
بعد توضيح مجلس القضاء.. العراق بحاجة إلى قانون خاص لاسترداد أموال الفساد
المستقلة/- أعاد توضيح مجلس القضاء الأعلى بشأن ملفات الفساد، ولا سيما قضايا الأمانات الضريبية ومصافي الشمال، فتح النقاش حول الحاجة إلى تشريع خاص ينظم استرداد أموال الفساد وفق مسار قضائي واضح، بدلاً من بقاء هذا الملف موزعاً بين قانون العفو، وقوانين الاسترداد المتفرقة، واجتهادات المحاكم والجهات المتضررة.
ولا تكمن أهمية التوضيح في تفاصيل القضايا التي عرضها فحسب، بل في أنه كشف عملياً عن مشكلة أوسع: المنظومة القانونية العراقية تتعامل مع ملفات فساد ضخمة، بأموال كبيرة وعدد دعاوى متصاعد، من دون قانون شامل يرسم طريقاً واضحاً للتسوية المشروطة، والاسترداد الكامل، وتشديد العقوبة على من يتهرب أو يخفي الأموال.
وقال مصدر مطلع لـ”المستقلة” إن هناك جهوداً حثيثة لإقناع الحكومة ومجلس النواب والسلطة القضائية من اجل تبني مقترح مشروع قانون خاص لاسترداد أموال الفساد، مشيراً إلى أن حجم الأموال محل الملاحقة، وكثرة الدعاوى المرتبطة بالفساد، وتداخل الجهات المتضررة، كلها عوامل تجعل استمرار المعالجات المجزأة غير كافٍ.
وأضاف المصدر أن عدد الدعاوى المرتبطة بملفات الفساد يقدر بعشرات الآلاف، وأن كثيراً منها يتصل بأموال عامة أو عقود أو منافع أو واجهات وشركات، ما يجعل الحاجة ملحة إلى قانون ينظم مساراً موحداً لاسترداد الأموال، بدلاً من الاكتفاء بتطبيقات متفرقة لقانون العفو أو قوانين التضمين أو تحصيل الديون الحكومية.
وكان قانون التعديل الثاني لقانون العفو العام رقم 27 لسنة 2016، المنشور في العدد 4814 من جريدة الوقائع العراقية، قد فتح باباً محدوداً لشمول بعض الجرائم بالعفو، ضمن شروط تتصل بتسديد كامل المبالغ المترتبة بذمة المشمول، وبما يضمن استرداد الأموال العامة. غير أن هذا الباب يبقى مرتبطاً بجرائم سابقة لنفاذ القانون وبشروط محددة، ولا يشكل نظاماً عاماً لمعالجة كل ملفات الفساد.
وتشير هذه المحدودية إلى أن قانون العفو، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن قانون خاص لاسترداد أموال الفساد. فالعفو يعالج حالات محددة في زمن محدد، بينما تحتاج الدولة إلى منظومة مستمرة تتعامل مع المال المختلس أو المهرب أو المسجل بأسماء واجهات، وتحدد بدقة أثر التعاون أو التسديد الكامل على المسار القضائي.
كما أن قانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع وتعديلاته يوفر بعض الآليات المتعلقة بالكشف عن الكسب غير المشروع ومتابعة المتهمين واسترداد أموال الفساد المهربة إلى الخارج، لكنه لا يقدم، وحده، نظاماً متكاملاً للتسوية القضائية المشروطة، ولا يحدد بصورة شاملة مراحل الكشف المالي، وتصنيف المتهمين، وضمانات عدم التهرب، وآثار الاسترداد الكامل أو الجزئي.
وتؤكد مواد منشورة على موقع مجلس القضاء الأعلى نفسه أن القوانين العقابية في العراق لم تنص على آليات واضحة ومتكاملة لاسترداد الأموال، رغم وجود بعض النصوص الخاصة بالحجز والمصادرة، ووجود قسم متخصص في هيئة النزاهة لاسترداد الأموال داخل العراق وخارجه. وهذا يعزز الحاجة إلى تشريع مستقل لا يترك الملف للاجتهادات أو المسارات المتفرقة.
ولا يعني الحديث عن قانون خاص لاسترداد أموال الفساد فتح باب عفو جديد أو منح الفاسدين طريقاً سهلاً للخروج من المساءلة. على العكس، يفترض أن يقوم القانون المقترح على قاعدة أكثر صرامة: لا تسوية بلا كشف كامل، ولا تخفيف بلا استرداد كامل، ولا حماية لمن يخفي الأموال أو يهربها أو يسجلها بأسماء أقارب وشركات وواجهات.
ويفترض أيضاً أن يحدد القانون الجرائم المشمولة والمستثناة، والجهة القضائية المختصة، وآلية حصر الأموال داخل العراق وخارجه، ومنع السفر عند الحاجة، وحجز الأموال، وملاحقة الواجهات، وفرض غرامات إضافية، وحرمان من تثبت استفادته من التسوية من العودة إلى مواقع إدارة المال العام أو التعاقد مع الدولة لمدة يحددها القانون.
ويرى قانونيون أن توحيد المسار التشريعي قد يحمي القضاء والحكومة معاً من الإحراج. فبدلاً من أن تظهر كل قضية كأنها تعالج بتفاهم خاص أو تطبيق جزئي لقانون العفو، يصبح أمام المحاكم والجهات التنفيذية قانون واضح يحدد متى تقبل التسوية، ومتى ترفض، وما أثر السداد، وما العقوبة اللاحقة على من يتهرب.
وتزداد أهمية هذا الطرح في ظل الحديث الرسمي والإعلامي عن فتح ملفات فساد كبرى خلال الفترة الأخيرة، وما رافقها من جدل حول التسويات، والإفراج، وشروط استرداد الأموال. كما نقلت وسائل إعلام عن هيئة النزاهة حديثاً عن قرب عرض مشروع قانون خاص باسترداد الأموال على البرلمان، في سياق تعزيز ملاحقة الأموال المنهوبة واستعادتها.
إن المشكلة لم تعد في غياب الإرادة وحدها، بل في غياب الإطار التشريعي المتكامل. فالدولة التي تواجه فساداً واسعاً لا تستطيع الاعتماد فقط على العفو، أو التضمين، أو تحصيل الديون، أو الأحكام الجزائية التقليدية. المطلوب قانون خاص يجمع بين الردع والاسترداد، ويحول التسوية من إجراء مجزأ إلى مسار قضائي مضبوط.
وبذلك، يمكن قراءة توضيح مجلس القضاء الأعلى لا بوصفه مادة للجدل فقط، بل باعتباره مناسبة لإعادة بناء السياسة القانونية في ملف الفساد. فالمعادلة التي يحتاجها العراق اليوم ليست “الدفع مقابل النجاة”، بل “الكشف الكامل والاسترداد الكامل مقابل أثر قانوني محدود ومنضبط”، مع عقوبات أشد على من يرفض أو يهرب أو يضلل العدالة.
الخلاصة أن العراق بات بحاجة إلى قانون خاص لاسترداد أموال الفساد، لا ليحل محل المحاسبة، بل ليجعلها أكثر فاعلية. قانون يفتح نافذة أخيرة لمن يعيد المال ويكشف الشبكات، ويغلق في المقابل أبواب المراوغة أمام من يريد الاحتفاظ بما نهب، أو تحويل التسوية إلى وسيلة لإعادة تدوير الفاسدين داخل الدولة.




