
32 مصرفاً عراقياً تحت قيود الدولار.. هل تتوسع العقوبات الأميركية؟
المستقلة/- يدخل القطاع المصرفي العراقي واحدة من أكثر مراحله حساسية، بعد سنوات من الإجراءات التي قيّدت وصول عشرات المصارف إلى الدولار الأميركي، وسط اتهامات بوجود شبكات لتحويل الأموال إلى خارج البلاد، ومخاوف من استخدام مؤسسات مالية عراقية للالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران.
وبحسب مراجعة أجرتها وكالة الصحافة المستقلة للقائمة الرسمية المنشورة على موقع البنك المركزي العراقي في شباط 2026، يظهر 28 مصرفاً ضمن قائمة المصارف المقيدة من التعامل بالدولار، وأربعة مصارف ضمن قائمة سوداء منفصلة، ليصل مجموع المؤسسات المصرفية الواردة في الوثيقة إلى 32 مصرفاً.
لكن الرقم يحتاج إلى توضيح مهم: ليست هذه المصارف جميعها خاضعة بالضرورة للعقوبة الأميركية نفسها، كما أن تقييد التعامل بالدولار لا يعني تلقائياً إغلاق المصرف أو تجميد ودائع عملائه أو منعه من التعامل بالدينار العراقي.
28 مصرفاً مقيداً بالدولار
4 مصارف بالقائمة السوداء
32 إجمالي القائمة المنشورة
الأعداد مستخرجة من وثيقة البنك المركزي العراقي المنشورة في شباط 2026، وليست إحصاءً جديداً للعقوبات الأميركية الصادرة في تشرين الأول.
وتزايدت المخاوف بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية، في 15 تشرين الأول 2026، فرض عقوبات على المصرف الدولي للتنمية والاستثمار والتمويل، ضمن عملية أميركية تستهدف ما تصفه واشنطن بالبنية المالية التي تساعد إيران على الوصول إلى الدولار وتمويل شبكاتها الخارجية.
وتقول الخزانة الأميركية إن المصرف سهّل معاملات مالية مرتبطة بإيران، وإنه استخدم رؤوس أموال إيرانية وأرسل أرباحاً بالدولار إلى طهران. وهذه اتهامات رسمية أميركية، وليست نتائج تحقيق قضائي عراقي منشور.
ويطرح هذا التصعيد سؤالاً مركزياً: هل تقتصر الإجراءات الأميركية على مصارف محددة، أم أن العراق يتجه نحو مرحلة أوسع من إعادة هيكلة قطاعه المصرفي، قد تتضمن قيوداً جديدة وإجراءات رقابية مشددة؟
أولاً: ماذا يعني منع المصرف من التعامل بالدولار؟
من الأخطاء الشائعة في تداول الملف المصرفي العراقي التعامل مع مصطلحات «المنع من الدولار» و«العقوبات الأميركية» و«الوصاية» و«إلغاء الإجازة» باعتبارها إجراءات متطابقة.
والواقع أنها إجراءات مختلفة في أسبابها وآثارها القانونية والمالية.
نوع الإجراء | ماذا يعني عملياً؟ |
تقييد الدولار | منع المصرف من المشاركة في قنوات الدولار المحددة، وقد يمتد إلى التعامل المباشر وغير المباشر |
عقوبات OFAC الأميركية | قيود على الأموال والمعاملات وفق نوع الإدراج، وقد تتضمن تجميد الأصول وحظر التعاملات الأميركية |
الوصاية المصرفية | تدخل رقابي بإدارة المصرف أو الإشراف على إدارته وفق القانون العراقي |
سحب الإجازة | إنهاء الترخيص المصرفي وفق الإجراءات القانونية |
منع المراسلة المصرفية | تعذر إجراء تحويلات عبر مصرف مراسل أو عملة معينة، سواء بسبب قرار تنظيمي أو إدارة مخاطر |
وقد أوضح البنك المركزي العراقي في بيان رسمي بتاريخ 20 تموز 2023 أن المصارف المحرومة من التعامل بالدولار تستطيع الاستمرار في تقديم خدماتها بالدينار العراقي، وكذلك التعامل الدولي بعملات أخرى ضمن الضوابط المعمول بها.
كما أكد آنذاك أن طلبات التحويل الخارجي للمصارف التي شملتها تلك الجولة من القيود لم تكن تتجاوز 8% من إجمالي التحويلات. وهذه النسبة تخص الفترة التي تحدث عنها البيان، ولا يجوز تعميمها على حجم المعاملات الحالي في عام 2026.
ثانياً: القائمة الرسمية للمصارف المقيدة من التعامل بالدولار
هذه أسماء المصارف الـ28 الواردة في القسم الأول من وثيقة البنك المركزي العراقي، مع أرقامها التعريفية المصرفية كما نشرتها الوثيقة. وهذه الرموز ليست أرقام حسابات مصرفية أو أرقام قرارات العقوبات الأميركية.
قائمة المصارف المقيدة – 28 مصرفاً
وثيقة رسمية
ت | اسم المصرف | رمز المصرف |
| 1 | مصرف نور العراق الإسلامي | BIQ064/2 |
| 2 | مصرف بابل | BIQ019/2 |
| 3 | مصرف القابض الإسلامي | BIQ069/2 |
| 4 | مصرف آسيا العراق الإسلامي | BIQ074/2 |
| 5 | مصرف الأنصاري الإسلامي | BIQ070/2 |
| 6 | مصرف الشرق الأوسط العراقي للاستثمار | BIQ011/2 |
| 7 | مصرف المستشار الإسلامي | BIQ075/2 |
| 8 | مصرف القرطاس الإسلامي | BIQ072/2 |
| 9 | مصرف الطيف الإسلامي | BIQ078/2 |
| 10 | مصرف إيلاف الإسلامي | BIQ025/2 |
| 11 | مصرف أربيل للاستثمار والتمويل | BIQ046/2 |
| 12 | المصرف الإسلامي الدولي | BIQ067/2 |
| 13 | مصرف عبر العراق للاستثمار | BIQ038/2 |
| 14 | مصرف الموصل للتنمية والاستثمار | BIQ026/2 |
| 15 | مصرف الراجح الإسلامي | BIQ073/2 |
| 16 | مصرف سومر التجاري | BIQ023/2 |
| 17 | مصرف الثقة الدولي الإسلامي | BIQ071/2 |
| 18 | مصرف الماه الإسلامي | BIQ077/2 |
| 19 | مصرف العالم الإسلامي | BIQ061/2 |
| 20 | مصرف زين العراق الإسلامي | BIQ068/2 |
| 21 | مصرف الاستثمار العراقي | BIQ012/2 |
| 22 | مصرف الاتحاد العراقي | BIQ028/2 |
| 23 | مصرف كوردستان الدولي الإسلامي | BIQ029/2 |
| 24 | مصرف آشور الدولي للاستثمار | BIQ031/2 |
| 25 | مصرف الهدى | BIQ040/2 |
| 26 | مصرف الجنوب الإسلامي | BIQ062/2 |
| 27 | مصرف العربية الإسلامي | BIQ066/2 |
| 28 | مصرف حمورابي التجاري | BIQ082/2 |
أما المصارف الأربعة التي تظهر في قسم منفصل بعنوان «القائمة السوداء» في الوثيقة نفسها فهي:
المصرف | الرمز |
مصرف العطاء الإسلامي (البلاد سابقاً) | BIQ034/2 |
مصرف التعاون الإسلامي للاستثمار | BIQ036/2 |
بنك ملي إيران | BIQ037/2 |
بنك بارسيان | BIQ052/2 |
ويجب التنبيه إلى أن التصنيف في هذه القائمة صادر عن البنك المركزي العراقي، ولا يعني أن كل مصرف من هذه المصارف أُدرج حديثاً في قائمة العقوبات الأميركية.
ملاحظة مهمة بشأن آخر المستجدات: القائمة المنشورة تعكس وضعاً تنظيمياً موثقاً في شباط 2026. وقد شهد العام تطورات لاحقة في ملف إعادة التأهيل والعقوبات، ولذلك لا ينبغي استعمال الأرقام الـ28 والـ4 باعتبارها حصراً نهائياً لكل القيود النافذة في 18 تشرين الأول دون مطابقة القرارات اللاحقة.
ثالثاً: كيف بدأت القيود على المصارف العراقية خلال السنوات الماضية؟
لفهم ما يجري في تشرين الأول 2026، لا بد من العودة إلى جذور الأزمة. فالمشكلة لم تبدأ بالعقوبات الأخيرة، وإنما تراكمت عبر سنوات من الاعتماد على الدولار في تمويل الاستيراد، وضعف وسائل التحقق من المستفيد النهائي، والشكوك بشأن بعض الحوالات التجارية.
- 2019 – قيود على مؤسسات مالية
أصدر البنك المركزي العراقي قراراً بمنع التعامل بالدولار مع مؤسسات مالية وردت أسماؤها على قوائم العقوبات، بينها مصرف العطاء الإسلامي ومصرف نور العراق الإسلامي، مع السماح باستخدام عملات أخرى وفق الضوابط. - 2022–2023 – تدقيق التحويلات ومنصة الدولار
شهدت هذه المرحلة تشديد الرقابة على التحويلات الخارجية. وأوضح البنك المركزي أن قرارات منع بعض المصارف في تموز 2023 جاءت بعد مراجعة معاملات سابقة تعود إلى عام 2022، قبل تطبيق المنصة الإلكترونية الجديدة. - 2024 – ملف مصرف الهدى
أعلنت الخزانة الأميركية اعتبار مصرف الهدى مؤسسة تثير قلقاً رئيسياً بشأن غسل الأموال، وفرضت عقوبات على مالكه حمد الموسوي. وقالت إن وثائق مزورة استُخدمت في تحويلات لا تقل عن ستة مليارات دولار منذ تأسيس المصرف. وهذه أرقام واتهامات أميركية، وليست تقديراً مستقلاً للمبالغ التي ثبت تهريبها. - 2025 – توسيع نطاق القيود
كشفت رويترز في شباط 2025 عن تحرك لمنع خمسة مصارف إضافية من التعامل بالدولار، وهي المشرق العربي الإسلامي، والمتحد للاستثمار، والسنام الإسلامي، ومسك الإسلامي، وأمين العراق الإسلامي للاستثمار والتمويل. وقد تناول التقرير أيضاً ثلاثة مزودي خدمات دفع. - شباط 2026 – نشر قائمة موحدة
نشر البنك المركزي القائمة التي تضم 28 مصرفاً مقيداً وأربعة مصارف بالقائمة السوداء، في سياق برنامج إعادة تأهيل القطاع المصرفي. - تموز–أيلول 2026 – مسار إعادة التأهيل
أعلن البنك المركزي تأهيل سبعة مصارف للعودة إلى قنوات المراسلة الخارجية بعملات غير الدولار، مع إمكانية استعادة أهلية الدولار لاحقاً بعد اجتياز متطلبات إضافية. ثم أكد في أيلول استمرار برنامج الإصلاح بالتعاون مع شركة أوليفر وايمان. - 15 تشرين الأول 2026 – العقوبات الجديدة
فرضت الخزانة الأميركية عقوبات على المصرف الدولي للتنمية والاستثمار والتمويل، ضمن حملة تستهدف شبكات مالية مرتبطة بإيران.
وتكشف هذه المحطات عن انتقال تدريجي في طبيعة الرقابة، من تدقيق معاملات منفردة إلى إعادة تقييم قدرة المصارف على العمل ضمن النظام المالي العالمي.
رابعاً: كيف يجري تهريب الدولار أو إساءة استخدام التحويلات المصرفية؟
أحد أهم جوانب التحقيق هو فهم الآليات التي استهدفتها القرارات الأميركية، مع عدم الخلط بين التحويل التجاري المشروع والتحويل المخالف.
فالاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد السلع والخدمات من الخارج. ويحتاج المستورد إلى تحويل قيمة مشترياته عبر المؤسسات المالية.
وتبدأ المخاطر عندما تُستخدم وثائق تجارية غير حقيقية، أو عندما يكون المستفيد المعلن من الحوالة مختلفاً عن المستفيد الفعلي.

ومن أبرز الأنماط التي تستدعي التدقيق المصرفي وجود شركات تجارية واجهة، والمبالغة في قيمة الفواتير، وتكرار الحوالات إلى أطراف يصعب تحديد نشاطها الاقتصادي، وعدم تطابق قيم الاستيراد مع المعلومات الجمركية.
ويمكن أن تنتقل الأموال عبر حسابات أو مؤسسات وسيطة في عدة دول، بما يجعل تحديد المستفيد الحقيقي أكثر صعوبة.
لكن وجود حوالة كبيرة أو التعامل التجاري مع دولة مجاورة لا يثبت وحده ارتكاب جريمة غسل أموال أو تهريب عملة؛ فإثبات المخالفة يتطلب فحص العقود والمستندات وحركة الأموال وبيانات الشحن والجهات المستفيدة.
وفي قضية مصرف الهدى عام 2024، تحدثت الخزانة الأميركية صراحة عن استخدام وثائق مزورة وشركات واجهة وبيانات هوية غير صحيحة. وهذه الواقعة تمثل مثالاً على طبيعة المخاطر التي تسعى السلطات الأميركية إلى مكافحتها.
خامساً: العقوبات الأميركية الأخيرة على المصرف الدولي للتنمية
يمثل قرار 15 تشرين الأول 2026 تطوراً مهماً لأنه انتقل من التقييد التنظيمي المرتبط بالوصول إلى الدولار إلى إدراج أميركي رسمي بموجب الأمر التنفيذي 13902، المرتبط بقطاعات من الاقتصاد الإيراني.
وبحسب بيان وزارة الخزانة الأميركية، فإن المصرف الدولي للتنمية كان يقدم خدمات مالية أتاحت لإيران الوصول إلى الدولار، واحتفظ بعلاقات مع مؤسسات حكومية إيرانية وجماعات عراقية متحالفة مع طهران.
كما زعمت الوزارة أن أموالاً إيرانية استُخدمت ضمن أنشطة المصرف، وأن أرباحاً ناتجة عنها كانت تُحول إلى إيران بعملة الدولار.
وفي 16 تشرين الأول، رفض المصرف هذه الاتهامات، وأكد أن المعطيات التي استندت إليها الخزانة غير صحيحة، وأعلن استعداده لتقديم المستندات اللازمة وتوضيح موقفه عبر القنوات الرسمية والقانونية، مشدداً على حماية حقوق المودعين والعملاء.
وهنا تظهر نقطة أساسية: صدور قرار العقوبة أمر مثبت، لكن صحة كل الوقائع التي تستند إليها الاتهامات تبقى قابلة للمنازعة والمراجعة القانونية.
أما من الناحية العملية، فإن إدراج مصرف على قائمة العقوبات الأميركية يمكن أن يؤدي إلى تجميد ممتلكاته ومصالحه الواقعة ضمن الاختصاص الأميركي، وتقييد المعاملات التي تشمل أشخاصاً أميركيين، والتأثير في علاقاته بالمصارف المراسلة الأجنبية.
ولا تعني هذه الإجراءات أن البنك المركزي العراقي أصدر تلقائياً قراراً بتصفية المصرف، أو أن جميع ودائعه أصبحت مصادرة. وتبقى إدارة وضعه المحلي وحقوق عملائه مرتبطة بالقرارات التنظيمية والقانونية ذات الصلة.
سادساً: هل ستفرض واشنطن عقوبات إضافية على مصارف عراقية؟
هذا هو السؤال الأهم بالنسبة إلى المؤسسات المالية والمودعين والجهات السياسية.
وتشير التصريحات الأميركية الحديثة إلى أن واشنطن تتجه نحو تشديد الإجراءات ضد المؤسسات التي تسهّل الالتفاف على العقوبات الإيرانية، وليس فقط المصارف العراقية.
ففي 5 تشرين الأول 2026، أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي تنبيهاً موجهاً إلى المؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل مع إيران. ثم جاء قرار 15 تشرين الأول ليؤكد استمرار سياسة الضغط المالي على الشبكات التي تتهمها واشنطن بدعم الاقتصاد الإيراني خارج القنوات المشروعة.
لكن لم أعثر في المصادر الرسمية التي راجعتها حتى 18 تشرين الأول على قائمة معلنة بأسماء مصارف عراقية أخرى تقرر فرض عقوبات عليها مستقبلاً، أو جدول زمني رسمي يحدد موعداً لعقوبات جديدة.
وعليه، فإن الحديث عن عقوبات إضافية ينبغي تصنيفه على أنه احتمال قائم، وليس قراراً أميركياً محسوماً.
ويمكن أن تستهدف الإجراءات المقبلة، إذا صدرت، جهات يُثبت ارتباطها بتحويلات مخالفة للعقوبات أو إخفاء هوية المستفيدين الحقيقيين، أو تسهيل معاملات لصالح كيانات مدرجة على القوائم الأميركية.
ولا يمكن الجزم بأسماء المصارف المحتملة دون وثيقة أو إعلان رسمي، كما لا يصح اعتبار وجود مصرف في قائمة البنك المركزي للقيود على الدولار دليلاً كافياً على أنه سيكون هدفاً للعقوبات الأميركية التالية.
سابعاً: لماذا أعلنت بغداد تأهيل سبعة مصارف رغم استمرار القيود الأميركية؟
في 18 تموز 2026 أعلن البنك المركزي العراقي، عقب اجتماعات مع وزارة الخزانة الأميركية، التوصل إلى تفاهم بشأن تأهيل سبعة مصارف عراقية لاستعادة قنوات المراسلة المصرفية الخارجية بعملات غير الدولار.
ولم يكن هذا الإعلان قراراً فورياً بإعادة الدولار إلى تلك المصارف، بل خطوة أولى في برنامج يخضع لشروط الامتثال والحوكمة وإعادة الترخيص.
وبعد أيام، نقلت صحيفة «ذا ناشيونال» عن موقف أميركي يؤكد أن المصارف المقيدة لم تستعد بعد إمكانية التعامل بالدولار، وأن إعادة تأهيلها تتطلب استيفاء سلسلة من المتطلبات التنظيمية.
ويكشف هذا التباين في عرض التطورات عن أهمية التفريق بين موافقة مبدئية على مسار الإصلاح وبين قرار نافذ بإعادة المصرف إلى شبكة الدولار العالمية.
وتشير القراءة الاقتصادية إلى أن إصلاح المصارف العراقية لم يعد مجرد تحديث لأنظمتها الداخلية، بل أصبح مرتبطاً بثقة المؤسسات الرقابية الدولية والمصارف المراسلة بقدرتها على تحديد مصادر الأموال والملكية الحقيقية للشركات والالتزام بالعقوبات المعمول بها.
ثامناً: التداعيات المحتملة على الدينار والقطاع المصرفي
لا تقتصر آثار القيود الأميركية على المصارف المعنية مباشرة، بل قد تمتد إلى حركة التجارة والائتمان والثقة العامة، خصوصاً إذا استمرت الضغوط بالتزامن مع ارتفاع الطلب على الدولار في السوق المحلية.

والخطر الأكبر لا يكمن بالضرورة في نقص الدولار داخل العراق، بل في قدرة النظام المصرفي على إيصال المدفوعات المشروعة إلى الخارج بأقل تكلفة وأعلى مستوى من الامتثال.
فإذا توفرت قنوات مصرفية رسمية كافية لتحويل أموال المستوردين، يمكن تقليل تأثير تقييد مصارف معينة. أما إذا أدت القيود إلى تأخر المدفوعات أو زيادة الطلب على الدولار النقدي، فقد تتسع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية.
ومن الضروري هنا عدم الخلط بين ثلاثة ملفات منفصلة: إمدادات الدولار النقدي، والحوالات التجارية الدولية، وسعر صرف الدينار. ففرض عقوبة على مصرف معين لا يعني تلقائياً توقف الدولار عن الوصول إلى البنك المركزي العراقي أو وقف التعامل بالدولار على مستوى الدولة.
تاسعاً: البعد السياسي.. هل العقوبات تستهدف المصارف أم النفوذ الإيراني؟
تشير قراءة التسلسل الزمني للقرارات الأميركية إلى أن السياسة المالية تجاه العراق باتت مرتبطة بصورة متزايدة بالاستراتيجية الأميركية الخاصة بإيران.
فواشنطن ترى أن حماية النظام المالي من شبكات الالتفاف على العقوبات جزء من أدوات أمنها القومي، بينما تحتاج بغداد إلى الحفاظ على انفتاحها المصرفي وعلاقاتها التجارية مع مختلف الشركاء الإقليميين والدوليين.
ويضع هذا الواقع الحكومة العراقية أمام معادلة دقيقة، خصوصاً مع وصول شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة إلى مناصب رسمية، واستمرار العقوبات الأميركية على أفراد ومؤسسات تعتبرها واشنطن مرتبطة بإيران.
لكن لا توجد أدلة منشورة تكفي لإثبات أن العقوبات الأميركية الأخيرة على المصرف الدولي للتنمية صدرت بسبب التوسعة الوزارية أو أن هناك اتفاقاً سياسياً سرياً يقضي بفرض عقوبات مقابل السماح بمشاركة قوى معينة في الحكومة.
والأقرب، استناداً إلى الإعلانات الأميركية، أن واشنطن تسير في مسار مالي مستمر يستهدف شبكات محددة وفق معايير العقوبات والامتثال، بصرف النظر عن استمرار العلاقات الدبلوماسية مع بغداد.
وقد تترتب على هذه السياسة نتائج سياسية مهمة؛ فكلما اتسع نطاق القيود، ازدادت الضغوط على الحكومة لإثبات قدرتها على حماية استقلالية مؤسسات الرقابة المصرفية، ومنع توظيف المصارف لأغراض حزبية أو لتنفيذ معاملات مخالفة للقانون.
وفي المقابل، فإن نجاح برنامج الإصلاح وإعادة التأهيل يمكن أن يساعد في تخفيف التوتر وفتح قنوات مصرفية أوسع أمام الشركات والمواطنين.
عاشراً: ما الذي لا يزال غامضاً ويحتاج إلى تحقيق مستقل؟
تكشف الوثائق التي جرت مراجعتها عن معلومات مهمة، لكنها لا تجيب وحدها عن جميع الأسئلة المتعلقة بحجم المخالفات ومسؤوليات إدارات المصارف أو مصير أموال المودعين.
ولذلك، ترى الوكالة أن استكمال التحقيق يتطلب إجابات موثقة عن الأسئلة التالية:
- ما العدد الحالي للمصارف التي لا تزال مقيدة بالدولار بعد إجراءات إعادة التأهيل والقرارات اللاحقة لقائمة شباط 2026؟
- ما أسماء المصارف السبعة المؤهلة، وما الذي نفذته فعلياً من شروط إعادة الترخيص والمراسلة الدولية؟
- هل تمت إحالة مخالفات مصرفية محددة إلى القضاء العراقي، وما نتائج التحقيقات والأحكام النهائية إن وجدت؟
- ما حجم الأموال التي ثبت تحويلها عبر مستندات مزورة، مقارنة بإجمالي التحويلات التجارية المشروعة؟
- ما إجراءات البنك المركزي لحماية المودعين في المصارف الخاضعة للعقوبات أو الوصاية؟
- هل توجد ترتيبات رقابية جديدة مع وزارة الخزانة الأميركية تخص مصارف عراقية أخرى، وما طبيعتها القانونية؟
ويجب أن توجه هذه الأسئلة رسمياً إلى البنك المركزي العراقي ووزارة المالية والجهات القضائية المختصة وإدارات المصارف المعنية، مع منح كل جهة فرصة للرد قبل نشر أي اتهامات إضافية.
الوثائق
- البنك المركزي العراقي – قوائم المقيدين من التعامل بالدولار، شباط 2026
- الوثيقة الرسمية بأسماء المصارف وأرقامها التعريفية (PDF)
أخبار قد تهمك
ثورة في المصانع.. روبوت بشري يعمل 20 ساعة يومياً بشحن لا يتجاوز 9 دقائق
واشنطن تضع إيران أمام خيارين.. اتفاق نووي أو ضربات عسكرية مدمرة
الفصائل في الحكومة.. ضوء أخضر أميركي أم صفقة سياسية؟
البدراني يؤكد التزام وزارة الثقافة بصون التراث الثقافي غير المادي لمختلف مكونات المجتمع
“السترات الصفراء” تعود الى الشوارع.. والاحتجاجات تهز فرنسا
سجن صاحبة دار حضانة في الصين مدى الحياة بعد تسمم مئات الأطفال
خروج البابا ليو من المستشفى بعد جراحة لعلاج سرطان الرئة
محتجون يشتبكون مع الشرطة خلال مظاهرات عمت أرجاء فرنسا
بعد العقوبات الامريكية.. بنك التنمية: مستعدون للتعاون وتوضيح الحقائق
المتحدثة بأسم البيت الأبيض تترك منصبها بعد أقل من خمسة أيام على تسلمه
الخفاجي يكشف عن توجيهات حكومية بإيقاف وإلغاء إجراءات





