الأصوات الصامتة: لغات الإشارة كجسور للتواصل الإنساني

الثالث والعشرين من أيلول .. اليوم العالمي للغات الإشارة

دلير ابراهيم
تُعدّ لغة الإشارة أكثر من مجرد وسيلة للتواصل؛ إنها هوية وثقافة وجسرٌ يربط ملايين البشر بالعالم من حولهم. وفي الثالث والعشرين من أيلول من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للغات الإشارة، وهو مناسبة دولية تُسلط الضوء على أهمية هذه اللغات في حياة الأفراد الصم والمجتمعات ككل، وتُذكرنا بضرورة تحقيق الشمول والعدالة اللغوية.
واقع وأرقام: لغة تتجاوز الحدود
وفقاً لإحصاءات الاتحاد العالمي للصم، يعيش اليوم اكثر من 72 مليون شخص أصم حول العالم. ولا يُشكل هؤلاء مجتمعاً متجانساً مفصولاً، بل يُمثلون تنوعاً ثقاقياً ولغوياً غنياً؛ إذ يتحدثون ويستخدمون أكثر من 300 لغة إشارة مختلفة. ومن اللافت أن 80% من هؤلاء الصم يعيشون في البلدان النامية، مما يضع على عاتق المجتمع الدولي والمؤسسات المحلية مسؤوليات مضاعفة لضمان وصولهم إلى حقوقهم الأساسية في التعليم، والصحة، والعمل، والمشاركة المجتمعية دون عوائق. من الشائع خطأً الاعتقاد بأن لغة الإشارة عالمية وتستنسخ لغة واحدة؛ فكما تختلف اللغات المنطوقة من بلد لآخر، تختلف لغات الإشارة كلياً بناءً على الثقافة والتاريخ المحلي لكل بلد. فـ “لغة الإشارة الأمريكية” تختلف عن “لغة الإشارة البريطانية”، ولغات الإشارة العربية تتنوع أيضاً بحسب الدولة. إن لغات الإشارة هي لغات طبيعية مكتملة البناء والأنظمة النحوية، ولها قواعدها الخاصة التي تعتمد على حركات الأيدي، وتعبيرات الوجه، وإيماءات الجسد لتوصيل الأفكار والمعاني الدقيقة.

العراق وإقليم كوردستان: تنوع لغوي ومساعٍ نحو الدمج
في العراق وإقليم كوردستان، يُمثل مجتمع الصم جزءاً أصيلاً ومؤثراً من النسيج المجتمعي، حيث تُقدر الإحصاءات الرسمية وجود عشرات الآلاف من الأشخاص من ذوي الإعاقة السمعية. ويتميز هذا المجتمع بتنوع لغوي خاص؛ إذ تُستخدم إلى جانب لغة الإشارة العراقية، لغة الإشارة الكوردية (ZHK) التي تطورت عبر عقود ولها لهجاتها وتراكيبها الخاصة التي تعبر عن البيئة والثقافة المحلية في مدن مثل أربيل والسليمانية ودهوك.
تُشير لغة الإشارة الكوردية ويرمز لها دولياً بـ ZHK اختصاراً لـ Zmanî Hêmay Kurdî لغة الإشارة الطبيعية المستقلة التي تطورت داخل مجتمع الصم في إقليم كوردستان العراق.
كانت البداية في السليمانية عام 1982 ويرجع الباحثون نشأة وتجمّع هذه اللغة بشكل رسمي إلى تأسيس أول مدرسة مخصصة للصم في مدينة السليمانية عام 1982. عندما جمعت المدرسة الأطفال الصم الذين كانوا يستخدمون إشارات منزلية محدودة (Home signs)، بدأ هؤلاء الأطفال بتطوير نظام إشاري مشترك ومستقل للتواصل فيما بينهم. وتوسع اللغة في أربيل ودهوك: مع افتتاح مدارس إضافية للصم في أربيل ودهوك لاحقاً، انتشرت اللغة وتطورت إلى ثلاث لهجات محلية متقاربة مرتبطة بالمدن الثلاث الرئيسية. بخصوص التوثيق والمعاجم (بداية الألفية: في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأت الجهود الميدانية لجمع وتوثيق الإشارات. وفي عام 2014، تم إصدار وتحديث معاجم مطبوعة للغة الإشارة الكوردية لتوحيد المصطلحات العلمية والتعليمية (كالرياضيات واللغة الكوردية) واعتُمدت في المدارس المتخصصة بالإقليم.
علاقتها بلغة الإشارة العراقية (ISL) : هي لغة مستقلة و تُصنّف لغة الإشارة الكوردية (ZHK) كلغة قائمة بذاتها وليست فرعاً أو انشقاقاً من لغة الإشارة العراقية المستخدمة في بغداد وباقي المحافظات. عدم التفاهم المتبادل: يواجه مترجمو ومستخدمو (ZHK) صعوبة في فهم لغة الإشارة العراقية الأصلية المستخدمة في بغداد، مما يعكس التمايز اللغوي والبنائي بينهما. تشابهات مفرداتية: توجد بعض التشابهات اللفظية والإشارية القليلة، ويعود ذلك إما للتأثير المتبادل خلال العقود الأخيرة أو لخصائص مشتركة موروثة من الإشارات والموروثات الشعبية القديمة في المنطقة.
وعلى الرغم من التحديات الجسيمة الناتجة عن الحروب والنقص في عدد المترجمين المعتمدين ومؤسسات التعليم المتخصصة، إلا أن هناك خطوات إيجابية ملحوظة جرت في السنوات الأخيرة. فقد شهد الإقليم توجيهات رسمية لوسائل الإعلام بضرورة تضمين مترجمي لغة الإشارة في النشرات الإخبارية لضمان وصول المعرفة، إلى جانب مبادرات أكاديمية ومجتمعية لتدريس لغة الإشارة الكوردية وتطوير المعاجم الخاصة بها، وتسهيل دمج هذه الشريحة في المؤسسات الحكومية والخاصة.
و رغم التقدم الفكري والتكنولوجي، لا يزال الملايين من الصم في البلدان النامية يواجهون تحديات جسيمة، أبرزها:
صعوبة الحصول على التعليم: نقص المدارس والكوادر المؤهلة لاستخدام لغة الإشارة. ضعف الدمج في سوق العمل: غياب الفرص المخصصة والتمييز في بيئات العمل. محدودية الوصول للمعلومات: غياب مترجمي لغة الإشارة في المؤسسات الرسمية والمرافق الصحية.
إن الاعتراف بـ اليوم العالمي للغات الإشارة ليس مجرد احتفال رمزي، بل هو دعوة جادة للتصحيح والعمل. ويتطلب تحقيق الشمولية اتخاذ خطوات فعلية:
الاعتراف القانوني: اعتماد لغات الإشارة كنيات وثقافات ولغات رسمية في التشريعات الوطنية.
التعليم والتأهيل: دمج لغة الإشارة في المناهج التعليمية وتدريب كوادر متخصصة في الترجمة.
إتاحة التكنولوجيا: استغلال التقنيات الحديثة لتوفير المحتوى المرئي المترجم بلغة الإشارة.
إن كفالة حقوق الصم وتيسير تواصلهم بـ لغتهم الأم ليس تفضلاً أو إحساناً، بل هو حق أصيل من حقوق الإنسان. وفي هذا اليوم، تتجدد الدعوة لبناء عالم يستطيع فيه كل فرد(مهما كانت قدراته) أن يعبر عن نفسه وُيسمَع صوته بوضوح.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى