
المصارف العراقية أمام غربلة كبرى.. من يبقى ومن يخرج من السوق؟
المستنقلة/- لم تعد أزمة القطاع المصرفي العراقي تدور حول مصرف متعثر أو مجموعة مودعين ينتظرون استعادة أموالهم. ما يجري اليوم يفتح سؤالاً أكبر وأكثر حساسية: كيف وصلت بعض المصارف إلى مرحلة تستدعي الوصاية أو إعادة الهيكلة، رغم أنها كانت تعمل تحت رقابة البنك المركزي العراقي؟
فرض الوصاية على مصرف الطيف الإسلامي، وظهور مودعين في بغداد والبصرة يطالبون بالوصول إلى أموالهم، أعادا إلى الواجهة واحدة من أقدم مشكلات النظام المالي العراقي: ضعف الثقة بين المواطن والمصرف.
البنك المركزي يؤكد أن ما يجري يمثل جزءاً من عملية إصلاح واسعة وليس انهياراً للقطاع، فيما يرى الخبير الاقتصادي منار العبيدي أن السوق تدخل مرحلة «فرز وإصلاح وإعادة تشكيل» قد تنتهي باختفاء أو اندماج عدد من المصارف.
لكن خلف هذا التوصيف المتفائل نسبياً، تبرز أسئلة رقابية لا يمكن تجاوزها: إذا كانت هناك مخالفات «جسيمة» قادرة على التأثير في المركز المالي للمصرف وأموال المودعين، متى بدأت؟ وكيف تراكمت؟ ولماذا لم تُعالج قبل وصولها إلى مرحلة الوصاية؟
الطيف.. أزمة مصرف تكشف مشكلة أكبر
في مطلع سبتمبر/أيلول، قرر البنك المركزي العراقي فرض الوصاية على مصرف الطيف الإسلامي للاستثمار والتمويل لمدة 18 شهراً.
وجاء القرار، وفق الوثيقة الرسمية، بعد ثبوت وجود «مخالفات جسيمة أثرت على المركز المالي للمصرف وأموال المودعين»، مع تعيين وصي لإدارة المصرف خلال فترة المعالجة.
خطورة العبارة الرسمية لا تكمن فقط في فرض الوصاية، وإنما في اعتراف الجهة الرقابية نفسها بأن المخالفات وصلت إلى مستوى التأثير على أموال المودعين.
بعد ذلك بأيام، خرج مودعون أمام المصرف في بغداد مطالبين بالسماح لهم بالوصول إلى حساباتهم، فيما شهد فرع المصرف في البصرة احتجاجات مماثلة بعد تعذر عمليات السحب واستخدام بعض الخدمات المصرفية.
وهنا تصبح القضية أوسع من مصير مصرف واحد.
فالزبون الذي يودع أمواله في مصرف مجاز من البنك المركزي لا يملك عادة الأدوات التي تسمح له بفحص رأس مال المصرف أو سيولته أو جودة محافظه الائتمانية أو مستوى المخاطر الداخلية.
بالنسبة إليه، الإجازة والرقابة الرسمية تمثلان جزءاً أساسياً من الثقة.
ولهذا، عندما يفقد المودع القدرة على الوصول إلى أمواله، فإن السؤال لا يتوقف عند إدارة المصرف، بل يمتد تلقائياً إلى فعالية الرقابة التي كان يفترض أن تكتشف الخلل مبكراً.
المركزي يطمئن.. لكن الثقة لا تُبنى بالبيانات وحدها
سارع البنك المركزي بعد التطورات الأخيرة إلى طمأنة الجمهور، مؤكداً أن فرض الوصاية على أي مصرف لا يعني إفلاسه، وإنما يمثل إجراءً رقابياً احترازياً لحماية المصرف والمودعين.
كما أكد أن جميع المصارف المجازة مشاركة في شركة ضمان الودائع، وأن أموال المودعين محمية وفق القوانين والتعليمات، مشيراً إلى أن نسبة الأصول السائلة إلى الالتزامات قصيرة الأجل في الجهاز المصرفي تتجاوز 60%.
وفي 6 سبتمبر، أكد محافظ البنك المركزي نزار ناصر حسين أن البنك مستمر في برنامج الإصلاح بالتنسيق مع شركة Oliver Wyman، وأنه قادر على التدخل عند حدوث خلل أو عجز، مع تأكيده أن جُل أموال الودائع في القطاع المصرفي مضمونة.
لكن المشكلة الأساسية في القطاع العراقي ليست فقط في وجود الغطاء القانوني.
المشكلة هي الوقت.
المودع لا يقيس سلامة النظام المصرفي بنسبة السيولة الكلية للقطاع، وإنما بقدرته على الذهاب إلى مصرفه وسحب أمواله عند الحاجة.
ولهذا، فإن أي تأخير كبير في الوصول إلى الودائع قد يترك ضرراً نفسياً يتجاوز قيمة الأموال نفسها، خصوصاً في بلد لا يزال فيه إقناع الجمهور بإيداع الأموال داخل المصارف تحدياً أساسياً.
السؤال الأصعب: أين كانت الرقابة قبل الوصاية؟
الإجراء الرقابي بعد اكتشاف الأزمة مهم، لكنه لا يلغي السؤال المتعلق بمرحلة ما قبل الأزمة.
فالرقابة المصرفية الحديثة تقوم أساساً على الإنذار المبكر، وليس فقط على التدخل بعد تدهور الأوضاع.
وإذا ثبتت مخالفات جسيمة أثرت بالفعل في المركز المالي لمؤسسة مصرفية، فمن الطبيعي أن يثار تساؤل حول المؤشرات التي سبقت ذلك: هل ظهرت مشكلات في السيولة؟ هل كانت هناك مخالفات في إدارة المخاطر؟ وهل أرسلت البيانات المالية إشارات تحذيرية؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة من دون نشر تفاصيل أوسع عن طبيعة المخالفات ونتائج عمليات التدقيق.
وهنا تبرز إحدى نقاط الضعف في إدارة الأزمات المصرفية: الفجوة بين القرار الرقابي والمعلومات المتاحة للجمهور.
فكلما قلت المعلومات الرسمية، زادت الإشاعات والمخاوف وبدأ المودعون في التساؤل عن المصرف التالي.
منار العبيدي: القطاع لا ينهار.. بل يُفرز
وسط هذه المخاوف، يقدم الخبير الاقتصادي منار العبيدي قراءة مختلفة للمشهد.
فالعبيدي لا يرى أن القطاع المصرفي العراقي يتجه نحو الانهيار، بل يعتبر أن البلاد دخلت مرحلة ضرورية من «الفرز والإصلاح وإعادة تشكيل السوق».
وبحسب متابعته لمؤشرات المصارف على مدى أكثر من خمس سنوات، يمكن تقسيم السوق عملياً إلى ثلاث مجموعات.
الأولى تضم عدداً محدوداً من المصارف القيادية التي نجحت في تطوير الحوكمة والتكنولوجيا والإدارة والخدمات والامتثال، واستطاعت بناء ثقة أكبر لدى العملاء. ويقدر العبيدي عددها بنحو خمسة مصارف.
أما المجموعة الثانية فهي المصارف المتوسطة التي لا تزال تمتلك فرصة للصعود، لكنها مطالبة برفع رأس المال وتطوير أنظمة المخاطر والامتثال والحوكمة والتكنولوجيا.
أما الحلقة الأكثر هشاشة فهي المصارف الصغيرة، التي قد تجد نفسها أمام ثلاثة خيارات: الاندماج أو إعادة الهيكلة أو مغادرة السوق.
والمركزي نفسه يعترف بأن الجميع لن يبقى
اللافت أن هذا السيناريو ليس مجرد توقع من خبير اقتصادي.
فالبنك المركزي أعلن رسمياً في فبراير/شباط 2026 أن المصارف الخاضعة لبرنامج الإصلاح اختارت بين ثلاثة مسارات: الاستمرار كمؤسسة مصرفية مستقلة، أو الاندماج مع مؤسسة أخرى، أو الخروج من السوق.
وهذا يعني أن إعادة رسم خريطة القطاع لم تعد احتمالاً بعيداً.
إنها عملية بدأت بالفعل.
السؤال لم يعد: هل ستختفي مصارف؟
بل: كم مصرفاً سيتمكن فعلياً من استيفاء المعايير التي تسمح له بالبقاء بصورة مستقلة؟
سنوات من النمو العددي لا تعني قطاعاً قوياً
إحدى المشكلات الهيكلية في التجربة المصرفية العراقية تتمثل في أن زيادة عدد المصارف لم تكن دائماً مرادفة لزيادة قوة النظام المالي.
فالقطاع المصرفي الحقيقي لا يقاس بعدد الإجازات والواجهات والفروع.
المصرف القادر على البقاء في البيئة المالية الحديثة يحتاج إلى قاعدة رأسمالية مناسبة، وأنظمة رقمية، وإدارة مخاطر، ومكافحة غسل الأموال، وامتثال للعقوبات الدولية، وشبكة مصارف مراسلة، وقدرة على تمويل الشركات والتجارة وإدارة السيولة.
وكل مصرف لا يستطيع تحمل كلفة هذه المتطلبات سيواجه صعوبة أكبر مع مرور الوقت.
ولهذا قد تكون النتيجة النهائية لبرنامج الإصلاح قطاعاً أصغر من حيث عدد المصارف، لكنه أكبر من حيث رؤوس الأموال والقدرة التشغيلية.
إصلاح فرضته أيضاً العزلة الدولية
الإصلاح المصرفي العراقي لا يجري بمعزل عن الخارج.
فعلاقات المصارف العراقية بالنظام المالي العالمي تعرضت خلال السنوات الماضية إلى ضغوط كبيرة مرتبطة بالتحويلات الخارجية والامتثال ومكافحة غسل الأموال والتعامل بالدولار.
ولهذا استعان البنك المركزي بشركة Oliver Wyman ضمن مشروع إعادة هيكلة واسع يستهدف رفع قدرة المصارف على العمل وفق المعايير الدولية.
وفي يوليو/تموز الماضي أعلن البنك المركزي التوصل إلى تفاهم بشأن إعادة عدد من المصارف العراقية المقيدة إلى قنوات المراسلة المصرفية الخارجية بعملات غير الدولار، بعد استيفاء متطلبات تتعلق بالامتثال والحوكمة وبرنامج الإصلاح.
وهنا يتضح أن الإصلاح لا يتعلق فقط بحماية المودعين داخلياً، بل أيضاً بإعادة بناء سمعة المصارف العراقية أمام المؤسسات المالية الدولية.
الخطر الحقيقي ليس سقوط مصرف.. بل سقوط الثقة
يمكن للبنك المركزي أن يعالج مصرفاً متعثراً.
يمكن تعيين وصي.
ويمكن إعادة رسملة مؤسسة أو دمجها أو تصفيتها وفق القانون.
لكن معالجة أزمة الثقة أصعب بكثير.
المودع الذي يشاهد آخرين يتظاهرون من أجل استعادة أموالهم قد يقرر ببساطة الاحتفاظ بأمواله خارج المصارف.
وإذا اتسعت هذه الظاهرة، يصبح الاقتصاد أمام معضلة: العراق يريد زيادة الشمول المالي والمدفوعات الإلكترونية وجذب الأموال إلى النظام المصرفي، بينما تؤدي أزمات المصارف الضعيفة إلى النتيجة المعاكسة.
ولهذا فإن حماية المودع ليست قضية اجتماعية فقط، بل هي جزء أساسي من السياسة النقدية والإصلاح الاقتصادي.
المصارف القوية قد تكون المستفيد الأكبر
الجانب الآخر من عملية الفرز أن الأزمات قد تدفع الزبائن إلى نقل ودائعهم نحو المؤسسات التي يرون أنها أكثر استقراراً.
وهذا يعني أن السنوات المقبلة قد تشهد إعادة توزيع كبيرة للحصص السوقية.
مصارف قليلة تمتلك رأس مال قوياً وخدمات رقمية جيدة وشبكات مراسلة خارجية قد تستقطب حصة متزايدة من الودائع والشركات.
وفي المقابل، قد تتقلص المصارف التي تعتمد على نماذج تشغيل قديمة أو تفتقر إلى التكنولوجيا والحوكمة.
وهذا ما يجعل المرحلة الحالية أقرب إلى عملية إعادة تشكيل للسوق منها إلى أزمة عابرة.
ولكن الإصلاح يحتاج إلى محاسبة أيضاً
الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على مطالبة المصارف بتغيير نفسها.
فإذا كشف التدقيق عن أخطاء إدارية أو مخالفات أو ضعف رقابي، فإن استعادة الثقة تتطلب تحديد المسؤوليات بوضوح.
والشفافية هنا ضرورية: ماذا حدث؟ من يتحمل المسؤولية؟ كيف ستعاد الأموال؟ وما الإجراءات التي ستمنع تكرار السيناريو ذاته في مصرف آخر؟
من دون إجابات واضحة، يمكن أن تتحول عبارة «الإصلاح المصرفي» لدى الجمهور إلى مجرد عنوان، بينما تبقى المخاوف قائمة.
أما إذا رافق الإصلاح كشف واضح للثغرات، ومحاسبة عند وجود مخالفات، وحماية سريعة للمودعين، فإن الأزمة الحالية قد تتحول فعلاً إلى نقطة بداية لبناء نظام مالي أكثر صلابة.
خريطة مصرفية عراقية جديدة
العراق يحتاج إلى مصارف.
يحتاج إلى مصارف حكومية قوية، ومصارف خاصة تنافسية، ومصارف إسلامية قادرة على تقديم خدمات حقيقية.
لكنه، كما يشير العبيدي، لا يحتاج بالضرورة إلى بقاء كل المصارف الموجودة اليوم بالشكل والنموذج والحجم نفسيهما.
والبنك المركزي نفسه وضع الاندماج والخروج من السوق ضمن المسارات الرسمية للإصلاح.
لذلك يمكن أن يكون عام 2026 بداية مرحلة تتغير فيها الخريطة المصرفية العراقية بصورة كبيرة: مصارف تزداد قوة، وأخرى تندمج، ومؤسسات تعيد هيكلة نفسها، وربما مصارف لن يكون لها مكان في السوق الجديدة.
غير أن نجاح هذه العملية لن يُقاس بعدد المصارف التي أُغلقت أو اندمجت، بل بشيء أكثر أهمية:
هل سيشعر المواطن العراقي أخيراً أن المال الذي يضعه في المصرف يستطيع استعادته متى شاء؟
إذا كانت الإجابة نعم، سيكون ما يحدث اليوم إصلاحاً قاسياً لكنه ضروري.
أما إذا استمرت أزمات الوصول إلى الودائع، وتأخرت الرقابة حتى تظهر المشكلات إلى العلن، فإن الخطر الحقيقي لن يكون انهيار مصرف واحد، وإنما استمرار انهيار الثقة بالقطاع المصرفي نفسه.
أخبار قد تهمك
النزاهة تكشف شبكة للتلاعب بعقارات في الناصرية بأكثر من 10 مليارات دينار
العراق يدخل أصعب مراحله المصرفية.. هل فشلت إدارة الملف المالي؟
الزوراء يطارد الصدارة والقوة الجوية يبحث عن الانتصار في انطلاق الجولة السادسة
عبر مطار بغداد.. العراق يبعد 40 أجنبياً لمخالفتهم قانون الإقامة
طقس العراق يتغير.. أمطار رعدية شمالاً وانخفاض في درجات الحرارة خلال الأيام المقبلة
إرم نيوز: مفاوضات نزع سلاح الفصائل العراقية تصل إلى طريق مسدود قبل 30 سبتمبر
المرور العراقية تتجه إلى تسجيل المركبات ونقل ملكيتها عبر الهاتف
بغداد تستهلك ثلث بنزين العراق.. عودة الاستيراد تفتح ملف الاكتفاء الذاتي من جديد
نتنياهو يهدد بإسقاط النظام الإيراني قبل انتخابات أكتوبر
هواوي توسع إطلاق MatePad Air 2026 في أوروبا بشاشة OLED وبطارية ضخمة
الحليب كامل الدسم يعود إلى الواجهة.. هل يشكل خطراً على صحة القلب؟




