منهاج حكومة علي الزيدي تحت المجهر.. وثيقة حسن نوايا بلا مشروع دولة

المستقلة/- يقدم المنهاج الوزاري المقترح لحكومة علي فالح كاظم الزيدي للفترة 2026–2029 وثيقة سياسية واسعة العناوين، لكنها لا ترتقي، بصيغتها الحالية، إلى مستوى مشروع دولة مكتمل. فالوثيقة تتحدث عن “دولة مستقرة، واقتصاد منتج، وشراكات متوازنة”، وهي عناوين صحيحة في بلد يواجه أزمات متداخلة في السيادة والاقتصاد والخدمات والفساد والسلاح والعلاقات الخارجية، لكنها تبقى أقرب إلى إعلان نوايا منها إلى برنامج تنفيذي قابل للقياس والمحاسبة.

فالمنهاج يضع معظم الملفات المهمة على الطاولة: حصر السلاح بيد الدولة، إصلاح الاقتصاد، تنويع الإيرادات، معالجة ملف الكهرباء، تطوير القطاع الخاص، مكافحة الفساد، تحسين الخدمات، وتوازن السياسة الخارجية. غير أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب العناوين، بل في غياب الإجابات العملية: ما الأولوية الأولى؟ ما الجداول الزمنية؟ ما الكلف؟ من الجهة المسؤولة عن التنفيذ؟ وما مؤشرات النجاح أو الفشل؟

وبهذا المعنى، تبدو الوثيقة أقرب إلى نص سياسي يريد طمأنة الجميع، لا إلى خطة حكم تريد إلزام مؤسسات الدولة بمسار واضح. فهي ترضي الخطاب العام، لكنها لا تصطدم بما يكفي مع مراكز التعطيل التي صنعت أزمات العراق خلال السنوات الماضية.

رؤية واسعة بلا ترتيب أولويات

تقوم الرؤية العامة للمنهاج على ثلاثة محاور كبرى: الاستقرار، والإنتاج، والتوازن الخارجي. وهذه عناوين لا يمكن الاعتراض عليها نظرياً، إذ لا اقتصاد منتجاً من دون دولة مستقرة، ولا استثماراً من دون أمن وقانون، ولا سياسة خارجية ناجحة من دون قرار وطني موحد.

لكن الوثيقة لا تقول بوضوح من أين ستبدأ الحكومة. هل تبدأ من حصر السلاح؟ أم من إصلاح المالية العامة؟ أم من الكهرباء؟ أم من مكافحة الفساد؟ أم من المياه؟ وفي بلد يعاني من أزمات متراكمة، فإن وضع كل الملفات في مستوى واحد يحوّل المنهاج إلى قائمة رغبات، لا إلى خريطة حكم.

السيادة والسلاح.. الاختبار الذي لا تكفيه العبارة

يحظى ملف السيادة والأمن الوطني بموقع متقدم في المنهاج، من خلال الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة، وتوحيد القرار الأمني، وتعزيز الأجهزة الأمنية والاستخبارية، وضبط الحدود، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

وهذا الترتيب صحيح سياسياً، لأن أزمة الدولة العراقية تبدأ من تعدد مراكز القوة والقرار. لكن السؤال الجوهري هو: كيف ستفعل الحكومة ذلك؟ فحصر السلاح في العراق ليس قراراً إدارياً، ولا بنداً يمكن تنفيذه ببيان حكومي، بل ملف سياسي وأمني وإقليمي شديد التعقيد.

كان يفترض أن يقدم المنهاج تصوراً أكثر وضوحاً لربط التمويل والتسليح والتدريب والقرار العملياتي بالدولة حصراً، ومنع أي قرار عسكري أو أمني أو خارجي خارج القنوات الرسمية. من دون ذلك، يبقى الحديث عن حصر السلاح شعاراً صحيحاً لكنه غير مكتمل.

اقتصاد منتج.. لكن بلا أرقام

في الجانب الاقتصادي، يتبنى المنهاج عناوين مهمة، منها تنويع الاقتصاد، الانضباط المالي، إعادة هيكلة الإنفاق العام، تعزيز الإيرادات غير النفطية، إصلاح القطاع المصرفي، تمكين القطاع الخاص، إصلاح الشركات العامة، وإنشاء مجالس وصناديق للاستقرار المالي والاستثمار والأجيال.

هذه العناوين تعكس تشخيصاً عاماً لمشكلة الاقتصاد العراقي، الذي ما زال رهين النفط، ومثقلاً بالإنفاق التشغيلي، وضعيفاً في بيئة الأعمال والاستثمار. لكن المنهاج يتجنب الأسئلة الصعبة: كيف ستتعامل الحكومة مع كتلة الرواتب؟ كم تستهدف من الإيرادات غير النفطية؟ ما خطة إصلاح الشركات الخاسرة؟ ما دور الدولة في التوظيف؟ وكيف سيتم تقليص الاعتماد على النفط؟

من دون أرقام ونسب ومؤشرات أداء، يبقى الإصلاح الاقتصادي في دائرة الخطاب العام. فالاقتصاد لا يُدار بالنوايا، بل بالأهداف القابلة للقياس.

الكهرباء والطاقة.. محور أكثر واقعية

يبدو ملف الكهرباء والطاقة من أكثر المحاور واقعية في المنهاج، إذ يتحدث عن إصلاح الإنتاج والنقل والتوزيع، ومراجعة الدعم، وإشراك القطاع الخاص، والتحول إلى الشبكة الذكية، وتطوير الغاز المحلي، وتقليل الاستيراد، وإيقاف حرق الغاز المصاحب.

هذه المعالجة تلامس جوهر أزمة الكهرباء في العراق، فهي ليست أزمة إنتاج فقط، بل أزمة وقود وشبكات وجباية وهدر وفساد ودعم غير منظم. غير أن نجاح هذا المحور يحتاج إلى قرارات صعبة، خصوصاً في التعرفة والجباية والضائعات والعقود، مع حماية واضحة للفئات الفقيرة.

وكان من الضروري أن يحدد المنهاج أهدافاً رقمية: كم ستخفض الحكومة الهدر؟ كم سترفع الجباية؟ ما حجم الغاز المحلي المستهدف؟ ومتى يتراجع الاعتماد على الاستيراد؟ من دون هذه الأرقام، ستبقى الكهرباء عنواناً دائماً في كل منهاج حكومي.

السياسة الخارجية.. توازن صحيح يحتاج إلى أدوات

يعتمد المنهاج لغة متوازنة في السياسة الخارجية، تقوم على إبعاد العراق عن محاور الصراع، وتعزيز العلاقات مع الدول العربية والخليجية ودول الجوار، وتفعيل الاتفاقيات الاقتصادية، ومنع استخدام العراق منطلقاً للاعتداء أو ساحة لتدخلات الآخرين.

هذه اللغة مناسبة لواقع العراق. لكنها لا تكفي وحدها. فالحكومة المقبلة لا تحتاج إلى توازن دبلوماسي فقط، بل إلى سياسة خارجية منتجة اقتصادياً وأمنياً، توظف العلاقات في ملفات المياه والطاقة والاستثمار والربط التجاري والمصارف وحماية الحدود.

العراق لا يستطيع أن يكتفي بالوقوف بين المحاور؛ عليه أن يحوّل موقعه إلى مكسب، لا إلى عبء.

مكافحة الفساد.. عنوان حاضر وآليات محدودة

يتحدث المنهاج عن النزاهة، والشفافية، واسترداد الحقوق العامة، وتقليص البيروقراطية، والتحول الرقمي، وبناء منظومة وطنية لإدارة البيانات. وهذه كلها عناوين ضرورية.

لكن الفساد في العراق لم يعد خللاً إدارياً فقط، بل شبكة مصالح مرتبطة بالعقود والمنافذ والمصارف والتعيينات والمقاولات وتمويل القوى السياسية. لذلك، فإن مواجهة الفساد تحتاج إلى أدوات أشد وضوحاً: إصلاح نظام المشتريات الحكومية، رقمنة العقود والمنافذ، حماية المبلغين، منع تضارب المصالح، تتبع تضخم الثروات، ونشر تقارير دورية عن الملفات الكبرى.

من دون ذلك، ستبقى مكافحة الفساد بنداً مكرراً في كل حكومة، لا سياسة قادرة على تغيير قواعد اللعبة.

الخدمات والمجتمع.. حضور واسع بلا تمويل واضح

يعطي المنهاج مساحة للتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والشباب والمرأة والطفل، ويتحدث عن بناء المدارس، وتطوير التعليم المهني، وتوسيع التأمين الصحي، واستكمال المستشفيات، وتحديث شبكة الحماية الاجتماعية، والتحول من الإعانات إلى التمكين.

لكن هذه الملفات تحتاج إلى نموذج تمويل وتنفيذ. فالتحول من الإعانات إلى التمكين لا يتم بالشعارات، بل بسوق عمل حقيقي، وقطاع خاص قادر على التشغيل، وتمويل للمشاريع الصغيرة، وربط التعليم بحاجات الاقتصاد.

أما من دون ذلك، فإن الوعود الاجتماعية ستظل قائمة على الإنفاق العام، في وقت يعترف فيه المنهاج نفسه بالحاجة إلى الانضباط المالي.

المياه والزراعة.. ملف مصيري لم يأخذ وزنه

يتناول المنهاج الأمن الغذائي، وتحديث الزراعة، وترشيد المياه، وربط علاقات العراق بدول المنبع بمصالحه المائية والزراعية. لكن ملف المياه كان يستحق موقعاً أعلى وأكثر تفصيلاً.

فالمياه لم تعد ملفاً زراعياً، بل قضية أمن وطني. وكان ينبغي أن يتضمن المنهاج خطة تفاوضية وإدارية واستثمارية واضحة مع تركيا وإيران وسوريا، وإصلاح شبكات الري، ومنع التجاوزات والهدر، وحماية الأهوار، وإعادة تنظيم السياسة الزراعية بما ينسجم مع واقع الشح المائي.

وثيقة للنخب لا للناس

من الناحية الإعلامية، تبدو الوثيقة مكتوبة بلغة رسمية موجهة إلى النخب السياسية والمؤسساتية، لا إلى المواطن. والمواطن لا يسأل عن عدد المحاور، بل عن النتائج: هل ستتحسن الكهرباء؟ هل تتراجع البطالة؟ هل تنخفض الرشوة؟ هل تعود هيبة القانون؟ هل يبقى العراق بعيداً عن الحرب؟

لذلك، تحتاج أي حكومة تتبنى هذا المنهاج إلى تحويله إلى خطة اتصال واضحة: أولويات أول 100 يوم، ثم أول سنة، ثم تقارير إنجاز دورية بلغة الأرقام لا الوعود.

منهاج حكومة علي الزيدي، بصيغته المطروحة، وثيقة سياسية واسعة وطموحة، تضع معظم الملفات الصحيحة على طاولة النقاش، لكنها لا تقدم بعد مشروع دولة مكتمل. قوته في العناوين، وضعفه في التنفيذ. يملك لغة مناسبة للمرحلة، لكنه يفتقر إلى الأولويات الحاسمة، والأرقام، والكلف، والجداول الزمنية، وآليات المحاسبة.

ولكي يتحول من وثيقة حسن نوايا إلى برنامج حكم، يحتاج إلى خطة تنفيذية محددة لأول 1000 يوم، تتضمن أولويات واضحة، ومؤشرات قياس، ومصادر تمويل، ومسؤوليات مباشرة، وتقرير إنجاز دوري أمام الرأي العام.

أما بصيغته الحالية، فهو منهاج جيد في الرؤية العامة، متوسط في المحاور القطاعية، وضعيف في القابلية التنفيذية والواقعية السياسية. ولذلك يمكن وصفه بدقة بأنه **وثيقة حسن نوايا لا مشروع دولة**.

زر الذهاب إلى الأعلى