
البنك المركزي العراقي في قفص الاتهام.. من يدير ملف الدولار؟
المستقلة/- لم تعد أزمة الدولار في العراق مجرد فارق بين السعر الرسمي وسعر السوق، بل تحولت إلى سؤال سياسي واقتصادي أكبر: من يملك القرار الحقيقي داخل ملف العملة الصعبة؟ الدولة ممثلة بالبنك المركزي، أم شبكة المصارف والوسطاء والمصالح التي تتحرك حول نافذة الدولار والتحويلات الخارجية؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة بقوة بعد التصريحات الحادة التي أطلقتها النائبة عالية نصيف، والتي هاجمت فيها أداء البنك المركزي العراقي، معتبرة أن المؤسسة النقدية لم تعد تمارس دورها الحقيقي في الرقابة والتنظيم، بل باتت، بحسب وصفها، أقرب إلى “دكان أو محل للبيع”.
تصريحات نصيف لم تمر بوصفها موقفاً سياسياً عابراً، لأنها جاءت في توقيت حساس يشهد فيه سوق الصرف اضطراباً متكرراً، وتتصاعد فيه الشكوك بشأن آليات بيع الدولار، وطبيعة العلاقة بين البنك المركزي والمصارف الأهلية، وحدود قدرة الدولة على ضبط حركة الأموال الخارجة من العراق.
وقالت نصيف، في حديث تلفزيوني، إن البنك المركزي “لم يعد بنكاً بالمعنى الحقيقي”، مشيرة إلى أن بعض المصارف أصبحت تمتلك تأثيراً مباشراً في مسار القرار النقدي، بدلاً من أن تكون خاضعة لسلطة المؤسسة التي يفترض أن تراقبها وتنظم عملها.
وتكشف هذه الاتهامات جانباً من أزمة أعمق تتعلق ببنية النظام المصرفي العراقي، إذ لم يعد الجدل مقتصراً على سعر الدولار في السوق الموازي، بل امتد إلى سؤال النفوذ داخل القطاع المالي: من يحصل على الدولار؟ وبأي آليات؟ ومن يراقب المستفيد النهائي من التحويلات؟
ويرى متابعون أن ملف الدولار تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع الاقتصادي حساسية، بسبب تداخل السياسة بالمال، ودخول المصارف الأهلية في قلب عمليات التحويل الخارجي، فضلاً عن الضغوط الأمريكية المتزايدة على النظام المالي العراقي بذريعة الامتثال ومنع غسل الأموال وتمويل الجهات المحظورة.
وفي المقابل، يؤكد البنك المركزي في بياناته المتكررة أن الإجراءات المعتمدة في بيع الدولار والتحويلات الخارجية تهدف إلى تنظيم التجارة، وضمان مرور العمليات المالية عبر القنوات الرسمية، وتقليل الاعتماد على السوق النقدي، إلا أن استمرار الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق يطرح أسئلة جدية حول فاعلية هذه الإجراءات.
الأزمة لا تتعلق بالمنصة الإلكترونية وحدها، بل بالثقة في النظام كله. فالمنصة، التي قُدمت بوصفها أداة لتنظيم التحويلات وكشف الفواتير غير الصحيحة، تحولت هي الأخرى إلى محور للجدل، وسط اتهامات بوجود تلاعب أو التفاف على الإجراءات، ووجود جهات قادرة على الاستفادة من فرق السعر بين الدولار الرسمي والموازي.
وتذهب نصيف في اتهاماتها إلى أن الخلل لا يكمن في الأدوات الفنية فقط، بل في طبيعة العلاقة بين البنك المركزي وبعض المصارف، وهي علاقة تقول إنها جعلت المؤسسة النقدية في موقع المتأثر لا المؤثر، وفي موقع المتلقي لضغوط السوق لا الضابط لها.
هذا الاتهام، إن ثبتت وقائعه، يفتح الباب أمام سؤال بالغ الخطورة: هل فقد البنك المركزي جزءاً من استقلاليته العملية أمام نفوذ المصارف، أم أن الأزمة تعود إلى طبيعة النظام المالي العراقي الذي ظل لسنوات يعتمد على مزاد العملة والتحويلات بوصفها قناة رئيسية لتمويل التجارة؟
ومع أن البنك المركزي يتمتع قانونياً باستقلالية في إدارة السياسة النقدية، إلا أن استقلالية النص القانوني لا تكفي وحدها إذا كانت أدوات التنفيذ محاطة بضغوط سياسية ومصرفية وتجارية. فالسوق لا يتأثر بالبيانات الرسمية فقط، بل بمستوى الثقة في قدرة المؤسسة النقدية على فرض قواعدها على الجميع.
وتزداد حساسية الملف لأن الدولار في العراق ليس شأناً مصرفياً محدوداً، بل عنصر مباشر في أسعار السلع، وكلفة الاستيراد، واستقرار الأسواق، وقدرة المواطن على مواجهة التضخم. وكل اضطراب في سعر الصرف يتحول سريعاً إلى ضغط معيشي، قبل أن يصبح قضية سياسية في البرلمان والإعلام.
كما أن خروج أو تقييد عدد من المصارف من التعامل بالدولار خلال الفترات الماضية عمّق الشكوك بشأن مستقبل القطاع المصرفي الأهلي، وفتح باباً واسعاً أمام التساؤل عن معايير العقوبات أو القيود، وعن قدرة المصارف العراقية على بناء علاقات طبيعية مع البنوك المراسلة في الخارج.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو البنك المركزي أمام اختبار مزدوج: الأول اقتصادي يتعلق بقدرته على ضبط سعر الصرف وإدارة الطلب على الدولار، والثاني سياسي ورقابي يتعلق بقدرته على إقناع الرأي العام بأن قرار العملة الصعبة لا يُدار من خلف الستار عبر مصالح مصرفية أو شبكات نفوذ.
وتشير المعطيات المتداولة في الأوساط الاقتصادية إلى أن استمرار الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق يعكس خللاً في جانبين أساسيين: الأول يتعلق بحجم الطلب الحقيقي والمصطنع على الدولار، والثاني يرتبط بمدى شفافية قنوات التحويل والجهات المستفيدة منها.
ومن هنا، فإن دعوات فتح تحقيق أو مراجعة شاملة لملف الدولار لا تبدو مجرد استجابة لتصريحات سياسية، بل حاجة اقتصادية ملحة. فالمطلوب ليس فقط معرفة حجم المبيعات اليومية أو أسماء المصارف المشاركة، بل تتبع مسار الأموال، والتحقق من الفواتير، وكشف المستفيدين النهائيين، ومراجعة علاقة المصارف بالجهات التجارية والسياسية.
وحتى الآن، لم يصدر رد تفصيلي من البنك المركزي على الاتهامات الأخيرة التي أطلقتها نصيف، الأمر الذي يترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من التأويلات. وفي ملفات شديدة الحساسية كهذه، قد يكون الصمت مكلفاً بقدر الاتهام نفسه، لأن غياب التوضيح يغذي الشكوك ويضعف الثقة.
ولا يمكن عزل أزمة الدولار عن السياق الأوسع لعلاقة العراق بالنظام المالي الدولي، ولا عن الضغوط الأمريكية المتعلقة بالتحويلات، ولا عن محاولات ضبط حركة الأموال عبر المصارف المراسلة. لكن هذه العوامل الخارجية لا تلغي مسؤولية الداخل، ولا تعفي المؤسسات العراقية من واجب الشفافية والمساءلة.
فإذا كان العراق يعتمد على إيراداته النفطية المودعة بالدولار، فإن إدارة هذه الأموال يجب أن تكون أكثر الملفات وضوحاً وانضباطاً، لا أكثرها غموضاً وإثارة للشكوك. وإذا كان البنك المركزي هو الحارس القانوني للسياسة النقدية، فإن عليه أن يثبت أنه ليس مجرد واجهة لإدارة أزمة لا يتحكم بكل مفاتيحها.
القضية اليوم لم تعد سؤالاً فنياً عن سعر الصرف، بل اختبار لهيبة الدولة داخل أهم ملف مالي في البلاد. فحين يصبح الدولار عنواناً للقلق اليومي، وحين تتحول المصارف إلى محور اتهام، وحين يُسأل علناً: من يدير ملف الدولار؟ فإن الإجابة لا يجب أن تأتي بالشعارات، بل بالأرقام والوثائق والمساءلة.
وبين اتهامات نصيف، وصمت البنك المركزي، وقلق السوق، يبقى ملف الدولار مفتوحاً على احتمالات سياسية واقتصادية واسعة. غير أن المؤكد أن أي إصلاح حقيقي لن يبدأ من تغيير الآليات فقط، بل من كشف مراكز النفوذ داخل النظام المالي، وإعادة بناء الثقة بأن قرار العملة الصعبة في العراق يُدار من الدولة، لا من المصارف والوسطاء.





