الناس يصنعون فوارق الجاهلية.

المستقلة – القاهرة –
بقلم الدكتور حسام خلف الصفيحى

درج الناس من قديم على أن يقيموا موازين ويضعوا فروقا تكون أساس التمايز بينهم ومعيار المفاضلة والترجيح عندهم وسمات تحدد أماكنهم فى بيئاتهم ومواضعهم من مجتمعاتهم.ولهذا يختلفون ويتباينون فهذا سيد وذاك مسود وهذا شريف وذاك حقير وهذا له الفضل والصدارة حتى لتجب طاعته وتلبى اشارته وذاك له الضعف والتخلف حتى لا تحترم ارادته ولا ستجاب رغبته.
طبيعة تأصلت فيهم وسجية تمكنت منهم فأثرت فى حياتهم وأقدارهم وموازينهم أثرا ليس بالقليل لكنهم يختلفون فى هذه المقاييس أختلافا يرجع الى طبائعهم واتجاهاتهم وما يؤثرون من المعانى أو يفضلون من مظاهر الحياة وألوان الجاه فبعض الناس يروعه ويفتنه لون الخلقة البشرية والسحنة الأدمية فيفضل الأبيض على الأسود أو يؤثر الأحمر على الأصفر مدفوعا الى ذلك وان لم يشعر بالشهوة الحيوانية والنزوة والطاغية والعصبية الجنسية الى تفسد الحكم وتسيء التقدير وتعكس موازين الاختبار والترجيح.
وبعض الناس لا يستهدفون فى أحكامهم الا الجاه والحسب والنسب فيحكمون بالفضل ويدينون بالطاعة لمن يزعمون له حسبا وجاها ويتوهمون له نسبا وطهرا.يورطهم فى هذا ما ألفوه من صغار وذلة وما نشأوا فيه من هوان وستخذاء.
وغير هؤلاء يوقرون الغنى المكثر ويعظمون ذا المال الموسر وان طغى وبغى وملك الشح عليه أقطار نفسه وشل منه عاطفة البر والمرحمة.
وطبعى أن تختلف الموازين وتضطرب القيم وتضل العقول ما دام رائدها الهوى وانفعال النفس وما دام العامل الذى يوجه الناس الى هذه الأحكام هو العصبية الجاهلية والاندفاع الأحمق والاعتماد على مظاهر لا يرضاها عقل سليم ولا تقرها فطرة سليمة صحيحة ولا يسندها دين كريم.
ان مجال التفاضل الحق والترجيح الصحيح بين الناس هو التقوى والعمل الصالح ذلك أصل كريم من أصول الاجتماع تعتمد عليه سعادة البشر وتقوم على دعائمه سيادة الأمم فالكل فى شرعة الحياة وتحت لواء القانون سواء.
اما ما تتورط فيه أمم ضلت القصد وغشى على أبصارها وبصائر فأقامت حواجز سميكة بين الملونين حتى شب ذلك الصراع العنيف فى أفريقيا من أجل ذلك فهوا نسيان لحكم العقل ومجافاة لأبسط قواعد الانسانية.
ما أعجب أمر هؤلاء الذين يزعمون أنهم أرباب المدنية وحماة الحرية ثم تتملكهم النزوات الطائشة والعصبيات الممقوتة والمقاييس الظالمة الطاغية فيجعلون للأبيض ما لا يباح للأسود وكأنما الطينة غير الطينة والصانع غير الصانع وتنشب من أجل ذلك الثورات الطاحنة وتسيل الدماء فتخضب الأرض وتحيل جمالها الى قبح مخيف .
لينظر من أعشت المدنية الخادعة عينه وليعرف من عميت عليهم الأمور ان الانسان مقدس ومكرم ببشريته ولم يجعل فيه عبودية الا لله الذى خلقه فى أحسن تقويم فهل من معتبر وهل من مدكر.
بهذه التعاليم الكريمة والمبادء القوية قامت الدنيا القوية لا يظلم أحدا أحدا ولا يبغى انسان على انسان فسعد الناس وعاشوا حيثا من الدهر كراما أعزاة ولا تفاضل الا بالعمل الصالح والخير.

قد يعجبك ايضا

اترك رد