المصالحة الحقيقة هي من تحقق السلام الشامل

نزار السامرائي

منذ سنين ومصطلح المصالحة الوطنية يطفو على سطح الساحة السياسية والاعلامية العراقية باشكال شتى ، حتى وصل الامر الى تشكيل هيئة وطنية للمصالحة ومستشارية وفي التشكيلة الحكومية الاخيرة انيطت المهمة بنائب رئيس الجمهورية ، ومع كل الكؤتمرات والندوات والاموال التي اغدقت الا ان مشروع المصالحة مايزال مبهما لدى الكثيرين ، في الوقت الذي يحاول البعض عن طريق تدبيج التصريحات والمقالات ايهام المواطن العراقي بأن طريق المصالحة يمرّ عبر اتجاه واحد ، هو ذات الطريق الذي اثبت فشله وخطل الطروحات التي تذهب اليه ، بل انه ادى الى مزيد من الانشقاقات والتصدع في الجسد العراقي ، ويمكن ان نحدد بداية هذا الطريق مع ما يعرف يقوانين بريمر التي اتخذها في وقته واخطرها حل الجيش العراقي ، والذي بررها من جانبه بأنها كانت بدفع من قوى عراقية ، او بأنها كانت تمثل الواقع في حينه.

ومع ذلك بدأت ذات الاصوات والاقلام تعيد حملتها مجددا بشأن الوقوف بطريق يرى ان المصالحة الوطنية يجب ان تكون شاملة ،ويشارك فيها الاطراف التي تصاعدت الخلافات بينهم حتى وصلت الى الاقتتال الذي يذهب ضحيته شباب العراق واهله ، والتي استغلت من اطراف ضالة مضلة لتحقق سيطرتها على اجزاء واسعة من البلد ، والضحية دائما الضعفاء والفقراء من الناس.

لا نعرف مفهوما لمصالحة لا تحقق السلام الشامل للعراق والعراقيين ، ولا نجد جدوى من مصالحة لا تمكن الحكومة من بسط نفوذها على جميع ارجاء العراق ، ولا تعيد المهجرين الى دورهم ، ولا تحقق الامان والاطمئنان الى الاقليات من المسيحيين والايزيديين وغيرهم . وهذا يعني ان المصالحة الحقيقية يجب ان تكون مع الاطراف التي ترفض الوضع القائم في العراق الان ، وبعضها ممن يحمل السلاح ، ذلك ان الانجاز الحقيقي لاي مشروع في هذا الجانب يأتي بتحقيق السلام للجميع ، والاتفاق على منهج واحد وثابت يحدده القانون يطبق على جميع المحافظات ويتساوى المواطنون في ظله ولا فرق بين سني او شيعي او كردي او مسيحي او ايزيدي او صابئي الا بمدى ما يمكن ان يقدمه للعراق ، ومدى التزامه بالقوانين والاحكام السارية والتي اساسها العدل والمواطنة وحقوق الانسان.

البعض يعترض على هذه الجهة او تلك كونها حملت السلاح ، وآخرون يضعونهم في خانة واحدة مع الارهاب ، او النظام السابق ، وهذه كلها وجهات نظر لها اساسها ،وحججها ، واسبابها المنطقية . لكنها في الوقت نفسه لا تتعد وجهات نظر تستند الى وقائع جرت في ظل الاحتراب والاقتتال الذي يتخذ شكلا طائفيا مرة ، ويتلبس بلبوس السياسة مرة اخرى . ونرى ان لا احد من ساسة واحزاب العراق بمنجى من هذا التوصيف اذا ما اردنا تعميمه وفق ما جرى ، الا من رحم ربي .

وهنا نشير الى ان تحقيق الانتصارات والسيطرة بالقوة على مناطق واجزاء تعد خارجة عن سيطرة الحكومة اليوم لا يمكن ان يحقق سلاما دائما ، لانه ليس الا طمر جذوة الخلافات والرفض تحت الرماد ، وهذا يهدد بان تضطرم بأية لحظة وهو امر لا يريده اي شخص يحب بلده بشكل حقيقي ويتمنى الوئام ان يسود ارجاءه بشكل دائم.

واذا ما اردنا ان نتحدث بمنطق التجارب العالمية ورؤية التاريخ فان المصالحة الحقيقية التي جنبت بلدان من الصراعات الداخلية التي اضرت بها كثيرا كانت تجري بين فئات متقاتلة ،وصل الصراع بينها احيانا الى عشرات السنين . ولنا ان نشير الى تجربة الحرب الاهلية اللبنانية التي استمرت 15 سنة من القتال الدامي بين الاطراف المتعددة والتي لم تنته الا بجلوس الجميع على طاولة واحدة للتفاوض .

وكذلك الامر في ايرلندا الشمالية والتي استمرت الحرب فيها بين البريطانيين والجيش الجمهوري الايرلندي سنوات طويلة راح ضحيتها العشرات ، حتى اقتنع الطرفان ان لا حل الا بالجلوس حول مائدة المفاوضات والاتفاق على السلام . وهكذا الامر في اكثر من بلد ومجتمع وشعب …فالسلام الحقيقي  هو الذي يكون بايقاف الاقتتال بين الاطراف المتصارعة اما الخلافات المصلحية والسياسية فهي تظهر وتختفي بشكل مرحلي وفق السياقات التي تسير بها العملية السياسية.

لذلك من الضروري تطويق اي شكل من اشكال الصراع المسلح بالشكل المناسب والذي يتلاءم مع المرحلة ، وهذا ما اجد ان حكومة العبادي سائرة باتجاهه رغم الاعتراضات التي تنطلق من هنا وهنالك والاتهامات التي تلقى جزافا ، فالمبدأ في هذا الامر قوله تعالى (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) ..يبقى الهدف الاساسي هو توظيف كل القدرات من اجل القضاء على تنظيم داعش والقوى المتطرفة التي تسعى للخراب باختلاف انتمائاتها وتوجهاتها واشكالها . وهو ما يمكن ان يتضمنه شعار (العراق اولا)..

وليكن الفيصل في هذا الامر هو الالتزام بالقوانين النافذة وتطبيقها واحترام مبدأ المواطنة والسلم الاهلي والحفاظ على وحدة العراق ارضا وشعبا ، فمن شاء ان يكون تحت مظلة العراق هو جزء من العراق ، ومن شاء ان يكون تحت مظلة غيره فعليه وزر ما يذهب اليه .

اترك رد