أرباح مصرف المنصور تقفز 92% في 2025.. لكن من أين جاء الربح؟

ربح كبير.. وتدفق نقدي تشغيلي سلبي

المستقلة/- أظهرت الحسابات الختامية لمصرف المنصور للاستثمار لعام 2025 نمواً قوياً في الأرباح والمؤشرات المالية الرئيسية، غير أن قراءة تفصيلية للبيانات تكشف أسئلة جوهرية بشأن جودة هذه الأرباح، ومصادرها، ومدى استدامتها، وطبيعة المخاطر التي رافقت هذا الأداء.

وحقق المصرف صافي ربح بلغ 191.466 مليار دينار في عام 2025، مقارنة بـ 99.444 مليار دينار في عام 2024، بنمو يقارب 92.6%. كما ارتفع إجمالي الدخل التشغيلي إلى 270.485 مليار دينار، مقابل 169.337 مليار دينار في السنة السابقة.

غير أن هذه القفزة لا تبدو، وفق مراجعة أجرتها وكالة الصحافة المستقلة بالاستعانة بمدقق مالي مستقل، ناتجة بالكامل عن توسع مصرفي تقليدي في الائتمان والخدمات، بل لعبت فيها إيرادات فائدة السندات الأجنبية دوراً محورياً، بعدما بلغت 128.147 مليار دينار، وهو ما يعادل قرابة نصف إجمالي الدخل التشغيلي.

أرقام قوية.. وأسئلة أقوى

يعرض المصرف في حساباته مؤشرات مالية تبدو إيجابية، بينها ارتفاع صافي الربح، ونمو الموجودات، وزيادة حقوق الملكية، وتحسن الودائع والتسهيلات الائتمانية.

وبحسب البيانات، بلغت حقوق الملكية 657.732 مليار دينار، فيما وصل مجموع الموجودات إلى 2.391 تريليون دينار، وبلغت ودائع العملاء 1.363 تريليون دينار.

لكن قوة هذه الأرقام لا تكفي وحدها للحكم على سلامة الأداء المالي. فالمؤشرات الإيجابية تحتاج إلى قراءة مقابلة تسأل عن نوعية النمو، ومصدر الربح، ومدى اعتماده على النشاط المصرفي المتكرر، مقارنة بالعوائد الاستثمارية أو البنود التي قد تتغير بتغير أسعار الفائدة والأسواق.

السندات الأجنبية.. المحرك الخفي للأرباح

من أبرز الملاحظات في حسابات 2025 ارتفاع إيرادات فائدة السندات الأجنبية إلى 128.147 مليار دينار، مقارنة بـ 57.149 مليار دينار في عام 2024، بزيادة تقارب 71 مليار دينار.

هذا الارتفاع يمثل جزءاً كبيراً من التحسن في صافي الربح السنوي، ما يطرح سؤالاً مهنياً أساسياً: هل يعكس الربح نمواً مستداماً في النشاط المصرفي الأساسي، أم أنه مدفوع بدرجة معتبرة بعوائد أدوات مالية قد تتأثر بأسعار الفائدة، وأسعار الصرف، وسياسات الاستثمار، ومخاطر السوق؟

ولا يعني الاعتماد على السندات الأجنبية بحد ذاته وجود خلل، لكنه يجعل جودة الربح واستدامته موضع فحص، خصوصاً عندما يشكل هذا البند وزناً كبيراً داخل الدخل التشغيلي.

ربح كبير.. وتدفق نقدي تشغيلي سلبي

رغم تحقيق مصرف المنصور ربحاً صافياً كبيراً في عام 2025، أظهرت البيانات أن صافي التدفقات النقدية من الأنشطة التشغيلية كان سالباً بمقدار 8.988 مليار دينار.

هذه المفارقة تعد من أبرز النقاط التي تستدعي التوضيح. فالربح المحاسبي قد يكون صحيحاً وفق المعايير المعتمدة، لكنه لا يعني بالضرورة أن النشاط التشغيلي أنتج تدفقات نقدية موجبة خلال السنة نفسها.

وتشير البيانات إلى عوامل ضغط أساسية أثرت في التدفقات النقدية، بينها زيادة الاحتياطي الإلزامي لدى البنك المركزي بمقدار 120.419 مليار دينار، وزيادة التسهيلات الائتمانية المباشرة بمقدار 132.406 مليار دينار، إضافة إلى تغير التأمينات النقدية بمقدار 129.330 مليار دينار.

هذه العوامل قد تفسر جانباً من التدفق السلبي، لكنها لا تلغي الحاجة إلى شرح أوضح من الإدارة حول العلاقة بين الأرباح المحاسبية والتدفقات النقدية الفعلية.

64% من الائتمان بيد 20 زبوناً

تظهر البيانات أن الائتمان النقدي المستغل بلغ 405.752 مليار دينار، فيما استحوذ أكبر 20 زبوناً على 261.438 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 64% من إجمالي الائتمان النقدي المستغل.

هذه النسبة تفتح باب التساؤل حول درجة تركّز المخاطر الائتمانية. فحتى مع وجود ضمانات مثل العقار والكمبيالة والكفالة والأسهم، فإن اعتماد جزء كبير من المحفظة الائتمانية على عدد محدود من الزبائن يجعل المصرف أكثر حساسية لأي تعثر قد يصيب هذه المجموعة.

ويعني ذلك أن نمو التسهيلات الائتمانية، رغم أهميته كمؤشر توسع، يجب ألا يُقرأ بمعزل عن تركّز الائتمان وجودة الضمانات وقابلية التحصيل.

الائتمان غير المنتج والفوائد المعلقة

بلغ الائتمان غير المنتج في مصرف المنصور 13.962 مليار دينار، بما يمثل 3.4% من إجمالي الائتمان النقدي. كما تم احتساب مخصص خسائر ائتمانية متوقعة له بقيمة 5.549 مليار دينار، مقابل فوائد معلقة بلغت 8.413 مليار دينار.

وتبدو نسبة الائتمان غير المنتج، وفق الأرقام المتاحة، ضمن مستوى قابل للمتابعة، لكنها لا تلغي أهمية الفوائد المعلقة، التي تعني أن جزءاً من الإيرادات لم يعد يعامل كدخل اعتيادي بسبب مشكلات مرتبطة بالتحصيل أو التعثر.

ومن هنا، فإن جودة التسهيلات الائتمانية لا تقاس بحجمها فقط، بل بنسبة التعثر، وحجم الفوائد المعلقة، ونوع الضمانات، والقدرة الفعلية على التحصيل.

قفزة 819% في مخصصات أرصدة المصارف

من المؤشرات اللافتة أيضاً ارتفاع مخصص الخسائر الائتمانية المتوقعة المرتبط بأرصدة المصارف المحلية والخارجية بنسبة 819%، ليبلغ 473.142 مليون دينار في عام 2025، مقارنة بـ 51.480 مليون دينار في عام 2024.

ورغم أن الرقم المطلق لا يبدو كبيراً قياساً بحجم المصرف، فإن نسبة الزيادة نفسها تستدعي تفسيراً أوضح. فقد تكون مرتبطة بتغير تصنيف بعض المصارف المقابلة، أو زيادة الأرصدة لدى مصارف أعلى مخاطرة، أو تعديل نموذج احتساب الخسائر الائتمانية المتوقعة، أو تحفظ داخلي على جودة بعض الأرصدة.

عدم إبراز مثل هذه القفزة في السرد العام للنتائج يجعل القارئ بحاجة إلى قراءة تدقيقية لاكتشافها، وهو ما يطرح سؤالاً بشأن مستوى الإفصاح المطلوب للمساهمين.

كفاية رأس مال مرتفعة.. قوة أم رأس مال غير موظف؟

بلغت نسبة كفاية رأس المال في مصرف المنصور لعام 2025 نحو 66.42%، فيما بلغت كفاية رأس المال الأساسي 65.80%، مقارنة بالحد الرقابي المشار إليه والبالغ 12.5%.

هذه النسب تعكس متانة مالية عالية وقدرة كبيرة على امتصاص المخاطر، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالاً عن كفاءة توظيف رأس المال.

فارتفاع كفاية رأس المال إلى هذا المستوى قد يكون مؤشراً إيجابياً على قوة المركز المالي، لكنه قد يعني أيضاً أن المصرف يحتفظ بفائض رأسمالي كبير لا يُوظف بكفاءة كافية في أنشطة مصرفية منتجة، خاصة إذا كانت الربحية مدفوعة جزئياً بعوائد السندات لا بالنشاط التشغيلي الأساسي.

مصاريف أقل رغم نمو النشاط

انخفضت المصاريف التشغيلية في عام 2025 إلى 44.753 مليار دينار، مقارنة بـ 49.313 مليار دينار في عام 2024، رغم نمو الموجودات والودائع والائتمان والدخل التشغيلي.

وقد يبدو هذا الانخفاض مؤشراً إيجابياً على تحسن الكفاءة، لكنه يحتاج إلى قراءة أعمق: هل جاء نتيجة كفاءة تشغيلية فعلية؟ هل ارتبط بالتحول الرقمي؟ هل شهدت بعض المصاريف إعادة تبويب أو تأجيلاً؟ أم أن مصاريف عام 2024 كانت استثنائية، ما جعل المقارنة مع 2025 تبدو أكثر إيجابية؟

هذه الأسئلة لا تنفي احتمال تحسن الكفاءة، لكنها تؤكد أن عرض انخفاض المصاريف كإنجاز يحتاج إلى إسناد تفصيلي من الإيضاحات المالية.

خطاب إداري ترويجي أكثر من كونه تحليلياً

تظهر الصفحات الأولى من التقرير السنوي تركيزاً واضحاً على عناصر مثل الاستدامة، التحول الرقمي، التصنيف الائتماني، الجوائز، الشهادات، البطاقات، الخدمات الإلكترونية، التوسع، وخدمة العملاء.

هذه العناصر مهمة في عرض صورة المؤسسة، لكنها لا تكفي بديلاً عن الإفصاح المالي التحليلي المتوازن. فالتقرير السنوي، خصوصاً في قطاع مصرفي منظم، يجب أن يساعد المساهم على فهم مصادر الربح، وجودة الأرباح، ومخاطر السيولة، ومخاطر التركّز، وأثر الاستثمارات المالية، والتدفقات النقدية، والمخصصات، والالتزامات المحتملة.

وبهذا المعنى، تبدو لغة الإدارة أقرب إلى إبراز الإنجازات، فيما تحتاج الأرقام إلى قراءة أكثر تفصيلاً للمخاطر والعوامل غير المتكررة.

الخلاصة: مصرف قوي.. لكن الربح يحتاج إلى تفكيك

لا تشير الحسابات المتاحة إلى ضعف مالي في مصرف المنصور للاستثمار. على العكس، تظهر البيانات مصرفاً قوي الربحية، مرتفع الرسملة، وذا نمو واضح في الموجودات والودائع والائتمان.

لكن القراءة المهنية للأرقام تكشف أن القوة الظاهرة لا تلغي وجود أسئلة جوهرية: جزء معتبر من الربح جاء من إيرادات السندات الأجنبية، والتدفق النقدي التشغيلي كان سالباً رغم الربح الكبير، و64% من الائتمان النقدي المستغل متركز لدى أكبر 20 زبوناً، فضلاً عن وجود فوائد معلقة، وقفزة كبيرة في مخصصات أرصدة المصارف، ونسبة كفاية رأس مال مرتفعة جداً تطرح سؤال كفاءة التوظيف.

وبناءً على ذلك، فإن نتائج مصرف المنصور لعام 2025 تبدو قوية من حيث الأرقام العامة، لكنها تحتاج إلى تفكيك أعمق لا يكتفي بالسؤال: كم ربح المصرف؟ بل يذهب إلى الأسئلة الأكثر أهمية: من أين جاء الربح؟ هل هو مستدام؟ ما مستوى المخاطر المصاحبة له؟ وهل تعكس النتائج قوة تشغيلية مصرفية حقيقية، أم استفادة كبيرة من عوائد استثمارية وأدوات مالية قابلة للتغير؟

ختاما: تؤكد وكالة الصحافة المستقلة أنها ترحب بأي توضيح من مصرف المنصور للاستثمار بشأن هذه المؤشرات، وستنشر أي رد يردها ضمن تغطيتها المستمرة لقراءة الحسابات الختامية للمصارف والشركات المساهمة العراقية.

زر الذهاب إلى الأعلى