هرمز تحت النار.. النفط يقفز فوق 90 دولاراً والعالم يستعد لصدمة الـ100 دولار

المستقلة/-  ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 2% خلال تعاملات الاثنين، في تطور يعكس عودة المخاوف من اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، بعدما نفذت القوات الأميركية ضربة على منصتي إطلاق صواريخ في جزيرة لارك الإيرانية الواقعة داخل مضيق هرمز، قبل أن ترد إيران باستهداف قاعدتين جويتين أميركيتين في الأردن.

وقفز خام برنت بأكثر من 2.5 دولار، أو ما يعادل 2.85%، ليصل إلى 90.61 دولاراً للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنحو 2.55% إلى 85.53 دولاراً للبرميل.

ولا تبدو القفزة السعرية مجرد رد فعل آني على الضربة العسكرية، إذ تأتي في وقت يواجه فيه سوق الطاقة العالمي واحداً من أكثر السيناريوهات حساسية: استمرار إغلاق أو اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم.

هرمز.. مفتاح أزمة النفط

قبل اندلاع الحرب في نهاية فبراير، كان مضيق هرمز يشهد مرور نحو خُمس النفط العالمي، ما يجعل أي تهديد طويل الأمد للملاحة فيه قادراً على إعادة رسم خريطة أسعار الطاقة عالمياً.

ولهذا، فإن وصول المفاوضات المتعلقة بإنهاء الصراع وإعادة فتح المضيق إلى طريق مسدود يمثل تطوراً بالغ الخطورة بالنسبة للأسواق.

فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بحجم الإنتاج النفطي، وإنما بقدرة المنتجين والمشترين على نقل النفط بأمان من الخليج إلى الأسواق العالمية.

وأي استمرار للتوتر في المضيق يعني ارتفاع كلفة التأمين والشحن، وتغيير مسارات الناقلات، وزيادة علاوة المخاطر على كل برميل يخرج من المنطقة.

ضربة لارك.. رسالة أميركية مباشرة

الهجوم الأميركي على جزيرة لارك يحمل أهمية تتجاوز الأهداف العسكرية التي استهدفتها الضربة.

فالجزيرة تقع في منطقة استراتيجية داخل مضيق هرمز، وبالتالي فإن استهداف مواقع إطلاق الصواريخ الإيرانية يبعث برسالة واضحة بأن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة لمنع تهديد الملاحة والقواعد والمنشآت المرتبطة بعملياتها العسكرية في المنطقة.

لكن الرد الإيراني على قاعدتين أميركيتين في الأردن يضيف طبقة جديدة من المخاطر، إذ يشير إلى أن المواجهة لم تعد محصورة في منطقة الخليج، وأن ساحات الاشتباك يمكن أن تمتد إلى دول وقواعد عسكرية أخرى في المنطقة.

وهنا تبدأ الأسواق في تسعير احتمال أخطر: حرب إقليمية واسعة بدلاً من مواجهة محدودة.

العقوبات الأميركية.. جبهة اقتصادية موازية

بالتزامن مع التصعيد العسكري، تتحرك واشنطن على جبهة اقتصادية لا تقل أهمية.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قال، وفقاً للمعطيات الواردة، إن الولايات المتحدة من المرجح أن تفرض عقوبات ثانوية جديدة على إيران بشكل أسبوعي، في محاولة لعزل طهران بصورة أكبر عن النظام المالي القائم على الدولار.

هذه السياسة تعني أن تداعيات الحرب لن تتوقف عند أسعار النفط.

فالعقوبات الثانوية قد تضغط على المصارف والشركات وشبكات التجارة التي تتعامل مع إيران، حتى عندما لا تكون أميركية، وهو ما يرفع مخاطر التعاملات المالية المرتبطة بالمنطقة ويزيد كلفة التجارة والتحويلات.

وبالنسبة لدول تعتمد على العلاقات التجارية والطاقة مع إيران، فإن أي توسع في العقوبات قد يتحول إلى مشكلة مالية ولوجستية تتجاوز الحدود الإيرانية.

واشنطن تبحث عن بدائل للنفط الخليجي

في الولايات المتحدة، قال الرئيس دونالد ترمب إن النفط الناتج عن الصفقة الأخيرة مع فنزويلا سيُستخدم لتجديد مخزون النفط الاستراتيجي الأميركي، الذي وصل إلى أدنى مستوى له منذ 44 عاماً.

وهذه الخطوة تكشف أحد أهم الحسابات الأميركية في الأزمة: تقليل حساسية السوق الأميركية تجاه أي اضطراب طويل في إمدادات الخليج.

لكن المخزونات الاستراتيجية الأميركية، مهما كان حجمها، لا تستطيع وحدها حل مشكلة الملاحة العالمية إذا استمر اضطراب مضيق هرمز.

فالولايات المتحدة قد تكون قادرة على تعويض جزء من احتياجاتها، لكن أوروبا وآسيا والأسواق العالمية ستظل بحاجة إلى تدفقات النفط القادمة من الخليج.

العراق.. في قلب المعادلة

بالنسبة للعراق، فإن ارتفاع النفط فوق 90 دولاراً يحمل وجهين متناقضين.

الأول إيجابي يتمثل في ارتفاع قيمة صادرات النفط، وهو ما قد يوفر متنفساً إضافياً للموازنة العراقية في حال استمرار الأسعار المرتفعة.

لكن الوجه الآخر أكثر خطورة.

فالعراق يقع جغرافياً وسياسياً في قلب منطقة التصعيد، كما أن اقتصاده وقطاع الطاقة فيه مرتبطان بشكل وثيق بحركة التجارة والطاقة في الخليج.

أي ارتفاع كبير ومستمر في تكاليف الشحن والتأمين، أو اضطراب في طرق التصدير، أو اتساع العقوبات على إيران، يمكن أن يرفع تكلفة الاستيراد ويضغط على القطاع المصرفي وسوق الصرف.

كما أن استمرار أزمة هرمز قد يفرض على بغداد التعامل مع معادلة صعبة: الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط، في وقت ترتفع فيه في المقابل تكلفة الاقتصاد كله.

هل يقترب النفط من 100 دولار؟

السؤال الذي بدأ يعود بقوة إلى غرف التداول ليس ما إذا كان النفط سيبقى فوق 90 دولاراً، بل إلى أي مستوى يمكن أن يصل إذا استمر إغلاق مضيق هرمز واتسعت الحرب؟

السوق حالياً لا يسعر فقط خسارة براميل النفط، بل يسعر أيضاً احتمال حدوث اضطرابات متكررة في الإمدادات، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتراجع ثقة المستثمرين.

ولهذا، فإن استمرار الضربات المتبادلة أو فشل المفاوضات قد يدفع علاوة المخاطر إلى مستويات أعلى بكثير.

أما إذا نجحت الوساطات في التوصل إلى اتفاق يعيد فتح المضيق ويضمن سلامة الملاحة، فمن المرجح أن تتراجع علاوة المخاطر سريعاً، حتى لو بقيت أسعار النفط عند مستويات مرتفعة نسبياً.

المعركة الحقيقية ليست على النفط فقط

ما يجري الآن في الشرق الأوسط يتجاوز معركة عسكرية تقليدية.

إنه صراع على الممرات البحرية، والطاقة، والنظام المالي، وقدرة الدول على الوصول إلى الدولار والأسواق العالمية.

ولهذا، فإن كل صاروخ يُطلق قرب هرمز، وكل ناقلة تغيّر مسارها، وكل حزمة عقوبات جديدة، يمكن أن تتحول إلى رقم جديد على شاشة أسعار النفط.

وإذا بقي مضيق هرمز مغلقاً أو مهدداً، فإن العالم لن يواجه أزمة نفط تقليدية فحسب، بل قد يدخل مرحلة جديدة من أمن الطاقة عالي المخاطر.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى