سياسات فرنسة المتناقضة

 د   حسن الزيدي

مؤرخ ودبلوماسي سابق

لقد اخطأت الحكومة الاشتراكية الفرنسية عندما استغلت ثقلها الثقافي والاقتصادي والعسكري في افريقيا الغربية خاصة و قامت  بعملية غزو واحتلال  لجمهورية مالي  لانه كان غزوا واحتلالا لاهداف وستراتيجيات ومصالح فرنسية قبل قلقها على و حدة مالي.

كان يمكن لفرنسا دون ان تتدخل عسكريا بل من خلال نفوذها المركز في مالي ان تطلب  من  الحكومة الدكتاتورية التي يقودها الجنرال الانقلابي ديونكوندا تراوري  ان يستمع  لمطالب المقاطعات الثمانية في بلاده الواسعة الاطراف  في حكم ذاتي لا مركزي اداري  وحكم ذاتي ثقافي يضمن لكل مكونات الشعب المالي المكون منذ فترات تاريخية قديمة من قبائل متعددة منها قبائل  بامبرة  ودوجون ومالنكي وسونجاي ودوالا  وطوارق ومرابطين وعرب ممن يطلق عليهم المور وغيرهم  من اجل تنمية ثقافاتهم  المتنوعة في ظل دولة لا زالت تعتمد الفرنسية كلغة رسمية  على الرغم من وجود لغات تاريخية  لهذه الشعوب التي يمكنها ان تعتمد العربية باعتبارها لغة القران الذي يدين به اكثر من 85 % من الشعب المالي ..

كما ان الرئيس المالي الحالي  ديونكوندا تراوري الذي لقى دعما جديدا من القوى الغازية فانه يحاول ان يكون كرزاي افغانستان او نوري المالكي العراق وغيرهما من الذين  يحاول ان  يستفيد كل منهما من الدعم الخارجي وينظم انتخابات برلمانية ورئاسية  مفصلة على ذوقه المر وشكله القبيح  حيث صرح بان (حكومته تهدف لتنظيم انتخابات ذات مصداقية بحلول 31  تموزالقادم ) اي خلال ستة اشهر .. فكيف سينضمها في خلال هذه الفترة القصيرة  فيما تنكر لها عندما كانت تطالبه القوى التي تمردت عليه واوصل واياها  بلادهم  للاقتال القبلي والتدخل الفرنسي  ؟

ان فرنسا التي تتباها بانها تناصر الحرية والديمقراطية وحق تقرير المصير لم تتصرف ولا مرة وفي كل تاريخ الثورة الفرنسية بانصاف وبحكمة وبروح من المسؤولية الاخلاقية والدولية بتطبيق شعاراتها.. فقد سبق لها وان استقطعت اكثر من مائة الف كم من اراضي ايطالية الامر الذي جعل المفكر الايطالي مكيافلي ان يعتبرها الخصم  الجغرافي والتاريخي لبلاده  وكذلك الاسبان الذين فقدوا جزءا من اراضيهم لصالحها وكذلك الالمان الذين ساهموا بالحربين العالميتين من اجل مقاطعتي  الالزاس واللورين ومياه نهر الراين المجاورة لفرنسة  .

كما انها غزت شعوبا عديدة في اسيا التي تسميها الهند الصينية والتي تحررت بعد دماء كثيرة  وفي شمال افريقيا وفي غربها حيث لا زالت تفرض لغتها ونفوذها الاقتصادي دون ان تساعد هذه الشعوب على بناء دول متوازنة .. كما انها هي التي فرضت في 26مايس عام 1926 الدستور الطائفي في لبنان والذي لا يزال تتمسك به  طائفة الموارنة وهم عرب مسيحيون 100 % لكنهم  قبل هذا وذلك  ينتسبون للمذهب الكاثوليكي ولا يقبلون ان يشاركوا حتى اخوتهم العرب والمسيحيين الاخرين في رئاسة الدولة ناهيك عن رفضهم التام لان تصبح الجمهورية اللبنانية جمهورية علمانية على النمط الفرنسي مثلا ..

كما ان فرنسا ساندت لبعض الوقت في عهد صدام  اكراد العراق ثم تنكرت لهم مثلما تنكرت لاخوتهم اكراد تركيا وتتجاهل تماما السياسات العنصرية التي تمارسها روسيا ضد مسلميها..  بل انها لم تنصف حتى شعبها المنحدر من اصول عربية واسلامية في حين تفتح كل المجالات والفرص امام مهاجرين اخرين بعضهم جاء من بعيد جدا ولكنه ليس عربيا ولا مسلما وتبوء مراكزا رئيسية في الدولة والحكومات الفرنسية ..

فكيف اذا ستساعد اهل جمهورية مالي لايجاد  حلا عادلا لشعوبها التي اضناها الجوع والجهل واتهمت بانها من جماعات (القاعدة التي هي صناعة ايرو امريكية واسرائيلية )لان التطرف والرجعية والشوفينية والتمييز العنصري موجود عند كل الشعوب ومنها في فرنسا حيث لا تمثله حركة لوبين وابنته وحدهما بل هناك من هو اسوء منهما  ومغلف بشعارات يسارية وديمقراطية

كما ان اسرائيل تمارس منذ عام 1948 وحتى الان  سياسة عنصرية شوفينية  منظمة  التقتيل وتهجير  شعب فلسطين العربي المسيحي والمسلم وحتى اليهودي من اجل صهينة كل فلسطين في ظل صمت تام وعمى كامل لكل الحكومات الفرنسية المتعاقبة منذ عام 1948 وحتى الان  ..

ولذلك لا تنطلي على العارفين سياسات فرنسة ذات المكايييل المتعددة ..

أخبار قد تهمك

‫2 تعليقات

  1. نعم ان ماتقوله نصف التناقض كان بالاحرئ ان تعكسها من جانب اخر وهو كيف من تقاتل فرنسا بمالي ارهابيين ومن تساند فرنسا وامريكا وعربان الغرب بدعمهم شذاذ الافاق ومن لفظته بلاد الله الواسعه من متحجرين العقل وممسوخين الدين وينعتوهم با(المجاهدين )
    مالكم كيف تحكمون ولكن اقول لمن ساند الارهاب بكل مكان ابحث براسك هل من عقل فيه

  2. مشكلة صاحب المقال، أنه نظريا في حالة مالي و “المستعمر” الفرنسي بان على منطق لن يخالفه فيه احد..لكن المشكل في صاحب المقال بحد ذاته: اذا رأيت في فرنسا كل هته العيوب، فلماذا سكت ايام اسقاط “الدكتاتور” القذافي عن طريق ساركوزيه فرنسا و حلفائها؟ فهل كانت فرنسا في تلك الحالة حقا تريد الخير لليبيا مثلا و كان مزاجها فجأة طفرة ثم عادت الى عادتها؟ مشكلتكم في الكيل بمكيالين انتم “المحللين العرب”..

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى