
صولة الفجر أم صراع الهوامش!
محمد جواد الميالي
لفهم أي حدث سياسي أو أمني، ينبغي أن نفكك مكوناته وفق قاعدة بسيطة، طالما أثبتت نجاحها في قراءة الأحداث الكبرى.. تبحث عن من هو الفاعل؟ ومن هو المستفيد؟ ومن هو المتضرر؟
عند قراءة قضية حملة “صولة الفجر” وكأنها لمكافحة الفساد، فإن السؤال الأول، ليس هل يوجد فاسدون، فهذا واقع لا يختلف عليه اثنان، إنما السؤال الحقيقي، هل تستهدف الحملة حيتان الفساد، أم أنها تركز على السردين؟ وهل تؤسس لمرحلة جديدة من بناء الدولة، أم أنها تعيد لذاكرتنا حملة السيد السوداني ضد نور زهير؟!
تحول الفساد في العراق منذ ٢٠٠٣، من سلوك فردي إلى منظومة اجتماعية متكاملة، لها أدواتها السياسية والاقتصادية والإدارية، حتى أصبح من الصعب الفصل بين النفوذ السياسي والكانتونات الاقتصادية، لذلك فإن اعتقال عدد من المسؤولين، مهما كانت مناصبهم، لا يعني بالضرورة أن الدولة نجحت في تفكيك منظومة الفساد، لأنها أكبر من الأشخاص، وأكثر تعقيدا من أن تختزل في أسماء أو مناصب.
الأخطر من ذلك أن المجتمع نفسه أصبح، في بعض جوانبه جزءا من هذه المنظومة، فالفساد لا يبدأ من الوزير أو المدير العام، بل قد يبدأ من المواطن الذي يبحث عن واسطة، أو يدفع رشوة لتسريع معاملة، أو يقبل بتجاوز القانون إذا كان ذلك يحقق له منفعة شخصية، ومع تكرار هذه السلوكيات تتحولت لثقافة عامة، ثم اصبحت عرفا اجتماعيا، قبل أن تتحول لنظام غير مكتوب، يحكم العلاقة بين المواطن والدولة.
مكافحة الفساد ليست مجرد مواجهة مع مسؤولين متهمين، بل هي صدام مع ثقافة تراكمت عبر سنوات، رسخت فكرة أن القانون يمكن تجاوزه، وأن النفوذ أقوى من العدالة، وأن المال قادر على شراء الصمت والقانون، لكن من رسخ هذه الثقافة في ذاكرة الشعب؟
من زاوية أخرى، فإن أي حملة واسعة ستخضع بطبيعة الحال لقراءات متعددة، وسيحاول كل طرف تفسيرها وفق موقعه السياسي، لكن المعيار الحقيقي للحكم على نجاحها لا يقاس بالانطباعات، وإنما بمدى شمولها لجميع مراكز النفوذ، واستقلال القضاء، وشفافية التحقيقات، وعدم وجود حصانات غير معلنة لأي جهة سياسية أو إدارية، فإذا شعر المواطن أن القانون يطبق على الجميع، من أصغر موظف إلى أعلى مسؤول، فإن الثقة بالدولة ستكبر، أما إذا غابت العدالة، فكل حملة ستكون عرضة للتشكيك، وستُفسر بأنها صراع سياسي وليست مشروع وطني للإصلاح.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود فاسدين، فكل الدول تواجه هذه الظاهرة، وإنما في غياب الردع الحقيقي، فالفاسد لا يخشى ارتكاب الجريمة إذا كان يعتقد أن العقوبة مؤجلة، أو أن النفوذ سيحميه، أو أن التسويات السياسية ستنقذه، لذا فإن بناء دولة قوية يبدأ من جعل تكلفة الفساد أعلى بكثير من مكاسبه.
الدولة التي تريد القضاء على الفساد، تحتاج إلى إصلاح الإدارة، وإغلاق منافذ الهدر، ورقمنة الخدمات، وتقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، وتعزيز الرقابة، وترسيخ التربية على احترام القانون منذ المدرسة وحتى الجامعة، فالوقاية أقل كلفة من العلاج، وبناء ثقافة النزاهة أكثر استدامة من ملاحقة الفاسدين بعد وقوع الجريمة.
العراق لا يحتاج إلى حملات موسمية ضد الفساد، وإنما لمشروع وطني دائم، يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، فالأولى لا تستطيع أن تنتصر وحدها، إذا كان المجتمع يتسامح مع الفساد، كما أن المجتمع لا يستطيع أن يواجه الفساد، إذا كانت مؤسسات الدولة عاجزة عن فرض القانون..
إن معركة العراق الحقيقية ليست مع أفراد، بل مع منظومة أنتجت نفسها عبر سنوات طويلة، استطاعت أن تتغلغل في السياسة والإدارة والاقتصاد، وحتى في بعض أنماط السلوك الاجتماعي، لذلك فإن إسقاط هذه المنظومة لا يتحقق باعتقال هذا المسؤول أو ذاك، وإنما ببناء دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، ويكون المنصب مسؤولية لا امتياز.
عندها فقط يمكن القول إن معركة مكافحة الفساد قد بدأت فعلا، لا لأنها أطاحت بأشخاص، بل لأنها غيرت القواعد التي سمحت للفساد أن يتحول من حالات فردية، إلى منظومة تهدد مستقبل الدولة والمجتمع.





