
أين ذهبت 16 مليار دولار من احتياطيات العراق؟ ارتفاع آب يخفي تراجعاً حاداً منذ بداية 2026
المستقلة /- رغم إعلان ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي العراقي خلال آب 2026، تكشف قراءة تفصيلية للأرقام عن صورة مالية أكثر تعقيداً، إذ فقد العراق نحو 15.9 مليار دولار من احتياطياته خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، في تراجع يثير تساؤلات بشأن مصادر استنزاف الأصول الأجنبية، وتأثير تمويل الاستيرادات والإنفاق الحكومي، ومدى قدرة البنك المركزي على المحافظة على الاستقرار النقدي في ظل الضغوط الاقتصادية المتصاعدة.
وبحسب البيانات المنسوبة إلى البنك المركزي العراقي، ارتفعت الاحتياطيات الأجنبية إلى 81.538 مليار دولار في نهاية آب، مقارنة بـ80.633 مليار دولار في نهاية تموز، بزيادة بلغت 905 ملايين دولار، إلا أن هذا التحسن الشهري لا يلغي التراجع الكبير المسجل منذ نهاية عام 2025، عندما كانت الاحتياطيات تبلغ 97.432 مليار دولار.
وتشير حسابات أجرتها «المستقلة» استناداً إلى الأرقام المنشورة إلى أن الاحتياطيات فقدت نحو 16.3% من قيمتها خلال ثمانية أشهر، وهي نسبة تستدعي التوقف عند أسباب التراجع، خصوصاً أن الاحتياطيات تمثل إحدى أهم أدوات البنك المركزي في إدارة الاستقرار النقدي وتلبية احتياجات المدفوعات الخارجية.
ماذا تكشف الأرقام؟


وتكشف حركة الاحتياطيات عن أن الانخفاض لم يكن منتظماً طوال العام، فقد ارتفعت إلى 101.082 مليار دولار في كانون الثاني، قبل أن تدخل في مسار تراجعي متواصل خلال الأشهر اللاحقة، وصولاً إلى أدنى مستوى ضمن البيانات المعروضة في تموز.
واللافت أن الانخفاض بين نهاية كانون الثاني ونهاية تموز وحدهما بلغ نحو 20.449 مليار دولار، قبل أن تستعيد الاحتياطيات جزءاً محدوداً من خسائرها في آب.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل يعكس التراجع استخدام الاحتياطيات لتغطية احتياجات الاقتصاد من الدولار، أم تغيرات في التدفقات الخارجية وتقييم الأصول، أم مزيجاً من هذه العوامل؟
هل استُخدمت الاحتياطيات لتمويل الطلب على الدولار؟
يمثل تمويل التجارة الخارجية أحد أهم مصادر الطلب على العملة الأجنبية في العراق، نظراً إلى اعتماد السوق المحلية على الاستيرادات لتلبية جزء كبير من احتياجاتها الاستهلاكية والإنتاجية.
ومن الناحية النقدية، يمكن أن يؤدي ارتفاع الطلب على الدولار، إذا لم يقابله تدفق كافٍ من العملات الأجنبية، إلى ضغوط على صافي الأصول الأجنبية للبنك المركزي.
غير أن الربط المباشر بين انخفاض الاحتياطيات وتمويل الاستيرادات يحتاج إلى بيانات تفصيلية عن حجم مبيعات وتحويلات العملة الأجنبية، وإيرادات النفط المحولة، والتدفقات الحكومية، والتغيرات في الودائع والأصول الخارجية.
ولا تثبت الأرقام المنشورة وحدها أن مبلغ 15.9 مليار دولار قد أُنفق أو حُوّل إلى الخارج عبر عمليات محددة، كما لا تشكل دليلاً على تهريب الأموال أو وقوع مخالفات مالية.
الذهب يرتفع والاستثمارات تتراجع.. تحول لافت داخل الاحتياطيات
تكشف البيانات عن تغير مهم في تركيبة الاحتياطيات خلال آب، إذ ارتفعت قيمة الذهب إلى 32.655 تريليون دينار، مقابل 29.665 تريليون دينار في تموز، بزيادة بلغت نحو 2.99 تريليون دينار.
وفي المقابل، تراجعت الاستثمارات المدرجة ضمن الاحتياطيات من 75.034 تريليون دينار إلى 72.926 تريليون دينار، بانخفاض بلغ 2.108 تريليون دينار.
وتعني هذه الأرقام أن ارتفاع قيمة الذهب ساهم في دعم القيمة الإجمالية للاحتياطيات خلال الشهر، بالتزامن مع تراجع بند الاستثمارات.
لكن ارتفاع قيمة الذهب لا يعني بالضرورة شراء البنك المركزي كميات إضافية منه، إذ قد يكون ناجماً جزئياً أو كلياً عن تغير أسعاره العالمية، وهو ما يتطلب مقارنة حجم الحيازات بالأطنان أو الأونصات، وليس بالقيمة النقدية وحدها.
كذلك فإن انخفاض قيمة الاستثمارات لا يكفي لإثبات بيع سندات أو سحب أموال، فقد يتأثر بالتقييم السوقي أو الاستحقاقات أو إعادة توزيع الأصول.
مفارقة جديدة.. مبيعات الدولار انخفضت والاحتياطيات تراجعت
تكشف بيانات أخرى عن مفارقة تستحق التدقيق، إذ بلغت مبيعات البنك المركزي من العملة الأجنبية خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 نحو 35.27 مليار دولار، مقابل 53.83 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بانخفاض نسبته 34.5%.
وسجلت المبيعات في آب نحو 3.697 مليارات دولار، مقارنة بـ5.662 مليارات دولار في تموز.
وهذه الأرقام تطرح سؤالاً مهماً: لماذا استمرت الاحتياطيات في التراجع خلال العام رغم انخفاض مبيعات العملة الأجنبية مقارنة بالعام السابق؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من أرقام المبيعات وحدها، لأن الاحتياطيات تتأثر أيضاً بحجم التدفقات النفطية وغير النفطية، وحركة الحسابات الخارجية، وتقييم الذهب والأوراق المالية، وغيرها من العمليات.
ومن المهم التمييز بين إجمالي مبيعات الدولار وبين صافي استنزاف الاحتياطيات، إذ لا يجوز اعتبار كل دولار يباع من البنك المركزي خسارة صافية من الأصول الأجنبية.
موقف البنك المركزي.. تأكيد كفاية الاحتياطيات رغم الضغوط
في 19 أيلول 2026، أكد البنك المركزي العراقي أن احتياطياته الأجنبية كافية لتلبية طلبات تمويل التجارة الخارجية وتسوية البطاقات المصرفية واحتياجات المسافرين من الدولار النقدي وفق السعر الرسمي.
وعزا البنك ارتفاع سعر الصرف في الأسواق المحلية إلى المضاربات والتوقعات واستغلال الظروف الجيوسياسية، مؤكداً استمرار تمويل التجارة عبر القنوات المعتمدة.
وفي 7 تشرين الأول 2026، جدد البنك تأكيد كفاية احتياطياته، بالتزامن مع الإعلان عن تعديل سعر بيع الدولار الرسمي إلى المصارف والجمهور.
لكن تأكيد الكفاية لا يلغي أهمية تفسير الانخفاض المسجل خلال العام، خصوصاً مع حاجة الأسواق إلى معرفة قدرة الاحتياطيات على مواجهة صدمات إضافية في أسعار النفط أو التدفقات الخارجية.
هل الاحتياطيات العراقية في منطقة الخطر؟
لا توجد أدلة كافية في الأرقام المعروضة للجزم بأن العراق دخل مرحلة خطرة من حيث الاحتياطيات الأجنبية.
وكان المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، قد أشار في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إلى أن مستويات الاحتياطيات ما زالت آمنة نسبياً، مع أهمية مراقبة استمرار التراجع والمحافظة على استقلالية السياسة النقدية.
وتعتمد كفاية الاحتياطيات على عدة مؤشرات، أهمها عدد أشهر الاستيرادات التي يمكن تغطيتها، ونسبة الاحتياطيات إلى الالتزامات الخارجية قصيرة الأجل، وحجم الطلب على العملة الأجنبية.
ولذلك، فإن رقم 81.538 مليار دولار لا يكفي بمفرده للحكم على متانة الوضع النقدي، كما أن استمرار التراجع بالوتيرة نفسها، إن حدث، قد يضعف هامش الأمان المتاح أمام البنك المركزي.
خمسة أسئلة تستدعي إجابات رسمية
تخلص القراءة الاستقصائية الأولية إلى ضرورة الحصول على إيضاحات من البنك المركزي العراقي والجهات المالية المختصة بشأن:
ما الأسباب التفصيلية لانخفاض الاحتياطيات بنحو 15.894 مليار دولار خلال ثمانية أشهر؟
كم تبلغ مساهمة تغير أسعار الذهب والأوراق المالية في هذا الانخفاض، مقارنة بالتدفقات النقدية الفعلية؟
ما حجم التدفقات الدولارية من الإيرادات النفطية التي دخلت حسابات الاحتياطيات خلال الفترة نفسها؟
هل شهدت المحافظ الاستثمارية الخارجية عمليات سحب أو إعادة توزيع، وما أثرها على إجمالي الأصول؟
ما مستوى كفاية الاحتياطيات الحالي قياساً إلى أشهر الاستيراد والالتزامات الخارجية، خصوصاً بعد تعديل سعر الصرف الرسمي في تشرين الأول؟
أخبار قد تهمك
اليساري يستقبل القنصل الإيراني الجديد لكربلاء، ويؤكد على أهمية تعزيز التعاون المشترك
8 تريليون دينار ديوناً مرتقبة.. موازنة العراق 2027 تفتح ملف المخاطر المالية
المدى تكشف كواليس خطيرة.. حكومة الزيدي أمام اختبار السلاح والدولار ومخاوف من احتجاجات شعبية
الدولار يواصل الارتفاع في العراق.. أسعار الصرف تقترب من 170 ألف دينار وسط ضغوط على السوق
نخفاض أسعار الذهب في بغداد وأربيل.. المثقال الخليجي يتراجع إلى 965 ألف دينار
نجلة عماد تحرز ذهبية دورة الألعاب الآسيوية البارالمبية
الدفاع تمنع منتسبيها من مراجعة السفارات
العراق:الكمارك تباشر بتصفير الرسوم الكمركية على البيض والدجاج واللحوم والأدوية المستوردة
لندن تدعم السعودية بطائرات قتالية في “مهام دفاعية”
عطل تقني يصيب خدمات غوغل في أوربا
حين تنتصر المحاصصة يضيع الامل





