“إعلان عمان … خريطة طريق لمستقبل أفضل لمسيحيي البلدان العربية”

مكانة المسيحيين تتفاوت بين دولة عربية واخرى
ثورات الربيع العربي اجبرت المسيحيين على الرحيل إلى الغرب
الدولة الوطنية العربية فشلت في بناء دولة المواطنة
يجب محاربة تيارات التكفير والإلغاء والإقصاء

عمان / أسعد العزوني /- أصدر المؤتمرون الذين شاركوا في مؤتمرات ” المسيحيون وربيع العرب ” وآخرها مؤتر عمان الذي إختتم اعماله الأحد الماضي ونظمه مركز القدس للدراسات بالتعاون مع المؤسسة الألمانية كونراد أديناور والمؤسسة الدانمركية دان ميشن ، بيانا أسموه إعلان عمان … خريطة طريق لمستقبل أفضل لمسيحيي البلدان العربية ، جاء فيه أن المشاركين والمشاركات في هذه اللقاءات، لاحظوا تفاوتاً ملحوظاً في مكانة المسيحيين ومنظومة حقوقهم وحرياتهم بين دولة عربية وأخرى باختلاف نظمها السياسية وتباين السياقات التاريخية الخاصة بنشأتها وتطورها، وتوقفوا مطولاً أمام ما يتعرض له المسيحيون بشكل خاص، في كل من سوريا والعراق، حيث تصاعدت بشكل غير مسبوق في تاريخ المنطقة، عمليات القتل الجماعي والتهجير القسري واستهداف الكنائس ورجال الدين.

وتوقف المؤتمرون عند ظاهرة الهجرة والتهجير التي تفشت في أوساط مسيحيي هذه البلدان خلال السنوات العشر الأخيرة، وبشكل مركز وكثيف، منذ تصاعد حركة الاحتجاجات والثورات التي اجتاحت المنطقة في السنوات الأربع الأخيرة، في سياق ما بات يعرف باسم ثورات الربيع العربي، وعبروا عن عميق قلقهم من استمرار هذه الظاهرة، التي تنذر بفقدان المنطقة لواحد من أهم مكوناتها التاريخية، وحرمان شعوبها ومجتمعاتها، من تعدديتها المُثرية لتراثها وثقافتها وروحها، واعتبروا أن مسؤولية وقف هذه الظاهرة، والعمل لاستعادة المهاجرين والمهجرين من أبناء الطوائف المسيحية إلى أوطانهم الأصلية، هي مسؤولية كبرى تقع على عاتق حكومات هذه الدول في المقام الأول، فضلاً عن كونها مسؤولية المجتمعات العربية بكل مكوناتها السياسية والحزبية والمدنية والثقافية والأهلية، مشددين على وجوب “عدم التسليم بمقولة ” بأن ما حصل قد حصل، وإن طريق الهجرة ذو اتجاه واحد فقط.

وفي معرض تحليلهم للتحديات التي أحاطت بحاضر مسيحيي المنطقة، من عرب وسريان وكلدانيين وآشوريين، أجمعوا على أن فشل الدولة الوطنية العربية بناء “دولة المواطنة المتساوية” المدنية الديمقراطية التعددية، كان سبباً حاسماً في خلق مناخات من التمييز ضد شرائح أساسية من المواطنين.

وأقر المشاركون بأن شعوب هذه المنطقة، عانت ، جراء تفشي حالة الركود في المنطقة، لأكثر من ثلاثة عقود، في ظل أنظمة اتسمت غالبيتها بالفساد والاستبداد، مؤكدين أن “لا حل مسيحياً لمشكلات المسيحيين”، وأن الحل إنما يتمثل في انخراط شعوبنا ومجتمعاتنا، بقواها الحيّة، في النضال السلمي من أجل نشر قيم الديمقراطية والتعددية واحترام ثقافة حقوق الإنسان، وبناء الدولة الحديثة، المدنية – الديمقراطية.

و عبّروا عن رفضهم القاطع ، لتصوير المسيحيين على أنهم عنصر سلبي في حركة التغيير والإصلاح التي تجتاح المنطقة، وتطالب بها شعوبها من أجل اللحاق بقطار العصر والحداثة.

لاحظ المؤتمرون أن المجتمعات العربية، ً في العقود الثلاثة الأخيرة، باتت أقل تسامحاً حيال بعض مكوناتها، خصوصاً في ظل انتشار قراءات متطرفة وشاذة لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف.

وتوقف المشاركون أمام ظاهرة صعود حركات الإسلام السياسي في مختلف الدول والمجتمعات العربية، شددوا على ضرورة التمييز بينها ، وعدم وضعها جميعاً في سلة واحدة، فقد أجمعوا على وجوب محاربة وعزل التيارات التكفيرية والإلغائية منها، ودعوة الحركات الأكثر اعتدالاً إلى تبني خطاب واضح حيال المكون المسيحي في المنطقة.
وعبّر المؤتمرون عن رفضهم الشديد، لكل المحاولات البائسة، التي تقوم بها جهات متطرفة وإقصائية، للنظر إليهم كـ “أقليات” ثانوية، أو “جاليات” وافدة، أو “أهل ذمة”، فهم ملح هذه الأرض، وهم من أهل حضارتها وثقافتها وتراثها، و”مواطنتهم الفاعلة والمتساوية” في دولهم ومجتمعاتهم، غير قابلة للمقايضة أو المساومة أو القسمة أو الانتقاص.كما عبروا عن إدانتهم واستنكارهم لوصف العرب المسيحيين بانهم “امتداداً” أو “جيوباً” للدول الغربية.

ولاحظوا تبايناً في درجة اعتراف الدساتير العربية وكفالتها لحقوق المسيحيين وحرياتهم ،مؤكدين أن المجتمعات المسيحية في المنطقة، شأنها شأن مختلف المكونات المجتمعية، تتميز بتعددية مذهبية وفكرية وسياسية واجتماعية.

وأصغى باهتمام بالغ، لعشرات المداخلات التي شخصت بعض الظواهر السلبية التي تعتمل داخل المجتمعات المسيحية، ومنها بشكل خاص، ما وصفه مشاركون بـ “الفجوة” القائمة بين الكنيسة ورعيتها، خصوصاً الأجيال الشابة منها.
كما أصغى المشاركون ، وباهتمام بالغ أيضاَ، للأصوات المحذرة من تنامي اتجاهات متطرفة وانعزالية، داخل المجتمعات المسيحية.

و ثمّن المشاركون ، الجهود التي بذلتها أطراف عديدة في المجتمع الدولي لتقديم الغوث والعون الإنسانيين لمئات ألوف النازحين واللاجئين من مسيحيي دول المنطقة.وتوافقوا على خطة عمل و”خريطة طريق” للمرحلة المقبلة، تتوزع على المحاور التالية:
وقرر المؤتمرون توجيه رسالة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية لإدراج قضية المسيحيين العرب، وبالأخص في سوريا والعراق على جدول أعمال القمة العربية القادمة المقرر عقدها في القاهرة في مارس/ آذار المقبل
كما تقرر توجيه رسالة إلى الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي لحثه على إيلاء هذا الموضوع الاهتمام الذي يستحق، وقيامه بدوره بإدراج هذه القضية على جدول أعمال المنظمة ، كما قرروا توجيه رسائل وإجراء اتصالات مع ممثلي مختلف الأطراف الإقليمية والدولية ذات الصلة، لنقل مضامين رسالتهم المشتركة، التي يتضمنها هذا الإعلان، وإيلاء أهمية خاصة، للاتصال بالعواصم الغربية، لحثها على زيادة مساعداتها الإنسانية، والعمل لوقف الهجرة التي تستنزف المجتمعات المسيحية، وبذل كل جهد ممكن لتثبيت الوجود المسيحي في الدول العربية.
وقرر المؤتمرون ايضا مخاطبة كافة المنظمات الحقوقية، الإقليمية والدولية، بنص وروح ومضمون هذه الرؤية المشتركة.

كما توافقوا على ضرورة حث حكومات وبرلمانات الدول المعنية، للقيام بما تمليه عليها ولاياتها الدستورية، من مسؤوليات لحماية الوجود المسيحي، وتعزيز مواطنة المسيحيين وأجمعوا على التوصيات التالية:
حث حكومات دول المنطقة، على التزام استراتيجية شاملة، لمحاربة الغلو والتطرف والإرهاب بكل أشكاله ومظاهره ومصادره ودعوة حكومات دولنا وبرلماناتها للعمل على “دسترة” و”قوننة” مفهوم “المواطنة الفاعلة والمتساوية” لكل أبنائها وبناتها، وان يعاد النظر في المناهج الدراسية في مختلف مراحل العملية التعليمية والتربوية، لتنقيحها ، إضافة إلى دعوة حكومات دولنا على زيادة إشرافها على الوعظ والإرشاد، للحيلولة دون تسرب الأفكار المتطرفة والتكفيرية إلى هذا الجهاز ، وإطلاق ورشات حوار وطني لتعميم هذه المفاهيم، والحرص على إشراك الشباب والنساء فيها.

كما حث إعلان عمان الحكومات على تنقية الخطاب الإعلامي، الرسمي والأهلي، على محاربة ثقافة الكراهية والتحريض على العنف واحتقار المعتقدات الأخرى، وتحويل المنابر الإعلامية إلى منارات للتنوير والمعرفة معية.

وطالب الإعلان علماء الدين الإسلامي ومرجعية الأزهر وكافة المفكرين الإسلاميين والحركات الإسلامية العمل على ما يلي:التصدي بحزم، فكرياً وفقهياً، للفكر الظلامي التكفيري، الذي لم يعد يستعدي غير المسلمين على الإسلام فحسب، بل ويفرق المسلمين أنفسهم،وان يتم استحضار وتعميم الصفحات المشرقة في التاريخ العربي والإسلامي، وتعميم الوعي بها على أوسع نطاق ممكن، لمحاربة ثقافة الجهل والتجهيل ،وتظهير قيم العيش المشترك وحقوق المسيحيين وغير المسلمين في الخطاب الإسلامي.

وثمن المشاركون والمشاركات الأدوار التي يضطلع بها علماء الدين والمؤسسات الدينية وحركات الإسلام السياسي المعتدل في الدفاع عن صورة الإسلام ورسالته ودعوا إلى تبديد “المناطق الرمادية” في خطابها السياسي والفكري حيال المسيحيين بخاصة.
ودعا الإعلان مشيخة الأزهر، وغيرها من منابر الإسلام المعتدل، سنية كانت أم شيعية إلى إطلاق ورشات عمل فكرية وفقهية، وقيادة حوارات وطنية شاملة، للتصدي للعنف والتطرف والإرهاب.
وتوافق المؤتمرون على العمل من أجل:بذل كل جهد ممكن من أجل وقف عمليات التهجير القسري التي تواجهها المجتمعات المسيحية في بعض الدول العربية وبذل كل جهد ممكن من أجل وقف عمليات الهجرة والنزيف التي تتعرض لها المجتمعات المسيحية،وتشجيع الانخراط النشط في النضال السياسي والحقوقي، المدني والسلمي، من أجل “دسترة” حقوق المسيحيين و”قوننتها”، والقضاء على مختلف أشكال التمييز ضدهم.

قد يعجبك ايضا

اترك رد