العراقيون والغربة والذكريات
د. جاسم الشمري – العراق …
جاء في قواميس اللغة العربية أن ” غَريب: (اسم)، والجمع: أَغْراب وغُرَباءُ، والمؤنث: غريبة، والجمع للمؤنث: غريبات وغرائِبُ. والغَرِيبُ: غير المعروف. والغَرِيبُ: الرجلُ ليس من القوم، ولا من البلد”.
والغربة، والغريب، والغرباء، والغريبات كلها مصطلحات ممزوجة بالألم، والآهات، والأحزان، وخاوية من العطف، والرحمة، والإحسان.
وهذه الحياة عبارة عن محطات متنوعة، وربما في لحظة مقدرة يجد بعض الناس أنفسهم في محطة نائية بعيداً عن أرضهم وأهلهم وذكرياتهم؛ وكأنهم يولدون من جديد؛ وكأن ما مروا به من محطات – في سالف الأيام – مجرد أحلام، لا وجود لها على أرض الواقع!
في ديار الغربة يحتاج الإنسان – مهما كان عمره، أو منصبه، أو وضعه المادي – إلى لمسة حنان، ولحظة ود بريئة، ونظرة عطف حميمة؛ لأن الغربة تكون سبباً للضعف الروحي والمعنوي.
خلال رحلة الغربة العسيرة تجمعنا الأيام بأناس – ربما – لا يمكن أن نجالسهم في الظروف الطبيعية، ومع ذلك فنحن مضطرون لأن نجاملهم ونتعايش معهم، وعلى النقيض من ذلك هنالك من ينحتون أسماءهم في صميم الروح والفكر، ولا يمكن أن يفارقوا الوجدان والذاكرة؛ ألا بعد أن تفارق الروح هذا الجسد الهزيل.
هؤلاء المتميزون نجد أحدهم رائداً في كل شيء، رائداً في الصدق، والوفاء، والعطف، والحنان، والمودة، والألفة، والعطاء، بل حتى في الابتسامة، هم نسمات عليلة تبعث فينا الحب والأمل، والاندفاع نحو العمل، والتمسك بالحياة.
مثل هؤلاء الناس، لا يمكن محوهم من الذاكرة؛ لأنهم متربعون في القلب والفكر والوجود؛ وهم بلسم للجراح العميقة، التي تتركها الغربة في الروح والعقل والجسد.
هموم العراقيين في غربتهم الإجبارية لا يمكن وصفها، فهذه الغربة مزقت أفكارهم ومشاعرهم، وصاروا بسببها – ربما – لا يفرقون بين هجر الوطن وفقدان الأحبة، ولا بين غدر العدو وجفاء الصديق، ولا بين سجون المليشيات ومعتقلات الذكريات، ولا بين اغتيال الأحباب والإعدام المعنوي، ولا بين الغربة والضياع، ولا بين الطمأنينة والخوف والإرهاب الرسمي، ولا بين الأفراح والأتراح، بل إنهم ما عادوا يفرقون – مع الأسف الشديد – بين الحياة والموت.
ما ذكرته حول هموم العراقيين، هي أفكار متناقضة، وغالبيتها نجدها في عقل المهجر، أو في ذلك الكهف الفكري العقلي للمغترب، المغلوب على أمره، في غالبية مجالات حياته خلال تلك الرحلة المريرة، رحلة الغربة القاتلة، وهو في كل الأحوال مجبر على التعايش معها بشكل، أو بآخر!
علمتنا التجربة أن الحياة بعيداً عن الوطن، أو الأهل، أو الأصدقاء، أو الأحباب، هي مرحلة من مراحل الموت البطيء، التي يعاني منها الكثير من المهجرين العراقيين، وهي من أصعب الآلام التي تواجه الكائن البشري؛ وخصوصاً حينما تمتزج تلك الغربة بمشاعر إنسانية – ربما تكون – قد اغتيلت برمشة عين، أو غلطة شاطر، أو غيرها من الأسباب غير المنظورة!
الغربة – تلك الكلمة التي نلمس الحسرة في حروفها، بمجرد النطق بها – يمكن أن تتحول إلى خنجر مسموم يُغرس في أجساد المغتربين؛ وذلك حينما يرحل عنهم من كان في يوم من الأيام النعيم، الذي لا يشابهه نعيم آخر، والسرور الذي لا غصة فيه، والروح التي لا علة فيها، والرفقة التي لا يشوبها كذب ولا خداع!
هي الغربة تقول بملء فيها: حذار، حذار من عذابي، وسقمي.
ويكفينا هنا ما سطره الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، في رائعته: ( لا تـَطرُق الباب)؛ إذ صدح قائلاً:
لا تـَطرُقِ الباب.. تَدري أنـَّهم رَحَلوا
خُذِ المَفـاتيحَ وافتـَحْ، أيـُّها الرَّجُلُ! …
* * *
لا تـَطرُقِ الباب.. مِن يَومَين تَطرُقـُها
لكنـَّهم يا غـَزيرَ الشـَّيبِ ما نـَزَلوا!…
إلى أن يختم قصيدته بالقول:
يا أدمـُعَ العَين.. مَن منكـُم يُشـاطِرُني
هـذا المَسـاء، وَبـَدْرُ الحُزنِ يَكتـَمِلُ؟!
هـا بَيتيَ الواسـِعُ الفـَضفاضُ يَنظرُ لي
وَكلُّ بـابٍ بـِهِ مِزلاجـُهـا عـَجـِلُ
كـأنَّ صـَوتاً يـُناديـني، وأسـمَعـُهُ
يا حارِسَ الدّار.. أهلُ الدارِ لن يـَصِلوا.
أخبار قد تهمك
نائب؛ يحذر من “انفجار أزمة” الكوادر الطبية ويكشف عن هدر مالي
الموسوي: البرلمان ليس ساحة للصراعات بل للتكامل وحماية مؤسسات الدولة
العراق أمام الكويت.. «الفوز أولاً» لحسم الطريق نحو نصف نهائي خليجي 27
ملف حساس على طاولة بغداد وواشنطن.. خدمات الطيران الإيراني تحت نقاش العقوبات
العثور على جثث 14 جندي في كازاخستان عقب حادثة خلال تدريبات بحرية
أغلاق أكبر مصنع للصلب في أوكرانيا عقب ضربات روسية
السعودية تعترض ستة صواريخ من اليمن
ماكرون يتعهد بإرسال “موارد عسكرية” لحماية خط أنابيب الينبع في السعودية
ماكرون ينفي قيام وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بالتحذير من هجوم بطائرات مسيرة روسية
انقطاع خدمات الإنترنت وشبكات الهاتف في إقليم تيغراي بعد مخاوف من عودة الحرب
خليجي 27: قطر تهزم البحرين بثنائية نظيفة





