الجامعة المستنصرية تكشف أسباب الدوار المزمن وطرق علاجه: اضطراب في توازن الدماغ لا يهدد الحياة

المستقلة/- بغداد – شريف هاشم /-  يُعدّ الدوار الوضعي الإدراكي المستمر (PPPD) أحد الأسباب الشائعة للدوخة المزمنة، وهو اضطراب يؤثر في الطريقة التي يعالج بها الدماغ إشارات التوازن، ما يجعل المصابين به يعانون شعوراً متواصلاً بعدم الاستقرار والتأرجح، حتى في غياب مشكلات واضحة في الفحوصات الطبية التقليدية.
وعلى الرغم من أن هذا الاضطراب لا يُعدّ مرضاً مهدداً للحياة، فإن تأثيراته قد تمتد إلى مختلف جوانب الحياة اليومية، إذ يجد بعض المرضى صعوبة في المشي داخل الأماكن المزدحمة، أو استخدام الشاشات الإلكترونية، أو ممارسة أنشطتهم المعتادة نتيجة الإحساس المستمر بالدوخة وعدم الاتزان.
وفي حوار أجراه الزميل شريف هاشم، أوضح الأستاذ المساعد الدكتور علي عبد محمد، عضو الهيئة التدريسية في فرع الجراحة بكلية الطب في الجامعة المستنصرية، اختصاص جراحة الأنف والأذن والحنجرة، أن اضطراب الدوار الوضعي الإدراكي المستمر يمثل خللاً وظيفياً في معالجة الدماغ للمعلومات المتعلقة بالتوازن، وليس بالضرورة نتيجة تلف عضوي دائم في الجهاز العصبي أو الأذن الداخلية.
كيف ينشأ اضطراب الدوار المستمر؟

وأوضح الدكتور علي عبد محمد أن الدماغ يعتمد في المحافظة على التوازن على مجموعة من الإشارات المتكاملة التي تصله من الأذن الداخلية والعينين والمستقبلات الحسية الموجودة في العضلات والمفاصل.

وأشار إلى أن اضطراب (PPPD) يبدأ في كثير من الحالات عقب التعرض لمشكلة صحية تؤثر بصورة مؤقتة في التوازن، مثل التهاب العصب الدهليزي، أو دوار الوضعة الانتيابي الحميد، أو نوبات الشقيقة الدهليزية، فضلاً عن نوبات الهلع والقلق الشديد وإصابات الرأس الخفيفة.

وبيّن أن الدماغ يعود عادة إلى آلية معالجة التوازن الطبيعية بعد زوال السبب الأولي، إلا أنه لدى بعض المرضى يستمر في حالة من التأهب والمراقبة المفرطة، ويصبح أكثر اعتماداً على المعلومات البصرية، الأمر الذي يؤدي إلى استمرار الإحساس بالدوخة واختلال التوازن حتى بعد تحسن الحالة الصحية التي سببت الأعراض في البداية.

أعراض تستمر لأشهر وتزداد في الأماكن المزدحمة

وبشأن العلامات السريرية، أوضح الطبيب أن أبرز ما يميز الاضطراب استمرار أعراض الدوخة وعدم الاتزان في معظم الأيام لمدة ثلاثة أشهر على الأقل.

وأضاف أن المريض لا يشعر بالضرورة بدوران الأشياء من حوله، كما يحدث في بعض اضطرابات الأذن الداخلية، بل يصف حالته بأنها إحساس بالتأرجح أو الطفو أو عدم الثبات، وأحياناً كأنه يقف على متن سفينة تتحرك فوق الأمواج.

وأشار إلى أن الأعراض تزداد عند الوقوف أو المشي، أو أثناء حركة الجسم، كما قد تتفاقم عند مشاهدة حركة السيارات أو استخدام الشاشات الإلكترونية أو التجول داخل الأسواق والمراكز التجارية المكتظة.

وتابع أن هذه المحفزات تجعل بعض المرضى يتجنبون الأماكن المزدحمة والأنشطة الاجتماعية، ما قد يؤدي إلى تراجع قدرتهم على ممارسة حياتهم الطبيعية.

هل يشكل الاضطراب خطراً على حياة المصاب؟

وأكد الدكتور علي عبد محمد أن الدوار الوضعي الإدراكي المستمر لا يُعدّ بحد ذاته حالة مهددة للحياة، لكنه قد يتحول إلى مشكلة صحية مؤثرة بسبب استمرار الأعراض وانعكاساتها النفسية والجسدية.

وأوضح أن الشعور المتكرر بعدم الاستقرار يمكن أن يؤدي إلى القلق والتوتر، وقد يرتبط بظهور أعراض الاكتئاب لدى بعض المصابين، خصوصاً عندما تستمر الدوخة لفترات طويلة دون تشخيص واضح.

وشدد على أهمية عدم إهمال الأعراض أو الاكتفاء بالتعايش معها، لأن التشخيص الصحيح وبدء العلاج المناسب يساعدان على تحسين الحالة الصحية ونوعية الحياة.

لماذا قد تكون الفحوصات الطبية طبيعية؟

وفي ما يتعلق بالتشخيص، بيّن الطبيب أنه لا يوجد تحليل دم أو تصوير شعاعي محدد يمكن الاعتماد عليه وحده لإثبات الإصابة باضطراب (PPPD).

وأوضح أن نتائج التصوير بالرنين المغناطيسي وفحوصات الجهاز الدهليزي قد تكون طبيعية، رغم استمرار شكوى المريض من الدوخة.

وأشار إلى أن التشخيص يعتمد بصورة أساسية على التقييم السريري الدقيق، وطبيعة الأعراض ومدتها والعوامل التي تزيد حدتها، وفق المعايير التشخيصية المعتمدة من جمعية باراني الدولية المتخصصة باضطرابات التوازن.

وأضاف أن الطبيب يحتاج أيضاً إلى تقييم الأسباب المحتملة الأخرى للدوخة، نظراً إلى تشابه الأعراض بين عدد من الاضطرابات العصبية والدهليزية.

العلاج يبدأ بإعادة تدريب الدماغ على التوازن

وأوضح الدكتور علي عبد محمد أن اضطراب الدوار الوضعي الإدراكي المستمر من الحالات التي يمكن أن تتحسن بصورة ملحوظة عند اعتماد خطة علاجية متكاملة، تقوم على معالجة الأعراض وإعادة تدريب الدماغ على استقبال إشارات التوازن والتعامل معها بصورة طبيعية.

وأشار إلى أن إعادة التأهيل الدهليزي تمثل أحد المحاور الأساسية للعلاج، من خلال تمارين متخصصة تساعد على تقليل الحساسية المفرطة للحركة والمحفزات البصرية وتحسين قدرة المريض على التوازن أثناء ممارسة الأنشطة اليومية.

وأضاف أن العلاج المعرفي السلوكي يؤدي دوراً مهماً في التعامل مع القلق والخوف المرتبطين بالدوخة، ويساعد على كسر الحلقة التي تربط بين التوتر النفسي وتفاقم الأعراض.

وبيّن أن الأطباء قد يلجؤون في بعض الحالات إلى أدوية تؤثر في النواقل العصبية، ومنها مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، وفق تقييم الطبيب المختص، مع الإشارة إلى أن الأدلة العلمية بشأن فعالية الأدوية لهذا الاضطراب ما تزال محدودة.

هل للعوامل الوراثية دور في الإصابة؟

وبشأن احتمالية انتقال الاضطراب وراثياً، أكد الطبيب عدم وجود أدلة علمية قوية تثبت أن الدوار الوضعي الإدراكي المستمر مرض وراثي أو ناتج مباشرة عن عوامل جينية محددة.

وأوضح أن قابلية الإصابة قد تختلف من شخص إلى آخر، وأن بعض العوامل الفردية والتاريخ المرضي لاضطرابات التوازن قد تؤثر في احتمالية ظهور الحالة، دون أن يعني ذلك وجود نمط وراثي مثبت للمرض.

متى ينبغي مراجعة الطبيب؟

وشدد الدكتور علي عبد محمد على ضرورة مراجعة الطبيب المختص عند استمرار الشعور بالدوخة أو عدم الاتزان، خصوصاً إذا بدأت الأعراض تؤثر في القدرة على العمل أو المشي أو ممارسة الأنشطة اليومية.

وأوضح أن التقييم الطبي المبكر يساعد على تحديد طبيعة الاضطراب، واستبعاد الأسباب الأخرى، ووضع خطة علاجية تتناسب مع حالة المريض.

ومن المهم الإشارة إلى أن الدوخة المفاجئة المصحوبة بضعف في أحد أطراف الجسم، أو اضطراب الكلام، أو ازدواج الرؤية، أو صداع شديد غير معتاد، تستدعي تقييماً طبياً طارئاً، ولا ينبغي افتراض أنها ناجمة عن اضطراب (PPPD).

هل يمكن الوقاية من الإصابة؟

وأشار الطبيب إلى عدم وجود وسيلة مضمونة لمنع الإصابة بالدوار الوضعي الإدراكي المستمر، إلا أن التعامل المبكر مع اضطرابات التوازن، وإدارة التوتر، والمحافظة على نمط حياة صحي، قد يساعد في الحد من استمرار الأعراض ومضاعفاتها.

كما أكد أهمية عدم تجنب الحركة والأنشطة اليومية بصورة مفرطة، والعمل مع المختصين على العودة التدريجية إلى النشاط ضمن خطة تأهيلية مناسبة.

رسالة طبية: الدوخة المزمنة لا تعني بالضرورة وجود تلف دائم

وفي ختام الحوار، أكد الأستاذ المساعد الدكتور علي عبد محمد أن فهم الطبيعة الوظيفية لاضطراب الدوار الوضعي الإدراكي المستمر يمثل خطوة أساسية نحو التعافي، موضحاً أن استمرار الشعور بالدوخة لا يعني بالضرورة وجود تلف دائم في الدماغ أو الأذن الداخلية.

وأضاف أن المتابعة مع أطباء الأنف والأذن والحنجرة واختصاصيي الأعصاب والتوازن، والالتزام ببرنامج التأهيل المناسب، يمكن أن يساعد المرضى على استعادة الثقة بالحركة وتحسين قدرتهم على أداء أنشطتهم المعتادة.

ويبرز هذا الاضطراب أهمية التوعية بأسباب الدوخة المزمنة، وعدم اعتبار جميع حالات عدم الاتزان ناجمة عن مشكلات الأذن الداخلية وحدها، إذ إن تشخيص الحالة بصورة صحيحة يفتح المجال أمام خيارات علاجية وتأهيلية يمكن أن تحسن جودة حياة المصابين.

ويؤكد المختصون أن الدوار الوضعي الإدراكي المستمر، رغم تأثيراته المزعجة والممتدة، ليس حكماً على المريض بالتعايش الدائم مع الدوخة، بل حالة تستدعي الفهم والتشخيص الدقيق والعلاج المتكامل.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى