الفكر الجديد – محمد عبد الجبار الشبوط

المستقلة / في مقاله الاسبوعي، كتب الصديق ابراهيم العبادي الجملة التالية: “وسيظل بناء الدولة مشروعا مؤجلا الى ان يظهر فكر جديد ونخب جديدة وارادة انتخابية فاعلة متحررة من قيود الايديولوجيات”.

وهذه الجملة مهمة ليس فقط بلحاظ مضمونها، وانما بلحاظ كاتبها. فابراهيم العبادي واحد من الكتاب الاسلاميين العريقين والمتنورين الذين يجمعون بابداع خلّاق بين اصالة الفكر وحداثة الرؤية. وانا متابع بشغف لهم، وفي مقدمتهم، اضافة الى العبادي نفسه، الصديق حسين درويش العادلي والصديق جواد الكسار، وغيرهم.

الكلمة المفتاحية في فقرة العبادي السابقة هي “متحررة من قيود الايديولوجيات” التي استخدمها في وصف الفكر الجديد والنخب الجديدة والارادة الجديدة.

وهذه الكلمات تختصر واحدا من اهم عوامل “النكد” في حياة العراقيين، وهو “الاستقطاب الايديولوجي”. في الخمسينات، بعد ١٤ تموز عام ١٩٥٨، عاني العراقيون من الاستقطاب الايديولوجي البعثي- الشيوعي، وهم يعانون الان من الاستقطاب الاسلامي-العلماني. ولو اعتبرنا ان الايديولوجية البعثية والايديولوجية الشيوعية هما من مخلفات التاريخ، فان المشكلة الان محصورة بالاستقطاب الايديولوجي الاسلامي- العلماني. وهذا الاستقطاب يؤثر بالسلب على محاولات التفكير بصياغة مشروع حضاري لبناء الدولة في العراق لان ذهن المتلقي لهذه الفكرة ينصرف فورا الى هوية الدولة، هل هي علمانية ام اسلامية. وليس لهذا الانصراف علاقة بهندسة الدولة، لكنه انعكاس مرير لهذا الاستقطاب الايديولوجي الموروث من مرحلة الحرب الباردة.

في عمق مشروع بناء الدولة تكمن القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري المنتج للدولة المأمولة. وربما كان الاعتقاد في فترات ماضية من تاريخ البشرية ان القيم سلع ايديولوجية وحتى دينية. ومن هنا جاءت معاناة هذه القيم التي وقعت او راحت ضحية الصراعات التي شهدتها البشرية على الاقل في الفترة ما بين الحروب الصليبية من أواخر القرن الحادي عشر حتى الثلث الأخير من القرن الثالث عشر (1096 – 1291)، الى الحرب الباردة بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الغربي منذ قيام الاتحاد السوفيتي الى سقوطه في ٢٦ كانون الاول عام ١٩٩١ وانهيار المعسكر الشيوعي.

لكن الاستقراء التاريخي على مدى ١٠ الاف سنة ماضية يؤكد ان هذه القيم العليا ليست ايديولوجية من حيث الطبيعية، ولا دينية على وجه الحصر والاختصاص، انما هي تعبير عن “فطرة الانسان”، و”القانون الطبيعي”، ورسالات الانبياء، من ادريس الى محمد، واسهامات المفكرين والفلاسفة الصينيين والهنود والاغريق والفرس والعرب والاتراك والاغريق والرومان والاوروبيين والاميركيين، وغيرهم كثيرون، وانتهاء بمصفوفة اهداف التنمية المستدامة في ٢٥ ايلول ٢٠١٥ ومرورا بالاعلان العالمي لحقوق الانسان في ١٠ كانون الاول عام ١٩٤٨ التي كانت تكثيفا للتجربة والخبرة البشرية على امتداد التاريخ.

اثبتت ال ١٠ الاف سنة الماضية ان القيم العليا في حالة صيرورة مستمرة، تكاملية، تصاعدية، وكانه تصدق قول القران الكريم: “يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ”، خاصة اذا فهمنا ان الله سبحانه وتعالى هو المثل الاعلى المطلق لكل القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري، او قوله تعالى:”سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ”، خاصة اذا فهمنا ان “الحق” هو المركب الكلي الشامل لهذه القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري.
التفكير بمشروع بناء الدولة في العراق، اخذا بنظر الاعتبار طبيعة المجتمع العراقي (واقصد بذلك اكثر مما قصده عالمنا الكبير على الوردي)، يجب ان يتحرر من قيود الايديولوجيات وينطلق في رحاب القيم العليا المتعالية على هذه القيود اذا اراد لنفسه النجاح. ولا يمكن ان يكون هذا المشروع الا تحت عنوان “الدولة الحضارية الحديثة”.

التعليقات مغلقة.