
اكاديميات بلا قرار
محمد الربيعي
لطالما وقفت متأملا ومستغربا امام هذا التناقض الصارخ الذي طالما ناديت بضرورة اصلاحه وكتبت عنه مرارا، فبين اروقة الجامعات العراقية ومقاعد مدرجاتها، اجدني امام قصة نجاح اكاديمي لافتة تخطها المراة بامتياز، لكنها سرعان ما تصطدم بجدار سميك يعكس انعداما مؤلما للعدالة وتكافؤ الفرص كلما سعت للعبور الى مراكز صنع القرار الاداري.
انه لأمر يثير الدهشة حقا ان نرى قاعات الدراسات العليا تعج بالطالبات اللواتي بلغت نسبتهن نحو 69% من اجمالي المقبولين، وتشكل التدريسيات ما يقارب نصف الملاك التعليمي العام بنسبة تتراوح بين 44% الى 49%، ثم نرى هذه الكثافة والفاعلية تنحسر بشكل حاد ومفاجئ كلما صعدنا في الهرم القيادي للتعليم العالي! ان هذا المشهد يكشف لي في كل مرة عن تلك الفجوة التمييزية العميقة التي تفصل بين التاهيل العلمي العالي والاستحقاق الاداري المغيب، وهو واقع يستوجب منا وقفة جادة ومراجعة جذرية.
هذا التناقض الذي يترجم غياب العدالة المؤسساتية يتجلى بصدمة الارقام في مستويات الادارة العليا، حيث تشير البيانات والتقارير الرصدية الى ان تمثيل النساء في منصب رئيس جامعة لا يتجاوز حاجز 2.9% فقط، وغالبا ما ينحصر هذا التمثيل الشحيح في كليات او جامعات مستحدثة مخصصة للبنات لابعادهم عن القيادة العامة، بينما تصدمنا الحقيقة الاكثر اجحافا في مناصب المدراء العامين داخل هيكلية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتي تكاد تسجل نسبة 0%، مما يعني ان احتكار الرجال للقرار الاستراتيجي ورسم سياسات التعليم يتخطى حاجز 97%، في اقصاء متعمد لطاقات نسوية اثبتت تفوقها الرقمي والمعرفي في حقول العلم.
ومع النزول الاداري نحو القيادات الوسطى، يستمر مشهد غياب الانصاف وان بدا اقل حدة، اذ تتارجح نسبة النساء في عمادات الكليات بين 5% الى 12% فقط، مع حصر معظمها في التخصصات الانسانية واللغات، مقابل اقصاء شبه تام عن قيادة الكليات السياسية والهندسية والتقنية، في حين تسجل النساء الحضور القيادي الملحوظ فقط في رئاسة الاقسام العلمية بنسب تتراوح بين 25% الى 35% لكون هذه المواقع تعتمد مباشرة على الاستحقاق التلقائي للاقدمية الاكاديمية والجهد اليومي الميداني الذي لا يمكن تجاوزه، والذين يهرب منه الرجال لكثرة اعبائه وقلة امتيازاته السياسية.
ان هذا الخلل الرقمي الفاضح وفجوة العدالة القيادية لا يعودان مطلقا لقلة كفاءة المراة الاكاديمية او تراجع مؤهلاتها، بل هما نتاج مباشر لبيئة التعيينات للمناصب العليا التي تخضع لمعايير المحاصصة الحزبية والعلاقات والترتيبات الذكورية خارج اسوار الجامعة، حيث تساهم هذه التوازنات الضيقة في اقصاء الكفاءات النسوية وحرمانهن من التنافس العادل على مناصب تستحقها لغة الارقام والتفوق، مما يجعل من الضروري والملح كسر هذا الاحتكار واعادة النظر في آليات اختيار القادة الاكاديميين لتكون الكفاءة العلمية والعدالة الجندرية هما المعيار الوحيد والفيصل.



