خلل واضح في فهم طبيعة هذه المهمة لدى بعض الناطقين الرسميين.

الناطق الرسمي ليس موظفاً يلتزم الصمت إلا عند الضرورة، كما أنه ليس مذيع نشرة إخبارية يكتفي بقراءة البيانات، ولا مدافعاً عن المؤسسة مهما كانت الأخطاء أو الانتقادات الموجهة إليها. إن دوره الحقيقي يتمثل في نقل المعلومات الدقيقة والموثوقة إلى الرأي العام، وتوضيح سياسات المؤسسة وقراراتها، وبناء جسور الثقة بينها وبين المواطنين.

وتزداد أهمية الناطق الرسمي في أوقات الأزمات، إذ يصبح المصدر الأساسي للمعلومة. ففي اللحظات التي يشتد فيها الجدل أو تنتشر الشائعات، يكون مطالباً بالسرعة والدقة والوضوح، لأن الفراغ الإعلامي غالباً ما تملؤه الإشاعات والتفسيرات غير الدقيقة.

ويتطلب هذا المنصب جملة من المؤهلات والمهارات، أبرزها الإلمام الكامل بعمل المؤسسة التي يمثلها، والقدرة على التواصل الفعّال مع وسائل الإعلام، وإدارة الأزمات، وفهم اتجاهات الرأي العام، فضلاً عن امتلاك المصداقية والثقة بالنفس والقدرة على إيصال الرسائل الإعلامية بوضوح وموضوعية.

في المقابل، هناك أخطاء شائعة تضعف أداء الناطق الرسمي وتؤثر سلباً في صورة المؤسسة، من بينها التأخر في تقديم المعلومات، أو إصدار تصريحات متناقضة، أو تحويل المنصب إلى مساحة للظهور الشخصي، أو الدخول في سجالات إعلامية لا تخدم المصلحة العامة. كما أن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الناطق الرسمي هو فقدان المصداقية، لأن الجمهور قد يتسامح مع الخطأ، لكنه نادراً ما يستعيد ثقته بمن يضلله.

إن الصورة التي ينبغي أن ينقلها الناطق الرسمي ليست صورة الشخص نفسه، بل صورة المؤسسة التي يمثلها. لذلك يجب أن يعكس المهنية والشفافية والقدرة على تحمل المسؤولية، وأن يكون صوته معبّراً عن الحقائق لا عن الرغبات، وعن الوقائع لا عن الأمنيات.

فالناطق الرسمي الناجح لا يُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية التي يعقدها أو بساعات ظهوره على الشاشات، بل بقدرته على أن يكون المصدر الأول للمعلومة الصحيحة. وحين يؤدي دوره بمهنية، فإنه يسهم في تعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسة، أما حين يغيب أو يفقد مصداقيته، فإن الشائعات تصبح بديلاً عن الحقيقة، وتدفع المؤسسة ثمن ذلك من سمعتها ومن ثقة جمهورها.

لذلك فإن الناطق الرسمي ليس مجرد منصب إعلامي، بل مسؤولية مهنية ووطنية تتطلب الكفاءة والصدق والوعي، لأن الكلمة الصادرة عنه قد تبني الثقة أو تهدمها، وقد تعزز صورة المؤسسة أو تضعفها أمام الرأي العام.

زر الذهاب إلى الأعلى