
أميركا تغادر عسكرياً وتبقى مالياً.. مليارات النفط العراقي تحت مظلة نيويورك
المستقلة/- مع اكتمال انسحاب القوات الأميركية من آخر مواقعها العسكرية في العراق، الأربعاء 30 أيلول/سبتمبر 2026، تدخل العلاقة بين بغداد وواشنطن مرحلة جديدة تنتهي فيها صفحة الوجود العسكري المباشر، فيما يبقى ملف آخر أكثر تعقيداً وتأثيراً مفتوحاً: عائدات النفط العراقية والدولارات التي تمر عبر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وبحسب تقرير نشرته وكالة رويترز اليوم، فإن انتهاء الوجود العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء أدوات النفوذ الأميركي في العراق، إذ لا تزال عائدات النفط العراقية الدولارية محفوظة ضمن ترتيبات مالية مرتبطة بحسابات البنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وتصف رويترز ذلك بأنه يمنح واشنطن نفوذاً استثنائياً على بغداد، خصوصاً في ما يتعلق بتدفقات الدولار والنظام المالي والعقوبات الأميركية.
وتعود جذور هذا النظام إلى عام 2003، عندما أنشأت سلطة الائتلاف المؤقتة، بقيادة الولايات المتحدة، صندوق تنمية العراق لإيداع عائدات صادرات النفط واستخدامها في إعادة إعمار البلاد، إلى جانب توفير الحماية لهذه الأموال من بعض مطالبات الدائنين والدعاوى القضائية المرتبطة بالنظام السابق.
ومع مرور السنوات تغير الشكل القانوني والإداري لهذا الترتيب، وأصبحت الأموال مرتبطة بحسابات تعود إلى البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وبالتالي، فإن الحديث عن «سيطرة أميركية» لا يعني أن الولايات المتحدة تملك الأموال العراقية، وإنما يشير إلى النفوذ العملي الذي تمتلكه بحكم وجود الجزء الأساسي من التدفقات الدولارية العراقية داخل النظام المالي الأميركي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية لأن النفط يمثل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة العراقية. ووفق رويترز، تشكل الإيرادات النفطية قرابة 90 بالمئة من موارد الموازنة، ما يجعل انتظام تحويل الأموال والوصول إلى الدولار عنصراً أساسياً في تمويل التجارة الخارجية ورواتب والتزامات الدولة واستقرار سوق الصرف.
من القوة العسكرية إلى النفوذ المالي
التحول اللافت اليوم يتمثل في أن الولايات المتحدة قد تغادر قواعدها العسكرية، لكنها تبقى حاضرة بقوة داخل أحد أكثر مفاصل الاقتصاد العراقي حساسية.
فالاحتياطي الفيدرالي في نيويورك يشكل محطة رئيسية للأموال الدولارية العراقية، وأي تشديد على التحويلات أو إجراءات الامتثال يمكن أن ينعكس سريعاً على قدرة المصارف العراقية على الوصول إلى الدولار، ومن ثم على السوق المحلية وسعر الصرف وحركة الاستيراد.
وتشير رويترز إلى أن هذا النفوذ ظهر بوضوح خلال السنوات الماضية عندما شددت واشنطن إجراءاتها المتعلقة بتحويل الدولار إلى العراق، في إطار مكافحة غسل الأموال ومنع وصول العملة الأميركية إلى جهات خاضعة للعقوبات، ولا سيما المرتبطة بإيران.
وكان العراق قد أنهى فعلياً نظام مزاد العملة الأجنبية التقليدي في مطلع عام 2025، وانتقل إلى آليات مصرفية تعتمد بدرجة أكبر على المصارف المراسلة والتحويلات الخارجية المباشرة ومتطلبات الامتثال الدولية، في تغيير استهدف تشديد الرقابة على حركة الدولار ومنع وصوله إلى جهات خاضعة للعقوبات.
لكن هذه الإجراءات تركت في الوقت نفسه آثاراً واضحة على السوق العراقية، أبرزها اتساع الفجوة في بعض الفترات بين السعر الرسمي للدولار والسعر المتداول في السوق الموازية، نتيجة الطلب على الدولار خارج القنوات المصرفية الرسمية.
لماذا توافق بغداد على استمرار هذا النظام؟
رغم الانتقادات السياسية لهذا الترتيب، يرى مسؤولون عراقيون تحدثوا لرويترز أن بقاء عائدات النفط ضمن هذه المنظومة وفر للعراق مجموعة من المزايا، من بينها حماية الأموال من مطالبات خارجية، وتعزيز الثقة الدولية، وضمان تدفق الدولار لتمويل الاستيراد والتجارة الخارجية، إضافة إلى دعم استقرار النظام المالي.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: النظام نفسه الذي يوفر حماية واستقراراً للأموال العراقية يمنح واشنطن في المقابل أداة ضغط مالية قوية.
فالعراق يعتمد بصورة واسعة على إيرادات النفط المقومة بالدولار، بينما الدولار عملة تصدر ضمن النظام المالي الأميركي وتخضع التحويلات المقومة به لمستويات عالية من الرقابة والعقوبات والامتثال.
وبذلك لا تحتاج واشنطن إلى امتلاك الأموال العراقية حتى يكون لها تأثير عليها؛ فمجرد مرور الجزء الأكبر من الإيرادات والتحويلات عبر البنية المالية الأميركية يمنح السلطات الأميركية قدرة كبيرة على التدقيق أو التقييد أو فرض شروط الامتثال على المؤسسات التي تتعامل بتلك الأموال.
ملف إيران حاضر بقوة
يكتسب الملف بعداً إضافياً بسبب العلاقة الاقتصادية والجغرافية بين العراق وإيران.
فالولايات المتحدة تسعى منذ سنوات إلى منع استخدام النظام المصرفي العراقي كمنفذ لوصول الدولار إلى طهران أو إلى جهات مرتبطة بها وخاضعة للعقوبات، بينما ترتبط بغداد بطهران بعلاقات تجارية ومالية واسعة، فضلاً عن استيراد العراق بعض احتياجاته من الطاقة والسلع منها.
ولهذا أصبح القطاع المصرفي العراقي واحداً من ساحات التداخل بين سياسة واشنطن تجاه إيران ومحاولات العراق حماية استقراره المالي.
وفرضت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة قيوداً وعقوبات على مصارف وجهات عراقية قالت إنها شاركت في عمليات غسل أموال أو تحويلات مرتبطة بإيران، الأمر الذي زاد من الضغوط على المؤسسات المالية العراقية للانتقال إلى أنظمة أكثر تشدداً في الامتثال ومكافحة غسل الأموال.
انسحاب عسكري.. لكن العلاقة الأمنية لا تختفي
أما على المستوى العسكري، فإن الاتفاق العراقي الأميركي المعلن في أيلول/سبتمبر 2024 وضع مساراً لإنهاء مهمة التحالف الدولي العسكرية داخل العراق، مع انتقال العلاقات الأمنية إلى صيغ ثنائية، واستمرار ترتيبات مرتبطة بمواجهة تنظيم داعش في سوريا خلال مرحلة انتقالية تمتد حتى أيلول/سبتمبر 2026.
وتشير تغطية رويترز في 30 أيلول/سبتمبر 2026 إلى اكتمال خروج القوات الأميركية من قواعدها المتبقية في العراق، لتنتهي بذلك مرحلة عسكرية امتدت، بأشكال مختلفة، لأكثر من عقدين منذ غزو عام 2003.
لكن الرحيل العسكري لا يساوي بالضرورة نهاية النفوذ.
فعلى المستوى الاقتصادي والمالي، تبقى الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً بسبب مركزية الدولار في الاقتصاد العراقي وعلاقة البنك المركزي العراقي بالنظام المالي الأميركي، فضلاً عن الدور الذي تؤديه العقوبات الأميركية وقواعد الامتثال في تحديد قدرة المصارف العراقية على تنفيذ التحويلات الدولية.
هل يستطيع العراق نقل عائداته بعيداً عن نيويورك؟
من الناحية النظرية، يمتلك العراق سيادته على موارده وإيراداته، لكن تغيير النظام الحالي بصورة مفاجئة سيكون معقداً، لأن القضية لا تتعلق فقط بمكان إيداع الأموال، وإنما بشبكة واسعة من المصارف المراسلة وتسوية المدفوعات الدولية والتجارة الخارجية والدولار والعقوبات والثقة الائتمانية.
ولذلك فإن أي محاولة للتحول بعيداً عن المنظومة الحالية ستحتاج إلى بناء بدائل مصرفية دولية قادرة على التعامل مع مليارات الدولارات من الإيرادات النفطية والتجارة الخارجية دون تعريض العراق لاضطرابات مالية أو قيود على التحويلات.
وتكمن إحدى أكبر التحديات أمام بغداد في تحقيق توازن بين تعزيز السيادة المالية وبين الحفاظ على استقرار النظام المصرفي والوصول إلى الأسواق والعملات العالمية.
مرحلة جديدة للعلاقة العراقية الأميركية
المرحلة التي تبدأ بعد 30 أيلول/سبتمبر 2026 تبدو مختلفة عن العقود الماضية.
فالوجود العسكري الأميركي المباشر يتراجع إلى حد كبير، لكن عناصر التأثير تنتقل بصورة أوضح إلى الاقتصاد والتمويل والعقوبات والدبلوماسية والعلاقات الأمنية الثنائية.
وبالنسبة للعراق، فإن التحدي الحقيقي لم يعد مقتصراً على مسألة وجود قوات أجنبية فوق أراضيه، بل يمتد إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن بناء سيادة مالية حقيقية في اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط وعلى الدولار الأميركي في الوقت نفسه؟
ومن هنا قد يكون خروج آخر القوات الأميركية نهاية فصل عسكري طويل، لكنه لا يمثل نهاية العلاقة المعقدة بين بغداد وواشنطن؛ إذ يبقى الدولار وعائدات النفط والنظام المصرفي الدولي من أبرز أدوات التأثير التي ستحدد شكل تلك العلاقة خلال المرحلة المقبلة.
أخبار قد تهمك
محمد الخفاجي يرفض معاهدة الشراكة العراقية – الفرنسية ويطالب بتعديلها أو إعادتها
النائب ابتسام الهلالي تعلن موافقة رئيس الوزراء على التريث في المطالبة بديون الفلاحين
الدولار يواصل الصعود في العراق.. ارتفاع جديد بأسعار الصرف في بغداد وأربيل
النزاهة تضبط أكثر من 5 كيلوغرامات من الذهب في قضية تضخم أموال بصلاح الدين
إحباط محاولة تهريب في أم قصر وضبط مشروبات طاقة وحلويات منتهية الصلاحية
ارتفاع أسعار الخام العراقي مع صعود برنت وغرب تكساس
عراقجي يتسلم الرد الأميركي على خطة الأيام السبعة لإنهاء التصعيد
رفع الدعم عن الوقود يهدد صناعة الأسمنت في العراق ويضعف قدرته على التصدير
السوداني يربط انتهاء التحالف بحصر السلاح: مرحلة جديدة لاستكمال سيادة الدولة
تسريبات Pixel 11a تكشف تصميمه ومواصفاته قبل الإطلاق
دراسة: الإفراط في السكر خلال الطفولة قد يرتبط بزيادة خطر القلق مستقبلاً





