الصين تعطل اتفاق العشرين.. خلاف عالمي يهدد التجارة والنمو

المستقلة/- فشل وزراء مالية مجموعة العشرين في التوصل إلى بيان ختامي مشترك في نهاية اجتماعاتهم بمدينة آشفيل في ولاية كارولاينا الشمالية الأمريكية، بعدما اعترضت الصين على عدد من البنود الأساسية التي تناولت الاختلالات الاقتصادية العالمية، والفوائض التجارية، والاعتماد المفرط على الصادرات، إضافة إلى ملفات الديون والصراعات الجيوسياسية.

وجاء فشل التوافق رغم موافقة 19 دولة من أصل 20 على الصياغة المقترحة، ما جعل الصين العضو الوحيد الذي رفض تمرير البيان بصورته النهائية، في تطور يعكس اتساع الخلاف بين بكين وعدد من الاقتصادات الكبرى بشأن طبيعة النمو الصيني وتأثير صادراته الكبيرة على الصناعات والأسواق العالمية.

وبدلاً من إصدار بيان مشترك باسم المجموعة، أصدرت الولايات المتحدة، بصفتها الدولة المضيفة للاجتماعات، بياناً رئاسياً أوضحت فيه أن غالبية أعضاء المجموعة وافقوا على الصياغة، باستثناء الصين التي اعترضت على أربعة أقسام رئيسة.

وشملت الاعتراضات فقرة تتعلق بمضيق هرمز والحروب والصراعات المستمرة، وقسمين حول الاختلالات الاقتصادية العالمية واعتماد بعض الاقتصادات بصورة كبيرة على الصادرات، إضافة إلى تعزيز دور صندوق النقد الدولي في مراقبة هذه الاختلالات، فضلاً عن فقرة تتعلق بإعادة هيكلة الديون السيادية.

ويضع هذا الخلاف قضية النمو القائم على التصدير في صدارة المواجهة الاقتصادية بين الصين وعدد من الاقتصادات المتقدمة، خصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا، التي ترى أن القدرات الإنتاجية الكبيرة في بعض القطاعات الصينية تسمح بتدفق سلع منخفضة التكلفة إلى الأسواق الدولية بمعدلات يصعب على الصناعات المحلية منافستها.

ويتركز القلق بصورة خاصة حول قطاعات صناعية أصبحت الصين فيها لاعباً عالمياً مهيمناً، مثل السيارات الكهربائية، والبطاريات، والطاقة الشمسية، وبعض الصناعات المعدنية والتكنولوجية.

وتخشى اقتصادات غربية من أن يؤدي استمرار هذه الفوائض الإنتاجية والتجارية إلى إضعاف صناعاتها المحلية، وإغلاق مصانع، وفقدان وظائف، وزيادة الاعتماد على المنتجات الصينية في قطاعات استراتيجية.

في المقابل، ترى بكين أن الانتقادات الموجهة إليها تستخدم أحياناً لتبرير السياسات الحمائية وفرض القيود التجارية والرسوم الجمركية على المنتجات الصينية، وتتمسك بأن قدرتها التنافسية تعود إلى تطور بنيتها الصناعية وسلاسل الإمداد والاستثمار في التكنولوجيا وليس إلى ممارسات غير عادلة فقط.

ومن هنا يصبح الخلاف داخل مجموعة العشرين أكبر من مجرد صياغة فقرة في بيان؛ فهو يعكس صراعاً حول شكل النظام التجاري العالمي نفسه، وحدود تدخل الحكومات في حماية الصناعات الوطنية، ومدى قبول العالم بنماذج نمو تعتمد على تحقيق فوائض تجارية كبيرة ومستدامة.

وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن موافقة 19 دولة على النص المقترح تعكس اتساع القلق بشأن الاختلالات الاقتصادية العالمية، معتبراً أن الاقتصادات التي لا تعتمد بالكامل على آليات السوق وتغرق الأسواق العالمية بكميات كبيرة من السلع منخفضة التكلفة لا يمكن أن تستمر بهذا الشكل دون معالجة.

ويكشف هذا الموقف أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى الملف باعتباره خلافاً تجارياً ثنائياً بينها وبين الصين فقط، بل تسعى إلى تحويله إلى قضية دولية داخل مؤسسات مثل مجموعة العشرين وصندوق النقد الدولي.

ويحمل فشل إصدار البيان أهمية سياسية واقتصادية في آن واحد، لأن مجموعة العشرين تضم أكبر الاقتصادات المتقدمة والناشئة، وتمثل الجزء الأكبر من الناتج والتجارة العالمية. وعندما تعجز هذه الدول عن الاتفاق حتى على توصيف المشكلات الاقتصادية، تصبح قدرتها على الوصول إلى حلول مشتركة أكثر صعوبة.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تصطدم فيها المجموعة بانقسامات سياسية حادة. فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، تكررت حالات الفشل في التوصل إلى بيانات ختامية موحدة، بسبب الخلاف حول كيفية الإشارة إلى روسيا والحرب والعقوبات.

لكن الخلاف الحالي يحمل بعداً اقتصادياً أكثر مباشرة، لأن ملفات التجارة والفوائض والإنتاج والديون تمس مصالح الدول بصورة يومية ولا ترتبط فقط بالمواقف السياسية.

وتزداد أهمية هذا الانقسام في ظل تصاعد النزعة الحمائية عالمياً، وعودة السياسات الصناعية المدعومة حكومياً، وتزايد الرسوم الجمركية والقيود التجارية بين الاقتصادات الكبرى.

فبعد عقود كان الاتجاه العالمي فيها يسير نحو خفض الحواجز أمام التجارة، تتجه الاقتصادات حالياً إلى حماية قطاعات تعتبرها استراتيجية، خصوصاً التكنولوجيا والطاقة والصناعات المتقدمة.

ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى انقسام التجارة العالمية إلى كتل اقتصادية أكثر وضوحاً، بحيث تعتمد كل مجموعة من الدول بصورة أكبر على سلاسل توريد مرتبطة بحلفائها السياسيين.

وهذا السيناريو قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والتجارة، وإضعاف الكفاءة الاقتصادية التي وفرتها العولمة خلال العقود الماضية، لكنه في الوقت نفسه قد يمنح بعض الدول قدراً أكبر من الاستقلال في القطاعات الحيوية.

أما ملف الديون السيادية، فقد شكل نقطة خلاف إضافية خلال الاجتماعات، في وقت تواجه فيه العديد من الدول النامية والاقتصادات الناشئة أعباء ديون مرتفعة وتكاليف تمويل متزايدة.

وتزداد حساسية هذا الملف بسبب الدور الكبير الذي تلعبه الصين كمقرض لعدد من الدول النامية عبر مشاريع بنية تحتية واستثمارات طويلة الأجل، الأمر الذي يجعل مشاركتها ضرورية في أي عمليات دولية لإعادة هيكلة ديون هذه الدول.

وتطالب الولايات المتحدة ومؤسسات مالية دولية منذ سنوات بمزيد من الشفافية والتنسيق في عمليات معالجة الديون، بينما تتمسك الصين بمقاربات تفاوضية تختلف في بعض جوانبها عن الآليات التي تتبعها المؤسسات الغربية والدائنون التقليديون.

ولذلك فإن الخلاف بشأن إعادة هيكلة الديون ليس تقنياً فقط، بل يتعلق أيضاً بمن يمتلك النفوذ داخل النظام المالي العالمي ومن يتحمل تكاليف إنقاذ الدول المتعثرة.

كما دخلت الصراعات الجيوسياسية بقوة على خط الاجتماعات، خصوصاً الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط ومخاطرها على الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.

ومع ذلك، تجنبت الصياغة الأمريكية تسمية أي من الصراعين بصورة مباشرة، واكتفت بالإشارة العامة إلى “الحروب والصراعات المستمرة”، في محاولة على ما يبدو لتقليل حجم الخلاف السياسي داخل المجموعة.

لكن حتى هذه الصياغة لم تكن كافية للوصول إلى إجماع.

ويشير ذلك إلى أن الهوة داخل مجموعة العشرين أصبحت أوسع من قدرة البيانات الدبلوماسية العامة على تجاوزها.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن استمرار النزاعات والتوترات في مناطق استراتيجية مثل الشرق الأوسط يمثل تهديداً مباشراً للنمو العالمي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بممرات بحرية رئيسة مثل مضيق هرمز الذي تمر عبره كميات كبيرة من صادرات الطاقة العالمية.

وأي اضطراب طويل الأمد في حركة النفط والغاز قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة التضخم، ما يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة بين حماية النمو والسيطرة على الأسعار.

كما أن التوترات التجارية بين الصين والغرب يمكن أن تضيف طبقة أخرى من الضغوط التضخمية إذا توسعت الرسوم الجمركية والقيود على الواردات.

وهنا تصبح اقتصادات العالم أمام مجموعة من المخاطر المتزامنة: حرب تجارية، وصراعات عسكرية، وديون مرتفعة، ونمو عالمي ضعيف، وأسعار طاقة متقلبة.

ويعتقد خبراء أن عدم قدرة مجموعة العشرين على التوصل إلى موقف موحد لا يعني انهيار دورها، لكنه يكشف صعوبة قيامها بالوظيفة التي تأسست من أجلها، وهي تنسيق السياسات الاقتصادية بين أكبر اقتصادات العالم عندما تواجه الأسواق أزمة أو تهديداً مشتركاً.

ففي الأزمة المالية العالمية عام 2008 لعبت المجموعة دوراً مركزياً في تنسيق الاستجابة الدولية، أما اليوم فإن التنافس بين القوى الكبرى أصبح أحياناً أقوى من الحاجة إلى التنسيق.

ويبرز الخلاف الصيني-الأمريكي بصورة خاصة كأحد أكبر التحديات أمام المجموعة. الولايات المتحدة تريد تقليص اعتماد الاقتصاد العالمي على النمو القائم على التصدير الصيني، بينما ترى الصين أن الضغوط الغربية تهدف إلى الحد من قدرتها الصناعية ومنعها من التقدم في قطاعات استراتيجية.

ولا تبدو هناك تسوية سهلة بين الطرفين.

فإذا واصلت الصين زيادة الإنتاج والصادرات، قد تتوسع الرسوم والقيود التجارية ضد منتجاتها.

وإذا ردت بكين بإجراءات مضادة، فقد تنتقل المواجهة إلى قطاعات أوسع تشمل المعادن والتكنولوجيا والخدمات والاستثمارات.

وفي هذه الحالة سيكون المتضرر ليس الصين والولايات المتحدة فقط، بل اقتصادات عديدة مرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية.

وتظهر اجتماعات آشفيل أن مجموعة العشرين أصبحت اليوم مرآة للتحولات الكبرى في الاقتصاد العالمي: تراجع الثقة بين القوى الكبرى، صعود السياسات الحمائية، أزمة الديون، وعودة الجغرافيا السياسية إلى قلب القرارات الاقتصادية.

وإذا كان فشل إصدار البيان يمثل في الظاهر خلافاً دبلوماسياً، فإنه يحمل في جوهره رسالة أكثر خطورة: أكبر اقتصادات العالم أصبحت تتفق على وجود المشكلات، لكنها تختلف بصورة متزايدة على أسبابها وعلى من ينبغي أن يدفع ثمن حلها.

ومع استمرار هذه الخلافات، قد يصبح التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة ليس فقط الحفاظ على النمو الاقتصادي العالمي، بل منع تحول المنافسة التجارية والمالية إلى انقسام طويل الأمد في النظام الاقتصادي الدولي.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى