البنك المركزي العراقي يعيد ترتيب أوراقه.. إعادة هيكلة واسعة لتعزيز الرقابة المالية

المستقلة/- في خطوة تعكس توجهاً نحو تحديث العمل المؤسسي وتعزيز الرقابة على القطاع المالي، أجرى البنك المركزي العراقي سلسلة تغييرات تنظيمية واسعة شملت هيكل الدوائر والأقسام الداخلية، بهدف رفع كفاءة الأداء وتطوير آليات المتابعة والرقابة بما ينسجم مع المتغيرات الاقتصادية والمالية في العراق.

أبرز هذه القرارات تمثّل برفع مستوى مديرية الرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية إلى دائرة عامة مستقلة تحت مسمى دائرة الرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية، في إشارة واضحة إلى الأهمية المتزايدة لهذا القطاع الذي يشمل شركات الصرافة، الدفع الإلكتروني، التمويل، وغيرها من المؤسسات المالية خارج إطار المصارف التقليدية.

ويأتي تعزيز مكانة هذه الدائرة في وقت يشهد فيه القطاع المالي العراقي توسعاً كبيراً في الخدمات الرقمية وزيادة الحاجة إلى رقابة أكثر تخصصاً على المؤسسات غير المصرفية، خصوصاً مع توجه البنك المركزي نحو تنظيم سوق المدفوعات الإلكترونية ومكافحة عمليات غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.

كما شملت إعادة الهيكلة نقل عدد من الأقسام بين الدوائر، حيث تم نقل قسم العمليات والتسويات إلى دائرة المحاسبة، إضافة إلى نقل أقسام مرتبطة بالسياسات والتنظيم والحلول والخدمات المالية الرقمية إلى دائرة الرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية، بما يعكس محاولة توحيد الاختصاصات وتقليل التداخل الإداري بين التشكيلات.

ومن بين القرارات المهمة أيضاً تغيير اسم دائرة تقنية المعلومات والمدفوعات إلى دائرة تقنية المعلومات، في خطوة تهدف إلى فصل الجانب التقني عن الجوانب الرقابية والتنظيمية المرتبطة بالمدفوعات، مع منح التكنولوجيا دوراً أكبر في دعم البنية التحتية للبنك المركزي.

وفي إطار إعادة توزيع المهام، قرر البنك المركزي إلغاء قسم الشمول المالي، وتوزيع مهامه بين عدد من الدوائر المختصة، وهو قرار يعكس توجهاً نحو دمج ملف الشمول المالي ضمن الأعمال الأساسية للرقابة المصرفية والإحصاء والبحث والرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية، بدلاً من حصره في قسم مستقل.

كما تضمنت القرارات تعزيز جانب إدارة المخاطر، من خلال إلغاء قسم أمن المعلومات ونقل مهامه إلى قسم إدارة المخاطر، مع التنسيق مع دائرة تقنية المعلومات، وهو إجراء يأتي في ظل تصاعد أهمية الأمن السيبراني وحماية الأنظمة المالية من المخاطر الإلكترونية.

إضافة إلى ذلك، أعاد البنك المركزي تنظيم ارتباط فروعه في المحافظات، حيث تم إلغاء مكتب متابعة وتنسيق أعمال الفروع، وربط فروع البصرة والموصل وأربيل مباشرة بنائب المحافظ، بهدف تسريع عملية اتخاذ القرار وتحسين التواصل الإداري بين الإدارة المركزية والفروع.

ويرى مراقبون أن هذه التغييرات لا تمثل مجرد تعديلات إدارية داخلية، بل تعكس مرحلة جديدة في عمل البنك المركزي العراقي، تقوم على بناء مؤسسة أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع التحديات المالية، خصوصاً مع توسع الاقتصاد الرقمي، وتشديد المعايير الدولية في مجال الرقابة والامتثال المالي.

وتأتي هذه الخطوات ضمن مسار أوسع لتطوير القطاع المصرفي العراقي، وتحسين الحوكمة، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز ثقة المؤسسات المحلية والدولية بالنظام المالي العراقي.

ومن المقرر أن تدخل هذه القرارات حيز التنفيذ قبل نهاية شهر تموز 2026، على أن تتولى مديرية شؤون الموارد البشرية إعادة توزيع الموظفين وفق الاختصاصات والمهام الجديدة.

إعادة هيكلة البنك المركزي تمثل رسالة بأن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزاً أكبر على الرقابة المتخصصة، التكنولوجيا المالية، إدارة المخاطر، وتطوير الأداء المؤسسي، بما يواكب التحولات التي يشهدها القطاع المالي في العراق والمنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى