
الانتقال من المجتمع الأيديولوجي إلى مجتمع المواطنة: ضرورة للمستقبل
مسعد سلیتي
إن كثيرًا من أزمات المجتمعات المعاصرة لا تنبع أساسًا من نقص الموارد الطبيعية أو ضعف الهياكل الإدارية، بقدر ما تنبع من نظرة تلك المجتمعات إلى الإنسان والسلطة والهوية. وقد أظهر التاريخ المعاصر أن التنمية المستدامة والحريات المدنية والعدالة الاجتماعية والحكم الرشيد لا تتحقق إلا في المجتمعات التي نجحت في تجاوز هيمنة الأيديولوجيات الشاملة، ووضعت الإنسان — بوصفه مواطنًا يتمتع بالكرامة الأصيلة والحقوق المتساوية — في قلب منظومتها الفكرية والسياسية.
ونحن اليوم أمام سؤال مصيري: هل يمكن الانتقال من مجتمع تُعرَّف هويته وتنظيمه السياسي أساسًا على أساس أيديولوجي، إلى مجتمع يكون فيه الإنسان والمواطن نقطة البداية والنهاية للسياسة والقانون والتنمية؟
هذا السؤال ليس نظريًا فحسب، بل يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمصير التنمية الاقتصادية، والتماسك الوطني، والحريات العامة، وحقوق المرأة، وجودة الحكم، ومستقبل الأجيال القادمة.
ما هو المجتمع الأيديولوجي؟
المجتمع الأيديولوجي هو المجتمع الذي يقدّم فيه جهاز فكري أو هوياتي معين نفسه مرجعًا نهائيًا للحقيقة والشرعية، ويُخضع له سائر مجالات الحياة الاجتماعية، من الاقتصاد والثقافة إلى الحقوق والتعليم.
في هذه المجتمعات لا يُعرَّف الإنسان بوصفه فردًا مستقلاً يتمتع بحقوق أصيلة، بل يُعرَّف أساسًا بوصفه عضوًا في هوية جماعية أكبر؛ هوية قد تكون دينية أو عرقية أو قومية أو أيديولوجية.
وفي تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، كان للخطاباتين الرئيسيتين — الإسلام السياسي والقومية الأيديولوجية — التأثير الأكبر على الفضاء الفكري والسياسي. ورغم اختلافاتهما الواضحة، فإنهما يشتركان في خاصية محورية: وضع أيديولوجيا أو هوية جماعية في المركز بدل الإنسان. وفي مثل هذا الفضاء، لا تُقاس قيمة الفرد بكونه إنسانًا، بل بمقدار اقترابه من المعايير الأيديولوجية.
حدود المجتمع الأيديولوجي
تُظهر التجربة العالمية أن المجتمعات الأيديولوجية — بغض النظر عن نوع الأيديولوجيا الحاكمة — تواجه تحديات متشابهة: تقييد التعدد الفكري والثقافي، إضعاف التفكير النقدي، رسم حدود «الذات» و«الآخر»، تقديم الولاء الأيديولوجي على الكفاءة، صعوبة الحوار الوطني، وتفاقم الصراعات الاجتماعية والهوياتية.
في ظل هذه الظروف، يُصنَّف المواطنون على أساس الانتماءات الهوياتية والأيديولوجية بدلاً من تعريفهم على أساس حقوق متساوية ونتيجة ذلك انخفاض رأس المال الاجتماعي، واتساع الفجوات الاجتماعية، وصعوبة مسار التنمية.
مجتمع المواطنة: النموذج الجديد للحكم
في المقابل، يقوم مجتمع المواطنة على المبدأ الأساسي: «الإنسان قبل أي هوية أخرى، هو صاحب كرامة وحقوق أصيلة. »
في مجتمع المواطنة يمكن للأفراد أن يحملوا معتقدات دينية وعرقية وثقافية وسياسية مختلفة، لكن الرابط المشترك بينهم هو «المواطنة» والتمتع بحقوق وواجبات متساوية.
مجتمع المواطنة ليس مجتمعًا يلغي الهويات، بل هو نظام لا يعلو فيه أي هوية على كرامة الإنسان.
وفي هذا الإطار، لا تستمد شرعية النظام السياسي من الأيديولوجيا، بل من احترام حقوق المواطنين، وسيادة القانون، والشفافية، والرضا العام. وهذا النموذج يتوافق مع تجارب المجتمعات الديمقراطية المتقدمة الناجحة (مثل ألمانيا ما بعد النازية.(
الإنسانوية المواطنية: أساس التحول
إن الانتقال من المجتمع الأيديولوجي إلى مجتمع المواطنة لا يتطلب تحولًا سياسيًا فحسب، بل يحتاج إلى تحول فكري وثقافي عميق.
ويسعى خطاب تیار المواطنة إلى تهيئة هذا الأساس. ويرتكز هذا الخطاب على مجموعة مترابطة ومتكاملة من المبادئ: الكرامة الأصيلة للإنسان، وحقوق الإنسان، وحقوق المواطنة وواجباتها، والحريات الأساسية، والليبرالية السياسية وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، والتعددية، والعلمانية بوصفها ضمانًا لحياد الدولة، وحقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، والديمقراطية، والهوية الإنسانية والمواطنية، وحماية البيئة.
وتكمن أهمية هذه المبادئ في أن أيًا منها بمفرده لا يكفي لبناء مجتمع حر ومتقدم، بل تشكل مجتمعة منظومة فكرية متماسكة.
ضرورة بناء إنسان جديد
لا يتحول أي مجتمع دون تحول مواطنيه. فمجتمع المواطنة يحتاج إلى مواطنين يسألون ويفكرون نقديًا لا يقلدون؛ مسؤولين ونشيطين لا سلبيين؛ يدافعون عن حريتهم وحرية الآخرين؛ قادرين على الحوار البناء مع الاختلافات ويربطون الحقوق الفردية بالحقوق الجماعية.
بناء مثل هذه الأجيال من خلال التعليم الحديث، والثقافة العامة، والإعلام الحر، والمؤسسات المدنية القوية. لذا فإن أهم مشروع في العقود المقبلة ليس مجرد إصلاح القوانين أو تغيير الحكومات، بل تنشئة جيل مستقل ومسؤول وإنساني التوجه.
الدولة الحقوقیة ودولة المواطنة
لا يستمر مجتمع المواطنة دون مؤسسات ملائمة له. والهدف النهائي لهذا الانتقال هو تشكيل دولة تعترف بحقوق الإنسان وتلتزم بها وبالقانون؛ وترى المواطنين متساوين في الحقوق بغض النظر عن العقيدة أو الجنس أو العرق أو أسلوب الحياة؛ وتكون مسؤولة وشفافة؛ وتستمد شرعيتها من خدمة المواطنين وتوفير رفاههم وكرامتهم.
ويمكن تسمية هذه الدولة «الدولة الحقوقية» أو «دولة المواطنة»؛ دولة تنظر إلى السلطة لا كغاية، بل كأداة لتأمين كرامة الإنسان ورفاهه والعدالة والحقوق والحريات.
نحن الیوم أمام خيار تاريخي: استمرار التنافس بين الأيديولوجيات المتنافسة، أو المضي نحو نموذج جديد قائم على الإنسان والمواطن.
إن الانتقال من المجتمع الأيديولوجي إلى مجتمع المواطنة لا يعني نفي الدين أو الثقافة أو التقاليد أو الهوية الوطنية، بل يعني ألا يحل أي من هذه العناصر محل كرامة الإنسان وحقوق المواطنة.
وسيتشكل المستقبل المستدام في البلاد حين يحتل الإنسان — لا الأيديولوجيا — والمواطن — لا التابع — والقانون — لا إرادة السلطة — مركز النظام الاجتماعي.
وهذا الانتقال، قبل أن يكون مشروعًا سياسيًا، هو مشروع ثقافي وحضاري؛ مشروع لبناء مجتمع أكثر حرية وعدالة وإنسانية، خالٍ من التمييز، ويحمل أملًا بمستقبل مشترك لجميع المواطنين.
أخبار قد تهمك
شاومي تطلق سلسلة REDMI Note 17 بمعايير REDMI Titan لتعزيز الجودة والموثوقية على مدى سنوات
السفارات الأمريكية في الشرق الأوسط تصدر تحذيرات أمنية بعد هجمات الحوثيين على السعودية
السعودية تعترض صاروخ حوثي أُطلق باتجاه الرياض
موسكو تتعرض لهجوم ضخم بطائرات مسيرة في اليوم الأخير من الانتخابات البرلمانية
ترامب يقول أن “قوس النصر” الذي يعتزم تشييده سيستخدم أيضاً كمجمع عسكري لتخزين الذخيرة
من الخطيئة إلى التصحيح.. هل يبادر رئيس مجلس القضاء بطلب إعادة تفسير المادة 76 من الدستور؟
الدين الداخلي للعراق يقفز إلى 109.5 تريليونات دينار.. زيادة بـ19 تريليوناً خلال 7 أشهر
الدولار يتراجع بشكل طفيف في بغداد وأربيل مع افتتاح تداولات الأحد
العراق إلى نيويورك.. الزيدي أمام الأمم المتحدة ولقاء مرتقب مع ترامب
العراق يفتح ملف الحسابات الختامية.. مخالفات مالية بين 2012 و2015 أمام الرقابة والبرلمان
10 آلاف وحدة في النهروان.. إنجاز أول ألف دار نهاية 2027»





