من يرسم بوصلة بغداد؟

محمد جواد الميالي

أثبت الواقع وتجاربنا السابقة في العراق، أن قوة الحكومات تقاس لا بعدد مقاعدها البرلمانية، أو حجم خطاباتها الإعلامية، وإنما بالجهات الداعمة التي تمتلك القدرة على منحها الشرعية، أو سحبها عند أول منعطف.

البلد ومنذ عام 2003، صار نموذجا لدولة تتقاطع فوقها رافعات داخلية وخارجية، يتقدمها الوزن الأمريكي كأحد أبرز المؤثرات في البيئة السياسية، إلى جانب قوى محلية وإقليمية، تمتلك بدورها أدوات تأثير متفاوتة.

أثبتت التجارب المتعاقبة أن رئيس الوزراء، لا يتحرك داخل فراغ سياسي، بل ضمن شبكة معقدة من توازنات حزبية، برلمانية، إقليمية ودولية.. وكلما ازداد اعتماد الحكومة على رافعة معينة، انعكس ذلك على أولوياتها في السياسة الخارجية والاقتصاد والأمن، وهو ما يجعل قراءة أداء أي حكومة يبدأ من سؤال واحد.. من هي القوى التي صنعت ولادتها السياسية؟

لعل حكومة عادل عبد المهدي، تمثل إحدى أكثر التجارب التي توضح هذه المعادلة، فقد طرح الرجل آنذاك توجهاً نحو توسيع التعاون الاقتصادي مع الصين، وتداولت وسائل الإعلام الحكومية مبادرة “النفط مقابل الإعمار” والتي قُدمت باعتبارها محاولة لتنويع الشراكات الاقتصادية، بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الغرب، غير أن هذا التوجه واجه انتقادات حادة، من أطراف رأت فيه انحيازاً قد يفتح الباب أمام نفوذ صيني متزايد، فيما رأى مؤيدوه أنه يمثل محاولة لكسر احتكار الشركات الغربية لمشاريع البنى التحتية.

هذه التجربة أدت إلى احتجاجات تشرين عام 2019، التي ارتبطت بعوامل متعددة، من بينها الفساد، والبطالة، وسوء الخدمات، بينما رأت بعض القراءات السياسية، أن التنافس الدولي على العراق، كان الجزء الأوسع المحيط بمرحلة عبد المهدي، والذي انتهى بإستقالة الحكومة.

اليوم يبدو المشهد وكأنه يتحرك في ذات الإتجاه، فزيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، وما رافقها من الإعلان عن عشرات مذكرات التفاهم والاتفاقيات الاقتصادية، إلى جانب مشاريع جديدة في قطاع الطاقة، توحي بأن بغداد تسير نحو تعميق شراكتها مع الولايات المتحدة، ولا اعتراض على مبدأ تنويع الشراكات إذا كان قائماً على المصلحة الوطنية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه، ما الذي تغيّر في جوهر التجربة؟

إن الشركات الأمريكية ليست جديدة على قطاع الطاقة العراقي، بل تعمل فيه منذ سنوات طويلة بعقود ضخمة، مع ذلك ما زال العراقيون يعيشون أزمة كهرباء مزمنة، وما زالت منظومة الطاقة عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات البلاد، فإذا كانت تلك الشركات قد حصلت على الفرصة الكافية، فأين النتائج؟ وهل المشكلة في هوية المستثمر، أم في منظومة الإدارة والحوكمة والفساد وسوء التخطيط؟

الحقيقة تكمن في أن الإخفاق نتاج عوامل داخلية وخارجية معاً، ولا يمكن اختزاله في طرف واحد، لكن المفارقة السياسية أنه حين اتجهت حكومة عبد المهدي شرقاً، انقسمت الساحة العراقية بشدة حول هذا الخيار، رغم عدم تجربته، والآن مع تعاظم الانفتاح على واشنطن، تبدو ردود الفعل مختلفة في طبيعتها وحدّتها.

التجارب تشير إلى أن العراق كلما اقترب من الانحياز الكامل لمحور معين، ارتفعت كلفة ذلك داخلياً، فتركيبته السياسية والاجتماعية، وموقعه الجغرافي، وتشابك مصالح الفاعلين فيه، تجعل من سياسة التوازن خياراً أكثر قابلية للاستمرار من سياسة الاصطفاف الحاد، غير أن الحفاظ على هذا التوازن لا يكون بالشعارات، بل ببناء مؤسسات دولة قادرة على اتخاذ القرار وفق المصلحة الوطنية، بعيداً عن ضغوط الخارج وصراعات الداخل.

رغم أن المعضلة الحقيقية ليست في وجود التأثيرات الخارجية بحد ذاتها، فذلك أمر تعرفه معظم الدول، وإنما في قدرة الدولة العراقية على إدارة هذه التأثيرات بما يحفظ استقلال قرارها، ويحقق مصالح مواطنيها، لا أن يحوله إلى ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى، بينما يبقى المواطن، هو الطرف الذي يدفع الثمن في كل مرة.

زر الذهاب إلى الأعلى