
الليبرالية بدون أساس إنساني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
مسعد سليتی/- الليبرالية في التجربة التاريخية الغربية ليست مجرد تسمية سياسية بسيطة، بل هي نابعة من نظام فكري متماسك، يقوم نواته على الإنسانية، وكرامة الإنسان الذاتية، وحقوق الإنسان والمواطنة. هذه الأسس تجعل الليبرالية رمزًا للحرية والديمقراطية والتقدم. أما في غياب هذا السياق الإنساني والمواطني، وبدون إيمان عميق بهذه الأنظمة الفكرية، فإن ادعاء الليبرالية لا يصبح مجرد بلا معنى ولا يؤدي إلى الحرية فحسب، بل غالبًا ما يتحول إلى أشكال جديدة من الاستبداد، وأداة لتبرير أيديولوجيات متناقضة. في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أدى الانفصال عن هذا السياق النظري إلى فشل مشاريع «ليبرالية» أو «علمانية»، بل وجعلها أحيانًا معادية للحرية.
جذور الليبرالية: من الإنسانية إلى المواطنة
في التقليد الفكري الغربي، قامت الليبرالية على ثلاثة أعمدة رئيسية:
١. المدرسة الإنسانية
نشأت الليبرالية كأيديولوجيا سياسية-اجتماعية في القرنين السابع عشر والثامن عشر في الغرب، وترجع جذورها إلى المدرسة الإنسانية. الإنسانية، التي برزت في عصر النهضة، ترى الإنسان ككائن يمتلك كرامة ذاتية، وعقلانية، وحقوقًا أساسية مستقلة عن الدين أو القومية أو الجنس أو الطبقة.
٢. حقوق الإنسان:
صيغت الحقوق الطبيعية والعالمية التي يلتزم الدولة بضمانها، لا بمنحها مشروطة. على هذا الأساس، قدموا حقوق الإنسان كمبادئ غير قابلة للإنكار: حق الحياة، وحرية التعبير، والملكية، والمساواة أمام القانون. هذا المنظور يعرف الإنسان ليس كعضو في قوم أو مذهب معين، بل كفرد مستقل ومتساوٍ.
٣. المواطنة:
أكمل هذا الأساس و حوّل «الرعية» إلى «مواطن»؛ فرد يمتلك حقوقًا ومسؤوليات في آن واحد، وتضمن مشاركته النشطة في إدارة البلاد من خلال الانتخابات الحرة، والديمقراطية التمثيلية، وسيادة القانون.
الليبرالية، في إطار حقوق الإنسان العالمية، تحدد الحريات الفردية (مثل حرية الدين والتعبير والتجمع) إلى جانب قيم مثل العلمانية (فصل الدين عن الدولة)، والتعددية (قبول التنوع الثقافي والأيديولوجي)، ومساواة جميع البشر، وحقوق النساء والأطفال، وحماية البيئة، والهوية المواطنية. النظام الفكري متكامل ومتماسك؛ حيث توفر الإنسانية الأساس الأخلاقي، والمواطنة الأساس العملي.
الليبرالية السياسية — الحريات الفردية، وسيادة القانون، وفصل السلطات، والانتخابات الحرة، والتعددية، وحرية الضمير — لا تكتسب معناها ووظيفتها الحقيقية إلا في سياق هذه الأعمدة الثلاثة. حذف أي منها يجعل البناء كله غير مستقر.
الليبرالية بدون أساس إنساني — الواقع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
في المقابل، في إيران والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كثير ممن يصفون أنفسهم بـ«الليبراليين» يفتقرون إلى هذه الأسس الإنسانية والمواطنية، وغالباً ما ينطلقون من خلفيات فكرية قومية أو إسلاموية.
القومية، بتركيزها على تفوق العرق أو الأمة، تضع «الأمة» أو «الدولة» فوق الإنسان والمواطن، وتنظر إلى حقوق الإنسان بشكل انتقائي، مما يؤدي غالبًا إلى التمييز ضد الأقليات. أما الإسلاموية فتعطي الأولوية للشريعة أو الأيديولوجيا الدينية، فتجعل الكرامة والحقوق مشروطة بالإيمان أو التفسير الديني، وتنفي العلمانية والمساواة.
ونتيجة ذلك، يتحول ادعاء الليبرالية في هذه المجتمعات إلى أداة لتبرير السلطوية أو الحفاظ على الوضع القائم، من دون إيمان حقيقي بالقيم العالمية.
فمثلاً في العالم العربی، يروّج بعض «الليبراليين» للحرية الاقتصادية، لكنهم لا يؤمنون بحقوق الإنسان، والحريات الأساسية، ومساواة جميع المواطنين، وحقوق المرأة والطفل، والتعددية الثقافية والدينية، والهوية المواطنية، وحماية البيئة، ولا حتى بالديمقراطية والانتخابات الحرة، لأن هذه المفاهيم تتعارض مع قوميتهم أو إسلامويتهم الأيديولوجية.
هذا الوضع لا يفقد الليبرالية مصداقيتها فحسب، بل يعيق تقدم المجتمع أيضًا. فبدون إنسانية، تصبح حقوق الإنسان شعارًا فارغًا؛ وبدون مواطنة، يتحول المشاركة المدنية إلى انفعال أو تطرف.
العلمانية الاستبدادية
العلمانية بدون أساس إنساني وحقوق إنسان ومواطنة، لا تحقق الليبرالية فحسب، بل تفقد حتى هدفها الأساسي: خلق فضاء للحرية والمساواة. إذ إن كل هذه المفاهيم تشكل نظامًا فكريًا متكاملاً. والتاريخ المعاصر في الشرق الأوسط يشهد على ذلك بوضوح: في إيران البهلوية، والعراق في عهد صدام حسين، وسوريا في عهد الأسد، ومصر في عهد مبارك — كانت أنظمة علمانية-استبدادية تفصل الدين عن الدولة (أو تسيطر عليه) لكنها لم تعترف بالإنسان كمواطن صاحب حقوق، فتحولت إلى أدوات قمع واسعة وانتهاك للحريات.
ضرورة العودة إلى الإنسانية والمواطنة: طريق لليبرالية الأصيلة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
لإنارة المجتمعات العربية والإيرانية، يجب التأكيد أن الليبرالية بدون مقومات الإنسانية والمواطنة وهم كبير. ينبغي أن تكون الإنسانية الأولوية الفكرية: الإيمان بكرامة الإنسان بغض النظر عن الجنس أو القومية أو الدين. هذا الإيمان يجعل حقوق الإنسان مبادئ عالمية، ويعتبر المساواة أساس العدالة لا تهديدًا لها.
ثم يأتي تعزيز مفهوم المواطنة: هوية مواطنية تجعل الفرد مسؤولًا أمام مجتمعه وبيئته، وتشمل قبول التعددية، والعلمانية الحقيقية، والديمقراطية بانتخابات حرة نزيهة، وحقوق المرأة والطفل.
إذا أردنا أن تكتسب الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية معنى حقيقيًا في المستقبل، فإن نقطة البداية ليست «إعلان الليبرالية» أو «العلمانية السياسية» فحسب، بل القبول غير المشروط بالإنسانية والمواطنة.
الليبرالية والعلمانية، إذا انفصلا عن جذورهما الإنسانية وحقوق الإنسان، لا يؤديان إلى الحرية، بل قد يكونان وجهًا حديثًا للاستبداد القديم.
إنارة مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم تحتاج، قبل كل شيء، إلى العودة إلى هذه الحقيقة البسيطة والأساسية:
«الحرية السياسية، بدون إيمان عميق بالإنسان والمواطن، ليست سوى وهم.»
أخبار قد تهمك
التربية تحدد ضوابط قبول طلبة المدارس الدولية في المتميزين وثانويات كلية بغداد
النزاهة تكشف شبكة لتزوير القروض في بابل
تغيير كبير في إجازات السوق.. اختبارات قيادة جديدة تنتظر العراقيين
الحرارة الأربعينية مستمرة في العراق خلال الأيام المقبلة
الصين تعطل اتفاق العشرين.. خلاف عالمي يهدد التجارة والنمو
صفقات نارية وكلاسيكو سعودي يتصدران الصحافة العالمية
تسوية ميتا تشعل جدل حماية الأطفال والخصوصية
أدوية جديدة تنافس «مونجارو» في إنقاص الوزن
النفط يواصل الصعود مع تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران ومخاوف على إمدادات هرمز
غفران الشمري تطالب وزير المالية بتدخل عاجل لإنهاء تأخر رواتب ومستحقات الكوادر التربوية
الخفاجي يكشف عن طلب لـ 200 ألف درجة وظيفية بالصحة ويحذر من تحديات موازنة 2027





