
حملة مكافحة الفساد تفتح باب التعيينات بالوكالة.. من يدير المناصب الشاغرة في العراق؟
المستقلة/- فتحت حملة مكافحة الفساد الأخيرة في العراق ملفاً إدارياً لا يقل حساسية عن التحقيقات القضائية نفسها، بعدما أدى توقيف مسؤولين وإيقافهم عن العمل إلى شغور مواقع تنفيذية تشرف على عقود وأموال ومؤسسات حيوية، ما دفع الوزارات إلى اللجوء سريعاً إلى التكليف المؤقت وإدارة المناصب بالوكالة لضمان استمرار العمل.
وبينما تتركز الأنظار على أسماء الموقوفين وحجم الأموال والأصول التي يجري تعقبها، يبرز سؤال رقابي أكثر إلحاحاً: من يتولى إدارة المواقع التي غادرها المسؤولون الخاضعون للتحقيق، وبأي صلاحيات، ولأي مدة، وما الضمانات التي تمنع تحول التكليف المؤقت إلى إعادة توزيع للمناصب بعيداً عن الشفافية والرقابة الدستورية؟
وزارة النفط.. أول اختبار معلن
ظهر هذا التحدي بصورة واضحة في وزارة النفط، بعد إيقاف وكيل الوزارة لشؤون التصفية عدنان الجميلي على خلفية اتهامات تتعلق بملفات فساد مالي ما تزال قيد التحقيق ولم تصدر فيها أحكام باتة.
وفي 12 تموز 2026، كلّف وزير النفط باسم العبادي مستشاره حامد يونس صالح بمتابعة مهام الشركات النفطية التابعة لقطاع التصفية، لحين تسمية وكيل جديد للوزارة، في إجراء هدفه منع حدوث فراغ إداري داخل قطاع يرتبط بالمصافي وإنتاج المشتقات النفطية والعقود الاستثمارية والتجارية ذات القيم المالية الكبيرة.
ويكشف نص التكليف، كما نُشر، أن المهمة تتعلق بمتابعة أعمال الشركات التابعة لقطاع التصفية بصورة مؤقتة، ولا تمثل تعييناً أصيلاً في منصب وكيل الوزارة. غير أن اتساع الملفات التي يديرها هذا القطاع يجعل من الضروري إعلان حدود الصلاحيات التي مُنحت للمكلف، ولا سيما ما يتعلق بتوقيع العقود، وإقرار المناقلات المالية، وتشكيل اللجان، والمصادقة على قرارات الشركات العامة.
وتزامن التكليف مع تطورات قضائية متسارعة في ملف الجميلي، إذ أعلن القضاء استرداد وضبط 375 كيلوغراماً من الذهب ضمن التحقيقات، فضلاً عن الحجز على عقارات ومعامل وشاحنات قُدرت قيمتها الإجمالية بنحو 69 مليار دينار، بحسب البيانات القضائية المنشورة.
التكليف ليس تعييناً أصيلاً
من الناحية الإدارية، تلجأ المؤسسات الحكومية إلى التكليف المؤقت عندما يتعذر على شاغل المنصب ممارسة مهامه بسبب التوقيف أو الإعفاء أو الإجازة الطويلة أو خلو الموقع لأي سبب، بهدف ضمان استمرار المرفق العام وعدم تعطيل مصالح المواطنين والدولة.
لكن هذا الإجراء يختلف عن التعيين الأصيل في المناصب العليا والدرجات الخاصة. فالدستور العراقي رسم مساراً لتولي عدد من المواقع العليا، إذ منح مجلس الوزراء صلاحية التوصية إلى مجلس النواب بالموافقة على تعيين وكلاء الوزارات والسفراء وأصحاب الدرجات الخاصة وقادة ومسؤولي الأجهزة المحددين دستورياً، فيما يتولى مجلس النواب الموافقة على التعيينات التي تدخل ضمن اختصاصه.
وبذلك ينبغي أن يبقى التكليف إجراءً انتقالياً محدوداً بالضرورة والمدة والصلاحيات، لا طريقاً موازياً لتجاوز متطلبات التعيين الأصيل أو إبقاء مسؤولين في مواقع حساسة لسنوات تحت عنوان «الوكالة» أو «إدارة المهام».
وتزداد حساسية المسألة عندما يأتي شغور المنصب نتيجة تحقيق في شبهات فساد، لأن البديل المؤقت لا يتولى إدارة مؤسسة اعتيادية فحسب، بل يرث ملفات وعقوداً ووثائق وقرارات قد تكون محل فحص قضائي أو إداري. وهنا يصبح اختيار المكلف جزءاً من منظومة حماية التحقيق والمال العام، وليس مجرد قرار داخلي لضمان سير العمل.
أين تنتهي صلاحيات المكلف؟
المشكلة الأساسية في كثير من قرارات التكليف داخل الدولة العراقية أن الإعلان يذكر اسم المسؤول الجديد والمهمة العامة، لكنه لا ينشر في العادة نطاق الصلاحيات أو سقف الإنفاق أو مدة التكليف أو القرارات المستثناة من التفويض.
وفي القطاعات النفطية والمالية والخدمية، يستطيع المسؤول الإداري الأعلى التأثير في ملفات كبيرة من خلال المصادقة على إحالات، وتغيير أعضاء لجان، وتمديد عقود، والموافقة على أوامر تغيير، ونقل موظفين، ومنح صلاحيات إلى إدارات أدنى. لذلك فإن عبارة «متابعة المهام» تحتاج إلى تفسير إداري واضح، حتى لا تبقى حدود السلطة خاضعة للاجتهاد الداخلي.
ويفترض أن تُحدد أوامر التكليف المؤقتة بصورة دقيقة: مدة المهمة، والأعمال المسموح بها، والقرارات التي تحتاج إلى موافقة الوزير أو مجلس الوزراء، والعقود التي لا يجوز حسمها خلال المرحلة الانتقالية، فضلاً عن آلية تسليم وتسلم الملفات وحفظ الوثائق والسجلات الإلكترونية والورقية.
خطر تضارب المصالح وحماية الأدلة
تفرض مكافحة الفساد متطلبات إضافية عند اختيار من يدير المنصب الشاغر. فإذا كان المسؤول المكلف جزءاً من سلسلة الإدارة السابقة، أو عضواً في لجان تعاقدية أو مالية مرتبطة بالملفات الجاري التحقيق فيها، فإن ذلك قد يثير تساؤلات عن تضارب المصالح، حتى من دون وجود اتهام مباشر بحقه.
ولا يعني هذا استبعاد جميع العاملين في المؤسسة أو التشكيك بهم، لكنه يستدعي إجراء تدقيق وظيفي ومالي قبل التكليف، والتحقق من عدم ارتباط المرشح بالملفات محل التحقيق، ومنحه مهمة واضحة لحماية الموجودات والوثائق واستمرار الخدمات، لا إعادة ترتيب المراكز الإدارية أو تغيير مسارات العقود قبل اكتمال المراجعة.
كما يفترض أن ترافق إجراءات التوقيف والإيقاف أوامر فورية بحفظ البريد الإلكتروني الرسمي، وقواعد البيانات، ومحاضر اللجان، والمراسلات، وأجهزة الحاسوب، ومنع حذف أو نقل الملفات، لأن شغور الموقع وتغيير الإدارة قد يخلقان فترة انتقالية تسمح بضياع معلومات مهمة إذا لم تكن هناك إجراءات حماية مسبقة.
هل توجد قائمة بالمناصب الشاغرة؟
حتى إعداد هذا التقرير، لم تعلن الحكومة العراقية، بحسب ما أمكن تتبعه من البيانات المنشورة، قائمة شاملة بالمناصب العليا التي أصبحت شاغرة أو أُديرت بالتكليف نتيجة حملة مكافحة الفساد، ولم تنشر جدولاً يوضح أسماء المكلفين ومدد تكليفهم وحدود صلاحياتهم.
ويجعل غياب هذه البيانات من الصعب على البرلمان ووسائل الإعلام والرأي العام معرفة ما إذا كانت قرارات التكليف محصورة في مواقع محددة فرضتها الضرورة، أم أن الحملة ستقود إلى موجة واسعة من إعادة توزيع المناصب داخل الوزارات والهيئات والشركات العامة.
كما يفتح الغموض الباب أمام صراع سياسي على المواقع الشاغرة، خصوصاً أن كثيراً من المناصب العليا في العراق ارتبطت خلال السنوات الماضية بالتوازنات الحزبية وتوزيع النفوذ، وهو ما قد يحول مرحلة مكافحة الفساد من فرصة لإصلاح الإدارة إلى جولة جديدة من التنافس على البدائل.
بين استمرار الدولة ومنع إعادة إنتاج المحاصصة
لا تستطيع الحكومة ترك المواقع التنفيذية العليا بلا إدارة، خاصة عندما ترتبط بإنتاج النفط والطاقة والمصارف والعقود والخدمات الأساسية. لكن استمرار المرفق العام لا يبرر منح صلاحيات مفتوحة أو تمديد التكليف من دون سقف زمني أو رقابة.
ويتمثل التحدي الحقيقي في إيجاد توازن بين سرعة ملء الفراغ الإداري ومنع استغلاله سياسياً. ويتطلب ذلك اختيار شخصيات مهنية من داخل المؤسسة أو خارجها وفق معايير معلنة، وإجراء تدقيق في الذمة المالية والسجل الوظيفي، وتحديد التكليف بمدة قصيرة، ثم البدء بإجراءات التعيين الأصيل وفق الدستور والقانون.
كما ينبغي ألا تقتصر حملة مكافحة الفساد على إبعاد مسؤول متهم ووضع آخر مكانه، بل أن تشمل مراجعة البيئة الإدارية التي سمحت بتراكم الصلاحيات وضعف الرقابة، وفحص اللجان والعقود وآليات اتخاذ القرار، لأن تغيير الأسماء من دون إصلاح النظام قد يعيد إنتاج المخاطر نفسها.
اختبار جديد للحكومة والبرلمان
تضع المناصب الشاغرة الحكومة أمام اختبارين متلازمين: الأول ضمان استمرار عمل المؤسسات وعدم تعطيل الخدمات، والثاني إثبات أن حملة مكافحة الفساد لن تتحول إلى غطاء لإعادة توزيع الدرجات الخاصة والمواقع العليا بين القوى السياسية.
أما مجلس النواب، فتقع عليه مسؤولية متابعة قرارات التكليف، وطلب قوائم تفصيلية بالمواقع الشاغرة والمكلفين بإدارتها، ومراقبة المدد والصلاحيات، والإسراع بحسم التعيينات الأصيلة التي تتطلب موافقته، بدلاً من تركها لسنوات تحت إدارة الوكالة.
ويحتاج الرأي العام إلى إجابة حكومية مباشرة عن خمسة أسئلة: ما عدد المناصب التي شغرت بسبب التحقيقات الأخيرة؟ من يديرها حالياً؟ ما مدة كل تكليف؟ ما حدود الصلاحيات المالية والتعاقدية؟ ومتى ستبدأ إجراءات اختيار البدلاء بالأصالة؟
إن نجاح حملة مكافحة الفساد لن يُقاس فقط بعدد الموقوفين أو قيمة الأموال المستردة، بل أيضاً بقدرة الدولة على إدارة مرحلة ما بعد التوقيف بشفافية، وحماية الأدلة والأصول، ومنع الفراغ، واختيار بدائل مهنية لا تعيد إنتاج شبكات النفوذ التي تسعى الحملة إلى تفكيكها.





