بغداد تستهلك ثلث بنزين العراق.. عودة الاستيراد تفتح ملف الاكتفاء الذاتي من جديد

المستقلة/- عادت أزمة البنزين إلى واجهة المشهد الخدمي في العاصمة العراقية، مع الكشف عن حاجة بغداد وحدها إلى ما بين 9 و12 مليون لتر يومياً، في وقت تتجه فيه الجهات المعنية إلى الاستيراد من دولة مجاورة والإمارات العربية المتحدة لتعويض النقص الحاصل في الأسواق.

وبحسب رئيس لجنة النفط والطاقة في مجلس محافظة بغداد علي الزركاني، فإن الاستهلاك اليومي لجميع المحافظات يقترب من 30 مليون لتر من البنزين، ويرتفع خلال فترات الذروة الصيفية إلى نحو 35 مليون لتر يومياً، ما يعني أن بغداد تستهلك وحدها قرابة ثلث حاجة العراق من المنتج.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم الضغط الذي تواجهه منظومة إنتاج وتوزيع البنزين، ولا سيما مع تزايد عدد المركبات واتساع النشاط الاقتصادي والسكاني في العاصمة.

من الاكتفاء الذاتي إلى الاستيراد مجدداً

تكتسب الأزمة الحالية أهمية إضافية لأنها تأتي بعد أقل من عام على إعلان العراق وقف استيراد البنزين.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلن العراق رسمياً وقف استيراد البنزين وزيت الغاز والكيروسين، بعدما قالت الحكومة إن إنتاج المشتقات النفطية أصبح يفوق احتياجات الاستهلاك المحلي بفضل توسع قدرات المصافي.

وفي فبراير/شباط 2026، أعلنت وزارة النفط تشغيل المصافي الجديدة بكامل طاقتها، مشيرة إلى دخول مصفاة كربلاء ومشاريع بيجي والبصرة وكركوك الخدمة، والتوجه من مرحلة الاستهلاك إلى تصدير بعض المشتقات النفطية.

لكن بعد أشهر فقط، عادت طوابير السيارات إلى بعض المحطات، فيما يؤكد مجلس محافظة بغداد الآن وجود كميات مستوردة من إحدى دول الجوار، إلى جانب شحنة مرتقبة من الإمارات لسد النقص.

وهنا يبرز السؤال: إذا كان العراق قد حقق الاكتفاء الذاتي، فلماذا عاد إلى استيراد البنزين؟

الإنتاج والاستهلاك على حافة التوازن

جزء من الإجابة ظهر في بيانات وزارة النفط نفسها خلال يونيو/حزيران الماضي.

فقد أعلنت الوزارة حينها أن إنتاج البنزين بلغ نحو 31 مليون لتر يومياً، بينما بلغ الاستهلاك نحو 32.5 مليون لتر.

أي أن الاستهلاك كان يتجاوز الإنتاج بنحو 1.5 مليون لتر يومياً، رغم تأكيد الوزارة في حينه امتلاك خزين استراتيجي مطمئن وتشغيل المصافي بطاقتها المتاحة.

وهذا الهامش الضيق بين الإنتاج والطلب يجعل السوق حساسة لأي خلل؛ فتوقف وحدة تكرير، أو انخفاض إنتاج إحدى المصافي، أو تأخر النقل بين المستودعات والمحطات، قد يتحول سريعاً إلى نقص محسوس لدى المواطنين.

ومع ارتفاع الاستهلاك إلى 35 مليون لتر في أيام الذروة، تصبح الحاجة إلى فائض إنتاج مستدام أكبر بكثير من مجرد الوصول إلى نقطة التعادل بين الإنتاج والاستهلاك.

لماذا تتصدر بغداد الأزمة؟

العاصمة تمثل السوق الأكبر للوقود في البلاد.

فإذا كانت حاجتها تتراوح بين 9 و12 مليون لتر يومياً، فإنها تستهلك ما بين نحو 30% و40% من إجمالي الاستهلاك الوطني بحسب مستوى الطلب اليومي.

وهذا يجعل أي اضطراب في التجهيز يظهر بصورة أسرع في بغداد مقارنة بمحافظات أخرى.

كما أن الازدحامات المرورية واتساع الرقعة العمرانية وكثرة حركة السيارات الخاصة وسيارات الأجرة والنقل والخدمات ترفع الاستهلاك بصورة مستمرة.

ولذلك فإن معالجة أزمة البنزين في بغداد لا تتعلق فقط بزيادة عدد الصهاريج المتجهة إلى محطات التعبئة، وإنما بإعادة تقييم الطلب المتوقع خلال السنوات المقبلة.

أين المشكلة: في المصافي أم التوزيع؟

حتى الآن، لا توجد بيانات منشورة كافية تسمح بحصر الأزمة في سبب واحد.

فمجلس محافظة بغداد يشير إلى عدم تناسب حجم الإنتاج مع الاستهلاك الحالي، بينما سبق لوزارة النفط أن أكدت وجود إنتاج وخزين استراتيجي وأن بعض الاختناقات ترتبط بتأخر وصول الشحنات إلى المحطات.

وفي يونيو/حزيران، تحركت هيئة النزاهة لمراقبة تجهيز المحطات في بغداد ومطابقة الكميات الخارجة من المستودعات مع الكميات المصروفة، ضمن إجراءات لمنع التهريب أو التلاعب ومتابعة انسيابية التوزيع.

وهذا يعني أن الأزمة قد تكون مزيجاً من عدة عوامل: قدرة إنتاجية قريبة من مستوى الطلب، اختناقات في النقل والتوزيع، تفاوت في الخزين بين المناطق، واحتمالات سوء الاستخدام أو التلاعب التي تستدعي الرقابة.

توسع كبير في المصافي.. لكن الطلب يلاحق الإنتاج

العراق نفذ خلال السنوات الأخيرة توسعاً مهماً في قطاع التصفية.

فوزارة النفط أعلنت سابقاً إضافة أكثر من 380 ألف برميل يومياً من قدرات التصفية عبر مصفاة كربلاء ومصافي الشمال والوحدات الجديدة في الجنوب، إضافة إلى مشاريع لتحسين البنزين وزيادة إنتاج المشتقات البيضاء.

وكانت الوزارة قد أعلنت أن هذه المشاريع رفعت إنتاج البنزين إلى ما يقارب 80% من الحاجة في مرحلة سابقة، قبل أن تؤكد لاحقاً الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

لكن المشكلة أن الطلب لا يبقى ثابتاً.

فكل زيادة في عدد المركبات والنشاط السكاني والاقتصادي تعني أن مستوى «الاكتفاء الذاتي» اليوم قد لا يكون كافياً بعد عام أو عامين ما لم يرافقه توسع مستمر في الطاقة التكريرية وتحسين كفاءة الوحدات القائمة.

الاستيراد حل سريع.. وليس علاجاً دائماً

اللجوء إلى استيراد شحنات من البنزين قادر على تخفيف الاختناقات سريعاً وإعادة الاستقرار إلى المحطات.

لكنه لا يقدم إجابة طويلة الأمد إذا استمر الطلب في النمو أسرع من الإنتاج المحلي.

فالعراق، وهو واحد من كبار منتجي النفط الخام عالمياً، يواجه مفارقة اقتصادية كلما اضطر إلى شراء منتجات مكررة من الخارج: يصدر النفط الخام ثم يستورد جزءاً من الوقود الذي يحتاجه المواطن.

ولهذا يصبح الهدف الحقيقي ليس فقط إعلان «الاكتفاء الذاتي»، بل إنشاء فائض إنتاج آمن يكفي لمواجهة المواسم ذات الطلب المرتفع وأعمال الصيانة والأزمات الطارئة.

مجلس بغداد يطلب الأرقام

وطالب مجلس محافظة بغداد وزارة النفط بتزويده ببيانات تفصيلية عن حجم الإنتاج الفعلي والاستهلاك والاستيراد، إلى جانب واقع المصافي وطاقاتها ومدى مساهمتها في تغطية حاجة السوق.

ويعد نشر هذه البيانات مهماً لتحديد طبيعة المشكلة بصورة دقيقة: هل العراق أمام نقص حقيقي في الإنتاج، أم مشكلة توزيع، أم ارتفاع استثنائي في الطلب، أم مجموعة من هذه العوامل مجتمعة؟

أزمة أكبر من طابور محطة وقود

المشهد الحالي لا يتعلق فقط بعودة طوابير السيارات أمام بعض محطات بغداد.

فالأزمة تختبر قدرة قطاع التصفية العراقي على الانتقال فعلاً من مرحلة سد الاحتياجات اليومية إلى بناء منظومة تمتلك هامش أمان وفائضاً مستقراً.

العراق استطاع خلال السنوات الماضية زيادة قدراته التكريرية بصورة كبيرة، لكن الأرقام الحالية تظهر أن الطلب ينمو بسرعة وقد أصبح قريباً جداً من حجم الإنتاج المتاح.

وبينما قد تحل الشحنات القادمة من الخارج أزمة الأيام الحالية، يبقى التحدي الحقيقي في رفع كفاءة المصافي، زيادة إنتاج البنزين، بناء خزين استراتيجي كافٍ، وتحسين منظومة النقل والتوزيع.

فالاختبار الحقيقي للاكتفاء الذاتي ليس أن يتوقف العراق عن الاستيراد عدة أشهر، وإنما أن تمر مواسم الذروة والأزمات من دون أن يعود المواطن إلى طوابير الوقود ومن دون أن تضطر الدولة في كل مرة إلى البحث عن شحنة طارئة من الخارج.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى