نظرية كيسنجر بحرب المئة عام بين السنة والشيعة تطبق ومضى منها 34 عاماً / كمال ذبيان

مقالات مختارة // نجحت مقولة وزير الخارجية الاميركية الاسبق، عن «حرب المئة عام بين السنة والشيعة»، على غرار «حرب المئة عام بين الكاثوليك والبروتستانت».
وتقوم هذه النظرية على ان تأجيج الخلاف العقائدي بين السنة والشيعة، هو الذي يمكن الولايات المتحدة الاميركية ومعها حليفتها اسرائيل من ان تفرض هيمنتها على منطقة مجزأة وتشتعل فيها الحروب المذهبية والطائفية والاتنية.
والحرب السنية – الشيعية، بلغت اكثر من ثلاثة عقود، وهي افتتحت في الحرب العراقية – الايرانية مع مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وبعد انتصار «الثورة الاسلامية» في ايران بقيادة الامام الخميني وطرد الشاه من الحكم.

قرر الاميركيون بعد ان خسروا حليفاًَ وقاعدة وجود استراتيجي لهم في منطقة الخليج الذي كانت طهران الشرطي الذي ينوب عن الاميركي فيه، ان توقف خسائرها في دول النفط الخليجية فتوجهت الى الرئيس العراقي السابق صدام حسين، ليقف بوجه «تصدير الثورة» وعمليا عدم تحريك الشيعة في العراق وهم الاكثرية فيه، وكذلك في البحرين والكويت وشرق السعودية والحوثيين في اليمن، اذ خشيت دول الخليج ان تجتاح «الثورة الاسلامية» بلدانهم وتؤثر في الشيعة فيهم، فكانت الحرب العراقية – الايرانية، او العربية – الفارسية كما سميت او الحرب السنية – الشيعية.
ولقد تمكنت الجمهورية الاسلامية الايرانية، وبالرغم من اندلاع الحرب مع العراق، من ان تثبت اقدامها، وتنقل مفاهيم ثورتها الى لبنان عبر «حزب الله» وتحالفت مع سوريا بقيادة الرئيس حافظ الاسد في حربها ضد النظام البعثي التوأم في العراق، واستطاعت «ثورة الخميني» عبر «الحرس الثوري الايراني» الذي جاء الى البقاع اللبناني لمواجهة العدو الاسرائيلي في اثناء اجتياحه عام 1982 من ان ينشىء «المقاومة الاسلامية» التي ظهرت الى العلن في العام 1984.

ومع ان العراق ربح الحرب على ايران، لكن صدام حسين في غزوه للكويت ارتكب خطأ سياسياً واستراتيجيا، فاقلق حلفاءه الخليجيين الذين دخلوا في تحالف دولي برئاسة اميركا، وتم اخراج الجيش العراقي من الكويت وشاركت سوريا في هذا التحالف، وصدر قرار باسقاط النظام العراقي، وحصل هذا في العام 2003 وملأت الفراغ ايران عبر الاحزاب الدينية المتحالفة معها، وصيغ دستور للعراق اعتمد الفدرالية وباتت بلاد الرافدين بحكم المقسمة فاقام الاكراد حكمهم الذاتي وتولى الشيعة السلطة التنفيذية، وهكذا شعر الخليجيون انهم ما ربوحه في الحرب العراقية – الايرانية، من هزيمة للنظام الاسلامي في ايران، خسروه في الحرب الاميركية على العراق، التي ساهمت في توسع النفوذ الايراني في العراق، حيث لاحظت الدول ذات الغالبية السنية، ان «هلالا شيعيا» قد بدأ ينشأ من ايران الى العراق مرورا بسوريا وصولاً الى لبنان الذي حقق فيه «حزب الله» نصرا على اسرائيل في العام 2000، وطرد جيشها المحتل من ارضه، فاعطى قوة وحضورا اقوى لايران في العالم العربي، انها تسعى الى اجتثاث «الغدة السرطانية» اسرائيل من جسم العالم العربي، فاحتضنت «حماس» المولودة من رحم «الاخوان المسلمين» لتكسر حدة الطابع الشيعي للثورة، ولتتقدم نحو «الوحدة الاسلامية» وازالة التفرقة بين السنة والشيعة واقامة التقارب بين المذهبين.

وهذه الاندفاعة الايرانية نحو الساحة العربية، وتبنيها قضية فلسطين ورفع العداء لاسرائيل واقامة يوم للقدس، اعطى الجمهورية الاسلامية هذا التوسع على حساب انظمة عربية اقامت علاقات مع الكيان الصهيوني، وقد شكل ذلك قوة استراتيجية لسوريا «وحزب الله» وقوى المقاومة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية مطلع تسعينات القرن الماضي، وهذا ما اقلق دول الخليج من تنامي النفوذ الايراني وتغلغله في المجتمعات العربية، واقامة مرجعية للشيعة في العالم، فتم تحريك الغرائز المذهبية، والتحذير من «التشيع» الذي يغزو المجتمعات والبيئات السنية، وبدأت حرب الفتاوى بين رجال الدين من المذهبين، ومعها اعيد احياء الصراع الدموي الذي نشب في كربلاء ومقتل الحسين حفيد النبي محمد، وما حصل مع اهل البيت الخ…

وشكلت عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري الرافعة لاذكاء الصراع السني – الشيعي في لبنان، والذي غاب لعقود، وتم التركيز على ان من يقف وراء الاغتيال هو النظام السوري (العلوي) و«حزب الله» الشيعي المدعوم من ايران وان الهدف من الجريمة هو اخراج السنة من السلطة، لاستكمال «الهلال الشيعي» الذي كان العاهل الاردني اول من تحدث عنه في العام 2005 وبعد مقتل الحريري حيث بدأ ومنذ ذلك الوقت الحديث العلني عن حرب سنية – شيعية، تبدأ من شمال افريقيا وتمر في الشرق الادنى والخليج وصولا الى باكستان.
وهذا الصراع المذهبي يمكن وضعه في اطار السياسة الاميركية التي رسمها «المحافظون الجدد» ونفذها الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش من ضمن نظرية «الفوضى الخلاقة» لرسم خريطة جديدة «للشرق الاوسط» تقوم على التفتيت والتجزئة.

وما جرى في لبنان بعد اغتيال الحريري في العام 2005، وما يحصل في سوريا منذ عامين، تحت عنوان كسر حلقة اتصال ايران بسوريا و«حزب الله»، هو من ضمن مخطط منع قيام «هلال شيعي» في رأي قادة دول وانظمة ومراجع دولية ومراكز ابحاث، وفي رأي ايران وحلفائها، فان المقصود هو ضرب محور المقاطعة والممانعة، وهذا ما ظهر في الحرب الاسرائيلية على لبنان صيف 2006 والحرب على غزة شتاء 2008- 2009، وصولا الى الحرب الاخيرة، التي ظهرت فيها صواريخ فجر الايرانية التي وصلت الى تل ابيب.
ولم تعد الازمة السورية محصورة في موضوع تغيير النظام وتحقيق اصلاحات، بل ان المعركة بدأت تأخذ ابعادا اخرى، مع سيطرة «القوى الاسلامية المتطرفة على الارض عسكريا واقامة امارات اسلامية في ارياف حلب وادلب وحماه وحمص ودمشق، وتراجع دور العلمانيين واليساريين والقوميين، وتقدم «جبهة النصرة» و«لواء التوحيد» و«احدار حلب» وغيرهم من عشرات التنظيمات الاسلامية التي تطالب باقامة «الخلافة الاسلامية» وتهاجم «المجلس الوطني السوري» و«الائتلاف الثوري الوطني السوري» ولا تقبل الا اقامة حكم «الشريعة الاسلامية » واعادة احياء «الخلافة الاسلامية».

ولقد حرّك الوضع السوري، وسيطرة «القوى الاسلامية» على المناطق المحاذية للعراق في دير الزور، اهالي الانباء والفلوجة في اقليم صلاح الدين ذات الاغلبية السنية في العراق، للمطالبة بالاستقلال، واقامة «دولة العراق الغربية»، ويساعدهم بذلك الدستور الفدرالي في العراق الذي يتجه نحو التقسيم، وان الشعارات التي رفعت في المحافظات السنية، تطالب برفض الخضوع للحكم الشيعي وتدعو الى الانفصال، وهذا يهدد باشعال فتنة سنية – شيعية، ستكون لها انعكاسات سلبية على كل دول الجوار.

فمشروع «دولة غرب العراق» السنية، سيكون لها امتداد وعمق باتجاه سوريا، ولن يكون لبنان بمنأى عن التطورات بعد ان تأمنت كل الظروف في الشمال والبقاع وعند المناطق المتاخمة للحدود السورية، لتواصل القوى الاسلامية المتطرفة من العراق الى سوريا فلبنان ولاحقا الاردن، ليقام «قوس سني» في مواجهة اسقاط «الهلال الشيعي» وهي الحرب القائمة اليوم على سوريا، كما في العراق الذي قسمه الاحتلال الاميركي الى ثلاث دويلات وشجع الصراع المذهبي فيه وشرعه دستوريا، وهو ما يحصل في لبنان منذ 2005، وما تسمية حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بانها حكومة «حزب الله» للاشارة ان الشيعة في لبنان بقوة سلاحهم هم الذين منعوا ممثلي السنة الحقيقيين من الحكم واخرجوا سعد الحريري من رئاسة الحكومة ولا يمكن ان تستتب السلطة لهم، الا بسقوط النظام السوري ومعه يضعف «حزب الله» ويتراجع نفوذ ايران.
انها حرب المئة عام بين السنة والشيعة، وقد مضى منها 34 عاما، وهي مستمرة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى