
تأثيرات انقطاعات الكهرباء الطويلة على الأمن الوطني والقومي العراقي
حامد شهاب
يكاد يجمع المهتمون بالشأن العراقي من علماء نفس واجتماع وإعلام واقتصاد ورجال عشائر ورموز أحزاب وقوى وطنية مختلفة ونخب ثقافية ومجتمعية بإن انقطاعات الكهرباء الوطنية ولساعات طويلة، تمتد الى ما يقرب من عشرين ساعة يوميا، مقابل أربع أو خمس ساعات تجهيز متقطعة أشبه بـ (الترفك لايت) في مناطق بغداد وأكثر من ذلك في المحافظات تترك تأثيرات خطيرة على الأمن الوطني والقومي العراقي، يمكن إدراجها على الشكل التالي:
- إن وزارة الكهرباء في العراق أظهرت عدم قدرتها على معالجة تلك المشكلة المزمنة والكارثية برغم كل الموازنات المليارية التي رصدت لها، ولم تضع الوزارة على مدار سنيها الثلاث او الأربع والعشرين الماضية أبسط الحلول التي تقلل من تركاتها الكارثية والصحية وأعبائها المالية الباهضة على أبناء الشعب العراقي واعتمدت كليا على الغاز الإيراني ولم تجري محاولات لإيجاد (بدائل) حقيقية أخرى ، بحيث أصبحت مطالب ملايين العراقيين تدعو لإلغاء وزارة الكهرباء وتحويلها الى إما الى شركة أهلية أو هيئة طاقة وكهرباء ، أو ابتكار وزارة أخرى موازية تسمى (وزارة المولدات) ، بهدف تصحيح الوضع الكارثي للكهرباء الوطنية الذي وصلت فيه الانقطاعات الى مديات خطيرة، أثرت على سمعة العراق ونظامه السياسي وعلى صعيد إقليمي ودولي ، بحيث صرنا أمثولة سيئة وربما أضحوكة أمام العالم والمجتمع الدولي، ولهذا ينبغي تسارع الخطى بوتائر عالية لإيجاد مخارج غاية في السرعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ويلات العراقيين وسخطهم وعذاباتهم ، وما يعانونه كل يوم من تلك الانقطاعات ومهما كانت المبررات فإنها تبقى غير مقنعة لأي طفل عراقي في كل الاحوال.
- ينبغي ان يدرك السيد رئيس الوزراء انه برغم أهمية مكافحة الفساد وما تم حملات القاء القبض على عدد ممن شملتهم ( صولة الفجر) الا ان المحنة الأكثر إيلاما لدى ملايين العراقيين هو تدهور الكهرباء الوطنية ، وهي أهم لديهم من محاربة الفساد على رغم أهميته وفرحهم بما جرى ، الا أنه يشعرون وكأن الحملة قد توقفت ، ونجى كبار الفاسدين بعد أن أمنوا من الحساب ، في وقت يئن ملايين العراقيين من ظروف عيش بالغة الصعوبة وتكاد ساعات انقطاعات الكهرباء التي فاقت كل تصور ، تشكل لهم (الأولوية الأولى)، وربما يضعون محاربة الفساد في الاهتمام الثاني من الأولويات ، وهم يأملون ان يتحرك السيد الزيدي لإنقاذهم من كوارث ونكبات تحدق بهم، وقد وصل بالكثيرين منهم حد أن يأمل أن تنتهي حياته بأسرع ما يمكن على أن يعيش في مذلة وهوان.
- من إحدى الكوارث والنكبات التي تتسبب بها تلك الانقطاعات الطويلة على ملايين العراقيين في كل محافظاتهم ومنها العاصمة بغداد على وجه التحديد والتي بلغت حدودا مرعبة ، أنها ضاعفت مئات بل وآلاف الأمراض غير المعروفة لدى مئات الالاف من العراقيين أطفالا وكبارا وكهولة من كبار السن رجاء ونساء وأشاعت موجات من السخط والغضب على السلطة القائمة وعلى وزارة الكهرباء في المقام الأول، وما تترتب على تلك الامراض من خسائر فادحة جراء مراجعات الاطباء وتكاليف العلاج في المستشفيات الخاصة والعامة والصيدليات حتى بلغت تكاليف العمليات والعلاجات أرقاما مرعبة هي الأخرى، ويمكن للقائمين على الوضع الصحي في البلد أن يوضحوا بالتفصيل ما تتركه انقطاعات الكهرباء من آثار ونتائج كارثية على أمن المواطن وصحته ومستقبل أطفاله وعيشه وتعرضهم لأمراض عجز عن اكتشافها حتى أمهر الأطباء.
- يلاحظ غياب شبه كلي للكهرباء في المدارس والجامعات والمستشفيات والمراكز الصحية والدوائر الحكومية ، وما يعانيه طلبة العراق وشبابه وأجياله من محن الحر اللاهب صيفا ، وبروة الشتاء حيث لا عوامل تدفئة تتوفر لهم ، ولا تبريد وهم يعيشون ظروفا بالغة الصعوبة ليس في مدارسهم وكلياتهم فقط بل تلاحقهم في بيوتهم عندما يرونها بعد عودتهم وقد تحولت الى ما يشبه نار جهنم من حجم ما يواجهوه من عدم توفر أبسط مستلزمات راحتهم وتؤخر قدرتهم على مواصلة الدراسة حتى في المعاهد الخارجية التي يدفعون لها تكاليف باهضة دون ان توفر لهم أجواء آمنة ومريحة للدراسة في تلك المعاهد الخاصة، وكل تلك التأثيرات تضعف قدرتهم على تحصيل درجات عالية وربما يكون الرسوب لأكثرهم هو ما يحصل اليوم.
- خسائر اقتصادية باهضة التكاليف للشركات وأصحاب المشاريع الكبيرة والصغيرة في كل ورش الصناعة والعمل والإنتاج ، الى الحد الذي أصاب الانتاج العراقي بسبب تلك الانقطاعات الكبيرة كوارث لا تحمد عقباها عرضت أمنه وسلامة شعبه لمخاطر الفناء والعوز ومختلف الأمراض الإجتماعية الكارثية، وليس بمقدور الكثيرين دفع التكاليف المترتبة على الضرائب المفروضة عليهم وعلى مبالغ المولدات ومن هم يدفعون إيجارات لاصحابها.
- إن إنقطاعات الكهرباء تؤثر بشكل كبير أيضا حتى على أداء الأجهزة الأمنية في مختلف صنوفها وعلى أداء قوات الجيش والشرطة وكل الجهات والدوائر المدنية والعسكرية والأمنية المهتمة بالحفاظ على أمن المواطن وتوفير مصدر عيش له والمحافظة على كرامته من الإمتهان ، ويتعذر عليها في مثل هذه الظروف من أداء واجباتها على الوجه الأكمل، ولهذا فإن أجهزة الأمن والجيش والشرطة بمختلف انماطها وعملها ليس بمنأى عن تأثيرات انقطاعات الكهرباء الطويلة على مسارات عملها وواجباتها.
- إن الأجواء اللاهبة في الصيف أثرت على البيئة العراقية بمختلف أنماط عيشها وأعمالها وتعرضت الاف البيوت والمعامل والروش وحتى السياحة والفندقة الى خسائر فادحة وكوارث حرائق بسبب تأثيرات الكهرباء الوطنية وما خلفته ملايين الكيبلات والأسلاك غير النظامية التي تظهر في شوارع المدى والأحياء السكنية وكأن الشوارع على شكل غابة كثيفة من (خربطات) تلك الكيبلات والأسلاك التي يصعب معالجة تشابكاتها الرهيبة ، وهي تترك تأثيرات بالغة على الامن الوطني العراقي في أنها تتسبب بكوارث كثيرة تحدث بين يوم واخر ، وتحدث تأثيرات كبيرة وخسائر فادحة يتعذر على الكثير من العراقيين تعويض ما يتعرضون له من حرائق تحدث كل يوم.
- أحدثت إنقطاعات الكهرباء الطويلة أمراضا وعقدا نفسية بل وسلوكيات متنافرة لدى آلاف العوائل العراقية من شدة ما يتعرضون له من صعوبات الحرارة اللاهبة وعدم قدرتهم على الراحة وهم محرومون من النوم ليلا ونهارا ، وتجد أغلب الناس وبخاصة الاطفال والشباب يلجأون الى الشوارع ليلا تخلصا من حالات الضجر وما تسببه تلك الظاهرة بتجمع عشرات الشباب والاطفال في الشوارع من أمراض إجتماعية وسلوكية وحالات إنحراف مجتمعي تؤدي بالكثيرين منهم الى إظهار سلوكيات خطيرة لايمكن لاهالي بغداد تحمل تبعاتها الكارثية،في ظل غياب كامل لاجراءات الأمن في شوارع بغداد وإقتصار وجود سيارات النجدة على الشوارع التي توجد فيها أسواق.. أما التجمعات السكانية فلا توجد فيها أية مظاهر لتواجد أمني إلا ماندر.
- الخسائر الاقتصادية والمبالغ المالية من الأهالي لاصحاب المولدات الذين يتلاعبون في كل شهر بمبالغ الزيادات على الأمبيرات التي تصل الى 20 الف دينار في أحياء بغداد وربما أكثر ، وربما لايكفي راتب الموظف أو المتقاعد لدفع المبلغ المترتب عليه للدفع الى اصحاب المولدات ، وما تحدث من حالات تشاحن واحترب بين المواطنين وأصحاب المولدات الذين يشكون هم من عدم تزويدهم بالكاز لتشغيل مولداتهم بالرغم من الوعود الحكومية التي بدت وكأنها حبر على ورق، وراح صحايا كثر من حالات مشادات حدثت مع أصحاب المولدات.
- تعاني عشرات الآلاف من العوائل من أنه حتى اذا سحبت أكثر من عشر إمبيرات فليس بمقدورها تشغيل سبالتها ، حيث تتعرض أجهزة التبريد الى التوقف بين فترة وأخرى لعدم كفاية الطاقة الناتجة عن المولدات لتشغيل السبالت بالرغم من المبالغ الباهضة التي تدفعها العوائل لاصحاب المولدات ، وهذه الحالة لابد وان تترك تاثيرات مجتمعية وبيئية ونفسية ومختلف أشكال الأمراض بسبب تعرض حياتهم للتهديد بمخاطر الفناء والهلاك ، إضافة الى ما تستنزفه منهم من أموال باهضة تحرمهم حتى من التمتع بلقمة عيش هانئة لعدم كفاية رواتب أصحاب الدخل المحدود مما يحصلون عليه من موارد.
11.تعاني ربات البيوت من عدم قدرتهن على إستكمال مستلزمات الطبخ وتهيئة الطعام لأفراد العائلة بسبب عدم قدرتهن على تحمل حرارة الغرف العالية لعدم توفر الكهرباء الوطنية التي تمتد إنقطاعاتها لما يقرب من عشرين ساعة يوميا، ويشعرن ان حياتهن قد تحولت الى جحيم ، وما تنجم عنه السخط والتذمر من معارك ومناوشات بين ربة البيت وأفراد عائلتها ، وهن يعانين الأمرين من تهيئة أبسط مستلزمات توفير وجبات غذاء لكل أفراد العائلة ، وهناك من الأطفال وحتى الشباب من يريد أنواعا من الطعام والمأكولات على هواه، وتكون المرأة عاجزة عن توفير كل تلك الطلبات ، مايؤدي الى حدوث حالات نفور وغضب شبه يومي من معاناة كهذه.
12.يلاحظ العراقيون أنه حتى أكثر دول العالم فقرا وبلا أية موارد وهم يعيشون حياة أفضل منهم والكهرباء لا تنقطع عنهم ، وهم يتساءلون لماذا كل بلدان العالم تتنعم بالخيرات وساعات تجهيز للكهرباء على مدار السنة بلا انقطاعات ، في وقت يعد العراق أسوأ بلد في العالم توجد فيه تلك المظاهر الادارية وسوء الادارة والانتاج ، وهو أكبر بلد نفطي ويمتلك ثروات هائلة ، وليس بمقدوره أن يحصل على ساعات تجهيز كهرباء تحمي كرامته من الإمتهان والإذلال الذي يعيشه كل يوم.
13 وهناك أمثلة أخرى لا يمكن حصرها بسبب انقطاعات الكهرباء الطويلة في العراق، والتي تتحمل وزارة الكهرباء والرئاسات الثلاث أو الاربع مجتمعة تبعات ما يحصل ، كونها مسؤولة أمام أكثر من أربعين مليون عراقي عما يحدث لهم من كوارث كل يوم وما تتركه تأثيرات إنقطاعات الكهرباء التي حولت حياتهم الى جحيم لايطاق.
- وتبقى السنوات السابقة افضل بكثير مما هو عليه حال الكهرباء الوطنية عليه الان في الاشهر الاخيرة ، التي إختفت فيها ساعات التجهير قبل فترة لأيام وعادت للتدهور في زيارة رئيس الوزاء الى واشنطن وكان العراقيون يأملون بإيجاد أي تحسن لساعات التجهيز وإذا بها تتدهور يوما بعد آخر ، وهي تنعكس سلبا على أداء حكومة الزيدي التي ما تزال في شهورها الأولى.
15.وفي كل الأحول فأنه لولا المولدات لعانى العراقيون كثيرا ، وربما أصبح مالكو المولدات عالما آخر يهيمن ويفرض نفسه ويؤثر على الدولة، وربما يعرضها لمصاعب التصادم معها،فقد يأتي يوم لا تختلف فيه حالات التصادم مع الخارجين عن القانون مع أساليب تعامل قد تلجأ اليها الدولة في تعاملها مع أصحاب المولدات ، ولولا انقطاعات الكهرباء الطويلة لما تحولوا الى (غول) آخر يهدد الدولة والمواطن على حد سواء ،ولديهم أذرع وجهات يحتمون بها ، وينتفع منهم عدد من مسؤولي الدولة ، ولهذا تجدهم يتمترسون خلف ظهور وواجهات تحميهم ، عندما يتهددهم أي خطر لتخفيضهم الأسعار أو إزالة مولداتهم ، وهو خطر كبير يعرض أمن العراق لمخاطر مستقبلية لا تحمد عقباها، وينبغي على أجهزة الأمن أن تدرس تلك المخاطر بتمعن وجدية وان لاتستهين بمظاهر تمترس أصحاب المولدات ، حتى تتمكن من مواجهة مخاطرها الكارثية في المستقبل القريب القادم .





