
العراق يدخل أصعب مراحله المصرفية.. هل فشلت إدارة الملف المالي؟
المستقلة/- تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى إدارة الملف المالي والمصرفي في العراق، وسط مؤشرات على أن المشكلات التي يعاني منها القطاع لم تعد محصورة في إجراءات مصرفية متفرقة أو اختلالات مؤقتة في السيولة، بل أصبحت، وفق مصادر وقراءات اقتصادية، أزمة أوسع تتعلق بطريقة إدارة السياسة المالية والنقدية، وضعف التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي والمؤسسات التشريعية والرقابية.
وقال مصدر مطلع إن الحكومة العراقية برئاسة علي فالح كاظم الزيدي والبنك المركزي أخفقا في إدارة الملف المالي والمصرفي خلال المرحلة الحالية، معتبرًا أن القرارات المتخذة لم ترتقِ إلى مستوى التحديات المتراكمة التي يواجهها الاقتصاد العراقي.
وبحسب المصدر، فإن القطاع المصرفي يعيش مرحلة شديدة الحساسية نتيجة تراكم مشكلات السيولة، وضعف الثقة بالمصارف، وتعثر إصلاح عدد من المؤسسات المصرفية، إلى جانب استمرار الضغوط المرتبطة بالدولار والتحويلات الخارجية والامتثال المالي.
خبراء: المشكلة ليست نقص النقد فقط.. بل طريقة إدارة النظام المالي
وتتقاطع انتقادات المصدر مع قراءات اقتصادية ومصرفية ترى أن الأزمة العراقية لا يمكن اختزالها بمشكلة نقص السيولة النقدية داخل بعض المصارف.
فالخلل، وفق هذه القراءات، يمتد إلى ضعف قدرة النظام المصرفي على تحويل الأموال المتاحة إلى ائتمان فعّال واستثمار وتمويل للقطاع الخاص، إضافة إلى محدودية الثقة بين المواطن والمؤسسات المصرفية.
ويرى متخصصون في الشأن المصرفي أن وجود كميات كبيرة من النقد خارج الدورة المصرفية، مقابل حاجة بعض المصارف إلى السيولة الفعلية، يكشف عن اختلال هيكلي أعمق من مجرد كمية العملة المتداولة.
وتشير أحدث التقييمات الدولية المتاحة إلى أن مشكلة السيولة وإيصال أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي كانت أصلًا من نقاط الضعف المعروفة في العراق، وأن إصلاح المصارف الحكومية والخاصة يتطلب تغييرات في الحوكمة وإدارة المخاطر ورأس المال والثقة بالمؤسسات المصرفية.
الحكومة تحت الانتقاد: حلول قصيرة أمام أزمة هيكلية
وتواجه حكومة الزيدي انتقادات اقتصادية بسبب اعتمادها، وفق محللين، على إدارة تداعيات المشكلات بدل معالجة جذورها.
وتقول قراءات اقتصادية إن أي حكومة تواجه اختلالات مصرفية بهذا الحجم تحتاج إلى برنامج معلن ومحدد زمنياً لإعادة هيكلة المصارف، وتنظيم علاقتها بالبنك المركزي، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وضبط الإنفاق العام، وإعادة بناء الثقة بالقطاع المالي.
أما معالجة كل أزمة بصورة منفصلة، فتؤدي – وفق هذه الرؤية – إلى انتقال المشكلة من ملف إلى آخر دون بناء نظام مالي مستقر.
كما أن الاعتماد الكبير للموازنة العراقية على الإيرادات النفطية يجعل السياسة المالية أكثر حساسية أمام أي انخفاض في الصادرات أو الأسعار، ويضع الحكومة أمام ضغوط متكررة لتأمين النفقات والرواتب والسيولة.
البنك المركزي.. قرارات كثيرة وأسئلة أكثر
البنك المركزي العراقي بدوره يجد نفسه في قلب موجة الانتقادات.
ففي الوقت الذي يعلن فيه استمرار إصلاح القطاع المصرفي وتشديد متطلبات الامتثال وتنظيم التحويلات الخارجية، يرى متخصصون أن نتائج الإصلاحات لم تنعكس بعد بصورة كافية على تجربة المواطن والمودع داخل السوق.
ويشير اقتصاديون إلى أن نجاح السياسة النقدية لا يُقاس فقط بإصدار التعليمات أو فرض القيود على المصارف، وإنما بقدرة النظام على توفير السيولة بصورة منتظمة، وحماية أموال المودعين، وضمان الوصول إلى الخدمات المصرفية، وتقليص الفجوة بين أسعار الصرف، ورفع قدرة المصارف على تمويل النشاط الاقتصادي.
كما يحذر هؤلاء من أن الإصلاح المصرفي إذا نُفذ من دون إدارة دقيقة للمرحلة الانتقالية قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على المؤسسات الأضعف بدل تصحيحها، ويخلق أزمة ثقة لدى الجمهور.
إصلاح القطاع المصرفي لا يزال طويلًا
وتؤكد تقارير دولية حديثة أن إعادة بناء القطاع المصرفي العراقي ليست عملية سريعة.
ففي يوليو/تموز 2026، أشارت تقارير إلى أن خطة إصلاح المصارف العراقية قد تحتاج سنوات، وأن عودة المؤسسات المقيدة إلى التعاملات الدولية مرهونة بمعايير صارمة في الامتثال والحوكمة والتدقيق.
كما تشمل أجندة الإصلاح إعادة هيكلة المصارف الحكومية، ورفع كفاءة المصارف الخاصة، وتعزيز إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطوير الخدمات المصرفية الرقمية، وهي ملفات لم تصل بعد إلى نهاية الطريق.
البرلمان في دائرة المسؤولية
الانتقادات لا تتوقف عند الحكومة والبنك المركزي، بل تمتد إلى مجلس النواب الحالي.
ويرى اقتصاديون أن البرلمان لم يستخدم بصورة كافية أدواته التشريعية والرقابية لبناء إطار إصلاحي طويل الأجل للقطاع المالي.
فالمطلوب، وفق هذه الرؤية، ليس استضافة مسؤول عقب كل أزمة أو إصدار مواقف سياسية بعد ظهور المشكلة، وإنما تشريع قوانين حديثة، ومتابعة تنفيذ خطط إعادة الهيكلة، ومراقبة المؤسسات المالية، والتحقيق في مكامن الخلل قبل تحولها إلى أزمات تمس المودعين والسوق.
ويشير هؤلاء إلى أن التنسيق بين السياسة المالية التي تديرها الحكومة والسياسة النقدية التي يتولاها البنك المركزي يمثل عنصرًا أساسيًا للاستقرار، وأن غياب هذا التنسيق أو ضعفه ينعكس مباشرة على إدارة السيولة والائتمان والأسعار.
الفئات النقدية الجديدة ليست علاجًا للأزمة
وفي خضم الأزمة، عاد الحديث عن إصدار فئات نقدية جديدة أو إعادة هيكلة فئات الدينار.
لكن اقتصاديين يؤكدون أن إضافة فئات نقدية، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، لا تعالج بمفردها مشكلات القطاع المصرفي.
فإصدار النقد يتعلق بتنظيم التداول واحتياجات السوق، بينما أزمة المصارف ترتبط بالسيولة والثقة والحوكمة ورؤوس الأموال والرقابة وإدارة المخاطر والعلاقات المصرفية الدولية.
كما أن البنك المركزي العراقي نفى في أغسطس/آب 2026 الأنباء التي تحدثت عن قيامه بطباعة عملة عراقية جديدة محذوفة الأصفار، وأكد أن أي مشروع مستقبلي لإعادة هيكلة فئات العملة سيحتاج مراحل قانونية وتنظيمية وفنية وسيتم الإعلان عنه رسميًا في حال اعتماده.
وبالتالي، فإن الحديث عن صدور فئات جديدة لا ينبغي تقديمه باعتباره قرارًا نهائيًا قبل صدور إعلان رسمي.
أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة أوراق نقدية
ويعتبر متخصصون أن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس عدد الأوراق النقدية الموجودة في السوق، وإنما مستوى الثقة بالنظام المصرفي.
فكلما اتجه الأفراد والشركات إلى الاحتفاظ بأموالهم خارج المصارف، تقل قدرة الجهاز المصرفي على جذب الودائع وتحويلها إلى تمويل واستثمار.
وكلما ازدادت الشكوك بشأن القدرة على سحب الأموال عند الطلب، تصبح عملية إعادة بناء الثقة أكثر صعوبة.
ومن هنا، يرى خبراء أن أي خطة إصلاح حقيقية يجب أن تبدأ بحماية المودع وضمان حقه في الوصول إلى أمواله، بالتوازي مع إعادة هيكلة المؤسسات المتعثرة وتطبيق قواعد الحوكمة والامتثال من دون تعطيل النشاط الاقتصادي المشروع.
العراق أمام مرحلة أصعب؟
مصدر مطلع يرى أن المرحلة الحالية تمثل واحدة من أصعب مراحل إدارة الملف المالي والمصرفي، وأن استمرار السياسات ذاتها قد يضع الحكومة والبنك المركزي أمام ضغوط أكبر خلال الفترة المقبلة.
وبحسب المصدر، فإن المشكلة لم تعد في قرار منفرد أو مصرف واحد، وإنما في غياب رؤية متكاملة لإدارة النظام المالي.
وتتقاطع هذه المخاوف جزئيًا مع تقييمات دولية سابقة أشارت إلى أن بعض الإصلاحات المالية العراقية لم تُنفذ بالكامل، فيما بقي تنفيذ إصلاحات السياسة النقدية والقطاع المصرفي جزئيًا ويحتاج إلى تسريع.
أين يكمن الفشل؟
وفق قراءة اقتصادية للمشهد، يمكن تلخيص جوهر الانتقادات بثلاثة مستويات:
الحكومة تواجه اتهامًا بأنها لم تبنِ سياسة مالية قادرة على تخفيف اعتماد الدولة على النفط ومعالجة الاختلالات الهيكلية.
والبنك المركزي يواجه تحدي إثبات أن إصلاحاته ستنتقل من القرارات التنظيمية إلى نتائج يلمسها المودعون والمصارف والسوق.
أما البرلمان، فيواجه سؤالًا بشأن فاعلية الرقابة والتشريع ومحاسبة الجهات المسؤولة عن إدارة الملف المالي والمصرفي.
وبين المؤسسات الثلاث، يبقى المواطن والمودع والقطاع الخاص الحلقة الأكثر تأثرًا بأي خلل.
أخبار قد تهمك
النزاهة تكشف شبكة للتلاعب بعقارات في الناصرية بأكثر من 10 مليارات دينار
الزوراء يطارد الصدارة والقوة الجوية يبحث عن الانتصار في انطلاق الجولة السادسة
عبر مطار بغداد.. العراق يبعد 40 أجنبياً لمخالفتهم قانون الإقامة
طقس العراق يتغير.. أمطار رعدية شمالاً وانخفاض في درجات الحرارة خلال الأيام المقبلة
إرم نيوز: مفاوضات نزع سلاح الفصائل العراقية تصل إلى طريق مسدود قبل 30 سبتمبر
المرور العراقية تتجه إلى تسجيل المركبات ونقل ملكيتها عبر الهاتف
بغداد تستهلك ثلث بنزين العراق.. عودة الاستيراد تفتح ملف الاكتفاء الذاتي من جديد
المصارف العراقية أمام غربلة كبرى.. من يبقى ومن يخرج من السوق؟
نتنياهو يهدد بإسقاط النظام الإيراني قبل انتخابات أكتوبر
هواوي توسع إطلاق MatePad Air 2026 في أوروبا بشاشة OLED وبطارية ضخمة
الحليب كامل الدسم يعود إلى الواجهة.. هل يشكل خطراً على صحة القلب؟




