كرّ وفرّ… مسلسل يجعل من الكوميديا أداة للمواجهة وترسيخ الولاء للوطن

يطرح مسلسل كرّ وفرّ، الذي يبث عبر تطبيق (يوتيوب) عبر شخصياته وأحداثه، فكرة الولاء باعتبارها الأساس الذي يمكّن أبناء الشعب من حماية بلدهم.

فكرة لا تقدم بشكلّ مباشر وإنما من خلال شخصية “عباس” (زيد الملاك) ممثل الستاند آب كوميدي، الشاب الذي يقدم عروضه على مسرح صغير. و”صباح” (هيثم عبد الرزاق) اللواء المتقاعد الذي يمثل رجل الدولة الملتزم بالمبادئ، وسلطة المؤسسة، ومفهوماً مختلفاً للوطنية.

عروض عباس على المسرح تتعلق بإضحاك الجمهور على الزوجات وأمور أخرى؛ فهو يستطيع السخرية عندما يتحدث في المواضيع الاجتماعية مثل الزواج،  لكن الجمهور يريد منه التحدث في السياسة، وحين يوافق على ذلك و يبدأ بالسخرية  من الشرطة، يظهر “صباح” معترضا لأن عباس تكلم بحرية عن الشرطة ولكنه تحفظ على جماعة “الرقطة”،  لذلك يجد ان ما يتحدث به عباس ليس  حديثا في السياسة، كونه لا يقترب من “الركطة” بسبب تاريخ والده “جواد، الذي ينتمي الى الأشخاص ممن يستخدمون السلاح وقوة المليشيات لاكتساب النفوذ والسيطرة .

المواجهة بين صباح وعباس في لقائهما الأول ليست مجرد حديث عابر بين ممثل ومشاهد ، فصباح يجد في عروض عباس فرصة لمواجهة “الرقطة” التي يجد أنها  عقدت لسان الجميع ،  حتى وأن كان الحديث في عرض ساخر على المسرح، وهنا تتمثل المواجهة بينهما بفكرة أن يكون الفن في مواجهة ” السلطة” المتمثلة بالذين يحاولون فرض هيمنتهم ورؤيتهم بقوة السلاح ،حيث تصبح الكوميديا نفسها فعلاً سياسياً، وعليها أن تقترب من السياسة عن طريق وضع شخصياتها أمام أسئلة السلطة والخوف والولاء والقوة، ثم تترك للمشاهد مهمة اكتشاف الصلة بين ما يراه على الشاشة وما يعرفه من واقعه.

الجميل في المسلسل أنه لم يقدم عباس بصفة البطل الشجاع بعد الموافقة على تقديم العروض التي يقوم صباح بكتابتها ؛ بالعكس، هو يعترف بالخوف، كنا أنه ضمنيا متوافق مع صباح الذي يقول بأن “قطاع السابلة” “أخذوا مالنا وحلالنا”،  وهنا يتحول الستاند آب من كوميديا اجتماعية إلى كشف لبنية القوة، حتى وأن كان لا يستطيع تسمية كل شيء بصورة مباشرة.

لقاء عباس بـ”صباح” يغير حياته لتتحول عروضه من مجرد اضحاك الجمهور الى حثه على اتخاذ مواقف تعيد تعريف الانتماء للوطن. هذا اللقاء ليس عابرا بل هو تحول بفهم السلطة والدولة والولاء، لذلك تأتي الحلقة الأولى تحت عنوان “لقاء يغير كلّ شيء”  فعباس ما قبل اللقاء ليس نفسه عباس بعد تعرفه على صباح، الذي يبقى محافظا على ولائه للوطن وانتمائه له.

تبدأ الحلقة الأولى من “كرّ وفرّ” بصورة “الحجي” التي يرغب أنصاره بتعليقها أعلى بيت عباس، وتنتهي بسؤال عن المبدأ، والصورة هنا تمثل بعدا رمزيا في محاولة السياسة، والانتماءات الفرعية، وايضا الدخول الى الفضاء الخاص للإنسان والمتمثل بالبيت، وحين يعجز عباس عن المواجهة، يذهب الى المسرح ليعوض شعوره بالخوف من “الحجي” واتباعه بالسخرية، لكن موقفه يتقاطع مع موقف صباح، الذي يريد ان تتحول السخرية الى سلاح للمواجهة، وليس تعويضا عن الخوف مما يجري خارج جدران المسرح. لذلك يكون صباح الشخص الحقيقي، الفعل المضاد والمواجه، للصورة التي تحمل رمزية الهيمنة والاستحواذ.

من هذه الزاوية يمكن قراءة مسلسل “كرّ وفرّ” ليس بوصفه مسلسلاً عن السياسة العراقية بصورة مباشرة، ولا باعتباره إسقاطاً حرفياً على الواقع، وإنما باعتباره عملاً يفتح، من خلال شخصياته وأحداثه، مساحة للتفكير في قضية شديدة الحساسية: ماذا تعني السيادة عندما تتعدد الولاءات ومراكز القوة والنفوذ؟

بداية شراكة

في كل حلقة، نرى أن شعور الانتماء الى البلد ينمو داخل  عباس، الامر الذي يجعل هذا ينعكس على عروض المسرح.

لقاء صباح بعباس ، الذي لم يجد فرصة حقيقية لإظهار هذا الانتماء، يمهد لتحويل هذا الشعور الى فعل حقيقي لتحفيز أبناء الشعب، عبر الفن، على ما يراه واجبا اتجاه الوطن، ويتمثل باتخاذ موقف في مواجهة كلّ الولاءات خارج الولاء للوطن.

المسرح… … مساحة لاختبار حدود الكلام

يشكل المسرح في “كر وفر” الفضاء الذي تتفاعل الاحداث فيه، وهو ما يمنح المسلسل قيمة رمزية –  عبر العروض التي يقدمها عباس وصباح. فالفن ليس مقتصرا على الترفيه والاضحاك، بل يشكل مساحة يستطيع فيها الناس أن يسمعوا أفكاراً مختلفة، وأن يضحكوا، ويختلفوا، ويناقشوا السلطة، والخوف والهوية والانتماء.

في هذا المعنى، لا يصبح المسرح مجرد خلفية للأحداث، بل مساحة لاختبار حدود الكلام.

ولأن مساحة المسرح محدودة، لا تمكن جمهورا واسعا من مشاهدة ما يعرض عليه، يجد عباس وصباح في السوشيال ميديا فضاءً واسعًا ومفتوحًا ، يتيح لهم إيصال رسالتهم الى جمهور اوسع عبر تسجيل عروضهم، وبثها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، الامر الذي يجعل الجهة المقابلة تشعر بالخطر من تواصل هذه العروض.

التحول من عروض المسرح الى مقاطع تبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يبرز التحول الى العصر الرقمي، وكيف يمكن أن تتحول مقاطع الفيديو من “المحتوى الهابط” الى محتوى يتضمن فعلا ثقافيا محفزا على اتخاذ مواقف اتجاه الاحداث التي يمر بها البلد.، وهذه إشارة ذكية الى أن الخروج من المكان المقفل (المسرح) الى العروض المفتوحة يمكن أن يزيد عملية التأثير، والتفاعل، وهو ما ابرزه مشهد الشخص الفضولي في المقهى ضمن الحلقة الرابعة حيث يحمل إشارة الى ان عروض السوشيال ميديا قد وجدت تأثيرها عند الجمهور ما يجعلهم جزءًا من المشهد الذي يصورونه، بمعنى آخر أن ما يقدمه صباح وعباس هو ما يشعر به المواطن ولكن يكتمه في داخله، حتى تسنح لهم الفرصة للتعبير عن شعورهم هذا بكل وضوح..

الولاء… لمن؟

يبدو الولاء في المسلسل أكثر تعقيداً من كونه موقفاً ثنائياً بين “مع” و “ضد”. فالشخصيات تتحرك داخل شبكة من العلاقات والانتماءات، وقد يجد الفرد نفسه ممزقاً بين ما يراه واجباً تجاه وطنه، وما تفرضه عليه الجماعة التي ينتمي إليها، أو الشخص الذي يثق به، أو القضية التي يؤمن بها.

بداية الشراكة بين عباس وصباح الذي يعمل على كتابة النصوص التي تعرض على المسرح، ومن ثم عبر مواقع التواصل ستكون عن الولاء ” لهذا يطرح صباح سؤالا يبدو بديهيا للكثيرين ” أنت ابن البلد لو مو ابن البلد؟”، ” ولاءك للبلد لو مو للبلد؟”.، يبدو الجواب عند عباس بديهي ” طبعا ولائي للبلد” ولكن صباح لا يرى هذا عند الجميع. فهناك شخصيات أخرى، يظهر بعضها في المسلسل ويشار الى أخرى بشكل رمزي، تتحرك داخل شبكة من العلاقات والانتماءات؛ فهناك جماعات تفرض على من ينتمي اليها، ولاءات أخرى. ويقدم المسلسل مشهدا يوضح ذلك بشكل غير مباشر، حين يستذكر عباس مشاهدته لمباراة بكرة القدم للمنتخب الوطني، مع والده. وكيف يقدم تأثير الولاءات الأخرى، على الشعور بالانتماء، عبر مشهد رمزي يتمثل بتشجيع الوالد منتخب دولة أخرى على حساب المنتخب الوطني.

“جواد” والد عباس رغم ظهوره في خلفية الاحداث عبر ذكريات  يسترجعها عباس اثناء حواراته مع صباح، ليس شخصية هامشية مجردة، بل يصبح المعّبر عن الافراد المنتمين الى جماعات تخلط بين الانتماء الى الدولة، والولاء الى جهة أخرى. ، حيث نجد في ثنايا المشاهد التي يظهر فيها “جواد” موضوعا مهما يتم التعامل معه بحساسية في بلد مثل العراق، حيث تتقاطع الدولة مع المجتمع، والجماعات، والقيادات، والولاءات المتعددة.، وقد يكون مجرد طرح هذه الأسئلة على الشاشة، وإخراجها من دوائر السياسة المغلقة إلى فضاء المشاهدة والنقاش، فعلاً ثقافياً يستحق التوقف عنده. فأحياناً لا تكون أهمية المسلسل في الحكاية التي يرويها، بل في الأسئلة التي تطرح، وتترك معلقة بعد أن تنتهي الحكاية، لتصبح حوارا مفتوحا بين افراد المجتمع.

ان ظهور جواد المتكرر يجعل من عباس شخصية تصارع بين الواقع الذي بدأت عينه تتفتح على حقيقته، وبين علاقته بوالده، الذي كان جزء من جماعة مسلحة (هي جماعة الحجي نفسها) وبالتالي عليه أن يختار بين طريق والده الذي يتجه نحو الولاء للخارج، وبين طريق صباح الذي يتمثل بالرفض ومواجهة، أي انتماء غير الانتماء للوطن.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن اختزاله بسهولة: هل الولاء للدولة هو نفسه الولاء للوطن؟

قد يبدو الاثنان متطابقين في الظروف الطبيعية، لكنهما قد ينفصلان في لحظات الأزمات والصراع. فالدولة حينها تصبح مجرد إطار سياسي وقانوني يعمل على تنظيم حياة المجتمع. لكن الوطن هو ما يرتبط به الشخص تاريخيًا وثقافيًا ووجدانيًا، ويشعر تجاهه بالانتماء والهوية.؛ لذلك حين نقول “أدافع عن وطني”، ليس بالضرورة أن يكون الهدف الدفاع عن الحكومة أو السلطة القائمة، بل ما يدل عليه القول هنا هو الأرض والشعب والتاريخ والهوية والذاكرة الجماعية، وهنا يبدأ كل طرف بتقديم تعريفه الخاص للولاء، وقد تتحول الوطنية من قيمة جامعة إلى مساحة للتنافس والاتهام.

لذلك فمفهوم الدولة حين تسيرها الجماعات التي تحمل ولاءات اخرى، لا يصبح مرادفا للوطن، الذي يجاهد من اجل الحفاظ على ارثه التاريخي والثقافي، بوجه سيل الولاءات الخارجية المتمثلة بالرايات المتعددة    التي تعمل على إزاحة علم الوطن، الى الهامش لتصبح هي المركز.

لقد عمل منتجو المسلسل على تقديم رؤية رمزية جميلة باستعمال الرايات التي تحمل اشكالا والوانا مختلفة، وهي تزاحم علم البلد، بل تسعى الى ابعاده عن المشهد، وهنا يبرز دور صباح المقاتل الذي ضحى وقاتل تحت راية الوطن، في ان تكون هذه الراية هي الوحيدة في فضاء البلد، وأن تكون الرمز التي تتجمع كل الانتماءات تحت ظلها، حينها تعود الدولة لتصبح وطنا.

وهذا ما يجعل السؤال الذي يطرحه مسلسل “كر وفر” دون أن يعلنه بشكل صريح يتعلق بمن يملك حق تحديد من “هو الوطني ومن هو غير الوطني؟”

ونجد أن الإجابة عن هذا السؤال تحدد لنا من يملك حق تعريف الوطنية، ولاسيما في مجتمع متعدد الانتماءات ومراكز النفوذ، كما أن الإجابة عن هذا السؤال ربما تكون موضع خلاف دائم. فقد يرى طرفٌ ما نفسه مدافعاً عن الوطن، بينما يرى طرف آخر في موقفه انحيازاً أو خروجاً عن المصلحة العامة، مقدما مفهوم حماية الدولة (بمعنى الدفاع عن النظام القائم). وهو ما يقدمه بوضح المشهد الأول للحلقة الرابعة، حين يعمل صباح على المسرح بتفنيد الطروحات التي يقدمها عباس على لسان أحد الأشخاص، وهذه احدى الإشارات المهمة في تفنيد ذرائع الاخر بشكل مباشر.

وهذه إحدى النقاط التي تجعل تجربة شخصيات “كرّ وفرّ” قابلة للقراءة خارج حدود الكوميديا. فالشخص الذي يبدأ في التشكيك أو طرح الأسئلة لا يواجه بالضرورة خلافاً فكرياً فقط، وإنما قد يواجه ضغوطاً اجتماعية وسياسية تدفعه إلى الاختيار بين ما يعتقد وما يريد منه الآخرون أن يعتقد.

“وين توصل السالفة”؟

المسلسل يطرح الأسئلة، لكنه ليس بالضرورة يحمل إجابات عنها،. ما الانتماء الحقيقي للوطن؟ لمن يكون الولاء؟ وهكذا تؤشر الحلقة الأخيرة من المسلسل ، لإصرار على مواصلة الطريق، لإيصال فكرة الانتماء والولاء. ” نحن في الجيش حين نتخذ قرارا لا نتراجع عنه”.  هذه الكلمات التي يرددها صباح تحفز عباس على المضي الى الأمام، فالعرض مستمر رغم كلّ محاولات إيقافه. وهذه الفكرة الأساسية التي يقدمها المسلسل في ختام الحلقة الأخيرة.

في النهاية، لا يقدم “كرّ وفرّ” درساً في مفهوم السيادة، ولا ينبغي أن نحمله ما لا يحتمل. لكنه ينجح في شيء ربما يكون أكثر أهمية: تحويل الأسئلة الكبيرة إلى مواقف وشخصيات،. ويجعل من الكوميديا في المسلسل، الذي عرض على قناة الرشيد (ويعرض حاليا على موقع يوتيوب) عامل جذب للتفاعل مع الاحداث والشخصيات ما يجعل المشاهد يواصل المشاهدة من الحلقة الأولى حتى السادسة بجلسة واحدة.

المسلسل من التأليف: ممدوح حمادة، اخراج: سامر حكمت، وبطولة هيثم عبد الرزاق ، و زيد الملاك،إضافة الى: إسماعيل علاء، ضياء الدين سامي، وآخرين..

 

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى