
العراق أمام اختبار اقتصادي خطير وحكومة علي الزيدي تواجه شبح الانهيار المالي
المستقلة/- يدخل رئيس الوزراء علي الزيدي مرحلة الحكم في توقيت اقتصادي ومالي حساس، وسط تحديات داخلية متراكمة، وضغوط خارجية مرتبطة بسوق الدولار، وتوترات إقليمية تلقي بظلالها على أسواق الطاقة وحركة التجارة، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العراقي معتمدًا بدرجة كبيرة على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات العامة.
وتضع هذه المعطيات الحكومة الجديدة أمام اختبار مبكر، لا يرتبط فقط بإدارة التوازنات السياسية، بل بقدرتها على التعامل مع ملفات اقتصادية معقدة تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، وفي مقدمتها الرواتب، سعر صرف الدولار، القطاع المصرفي، البطالة، والاستثمار.
ويرى مراقبون أن التحدي الأكبر أمام حكومة الزيدي يتمثل في هشاشة البنية الاقتصادية العراقية، إذ لم تنجح الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 في بناء اقتصاد متنوع قادر على امتصاص الصدمات، وظل النفط العامل الحاسم في تمويل الموازنة العامة، ودفع الرواتب، وتغطية الإنفاق التشغيلي.
اقتصاد مرهون بأسعار النفط
يعتمد العراق بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية، ما يجعل الموازنة العامة شديدة الحساسية تجاه أي تراجع في أسعار الخام أو اضطراب في حركة التصدير. ورغم أن ارتفاع أسعار النفط في بعض الفترات يمنح الحكومة مساحة مالية مؤقتة، فإن هذا الارتفاع لا يمثل ضمانة دائمة، خصوصًا في ظل تقلبات السوق العالمية والتوترات المستمرة في المنطقة.
وتكمن خطورة هذا الاعتماد في أن أي انخفاض حاد في أسعار النفط قد ينعكس سريعًا على قدرة الدولة في تمويل التزاماتها، خصوصًا الرواتب والتقاعد والدعم الحكومي، وهي ملفات ترتبط مباشرة بالاستقرار الاجتماعي والسياسي.
كما أن استمرار التوترات الإقليمية، واحتمال تأثر طرق الشحن والطاقة، يضيفان عنصر قلق جديدًا إلى المشهد الاقتصادي العراقي، لا سيما أن العراق يعتمد على عائدات النفط بوصفها المصدر المالي الأهم للدولة.
الدولار.. الملف الأكثر حساسية
يبرز ملف الدولار والتحويلات المالية بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيدًا أمام الحكومة الجديدة، بعد سنوات من تشديد الرقابة الأميركية على حركة الأموال والتحويلات الخارجية، وفرض قيود على عدد من المصارف العراقية بسبب شبهات تتعلق بغسل الأموال وتهريب العملة والتعامل مع جهات خاضعة للعقوبات.
وقد أدت هذه الإجراءات إلى ضغوط واضحة على السوق المحلية، من بينها ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي خلال فترات مختلفة، وتزايد القلق لدى التجار والمستوردين، فضلًا عن تراجع الثقة بجزء من النظام المصرفي.
وتزداد حساسية الملف بسبب اعتماد السوق العراقية على الدولار في الاستيراد والتجارة الخارجية، ما يجعل أي اضطراب في تدفق العملة الأجنبية عاملًا مؤثرًا في الأسعار، والقدرة الشرائية، واستقرار الأسواق.
القطاع المصرفي وأزمة الثقة
يواجه القطاع المصرفي العراقي أزمة ثقة متراكمة، رغم الحديث المستمر عن الإصلاح والتحول الرقمي وتوسيع خدمات الدفع الإلكتروني. فجزء واسع من المواطنين ما زال يفضل الاحتفاظ بأمواله خارج المصارف، نتيجة ضعف الثقة، وتعقيد الإجراءات، ومحدودية الخدمات الحديثة، والخشية من الأزمات المالية.
وتشير طبيعة عمل كثير من المصارف الخاصة إلى أنها لم تتحول بعد إلى مؤسسات تمويل حقيقية للاقتصاد، إذ ظل نشاطها مرتبطًا بدرجة كبيرة بالحوالات وتجارة العملة، بدل تمويل الصناعة والزراعة والمشاريع الإنتاجية.
وفي ظل الضغوط الأميركية والرقابة الدولية على حركة الأموال، تبدو حكومة الزيدي أمام مهمة صعبة تتمثل في إصلاح القطاع المصرفي، ورفع مستوى الامتثال، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمصرف، وبين المصارف العراقية والنظام المالي العالمي.
الرواتب والإنفاق التشغيلي
تمثل الرواتب أحد أكثر الملفات حساسية في العراق، إذ أصبحت الدولة أكبر جهة توظيف، فيما يعتمد ملايين المواطنين على رواتب القطاع العام أو التقاعد أو الرعاية الاجتماعية.
هذا الواقع جعل الموازنة العامة مثقلة بالإنفاق التشغيلي، في مقابل محدودية الإنفاق الاستثماري القادر على خلق مشاريع وفرص عمل جديدة. ومع استمرار هذا النمط، تصبح أي أزمة مالية أو انخفاض في الإيرادات النفطية عامل ضغط مباشر على قدرة الحكومة في الوفاء بالتزاماتها.
ويرى اقتصاديون أن استمرار التوسع في التوظيف الحكومي دون تنمية قطاعات إنتاجية موازية قد يفاقم أزمة الدولة الريعية، ويجعل الحكومة أمام خيارات صعبة في حال تراجعت الإيرادات أو ارتفع العجز المالي.
البطالة والضغط الاجتماعي
إلى جانب الرواتب والدولار، تبرز البطالة بوصفها تحديًا اجتماعيًا خطيرًا أمام الحكومة الجديدة. فالعراق يمتلك مجتمعًا شابًا، ويدخل إلى سوق العمل سنويًا عشرات الآلاف من الخريجين والباحثين عن فرص، في حين لا يزال القطاع الخاص عاجزًا عن استيعاب هذه الأعداد بصورة كافية.
ومع تضخم الجهاز الحكومي وتراجع قدرة الدولة على الاستمرار بسياسة التوظيف المفتوح، تصبح الحاجة ملحة إلى خلق بيئة اقتصادية قادرة على تحريك الاستثمار، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتنشيط قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات.
وأي فشل في إدارة هذا الملف قد ينعكس على الشارع، خصوصًا إذا تزامن مع ارتفاع الأسعار أو تراجع القدرة الشرائية أو ضعف الخدمات العامة.
الفساد عقبة أمام الإصلاح
لا يمكن لأي برنامج اقتصادي في العراق أن ينجح من دون مواجهة ملف الفساد، الذي تحول من حالات فردية إلى منظومة معقدة تمتد داخل العقود والمنافذ الحدودية والمشاريع وبعض مفاصل الإدارة العامة.
ويقول مراقبون إن العراق لا يعاني من نقص الموارد بقدر ما يعاني من سوء إدارة الأموال العامة، وضعف الرقابة، والهدر، وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية.
ويتطلب الإصلاح الحقيقي ضبط المنافذ الحدودية، وتطوير النظام الضريبي والجمركي، وملاحقة شبكات تهريب العملة، والحد من الاقتصاد الموازي، وتعزيز الشفافية في العقود الحكومية. غير أن هذه الملفات تصطدم غالبًا بنفوذ سياسي وحزبي يجعل عملية الإصلاح معقدة وبطيئة.
ما الخيارات أمام حكومة الزيدي؟
أمام حكومة الزيدي مجموعة مسارات لا تبدو سهلة، لكنها ضرورية لمنع تفاقم الأزمة الاقتصادية. أول هذه المسارات يتمثل في إصلاح القطاع المصرفي عبر تعزيز الامتثال المالي، وإعادة هيكلة المصارف المتعثرة، وتطوير الخدمات الرقمية، وربط النظام المصرفي العراقي بصورة أكثر استقرارًا بالنظام المالي العالمي.
أما المسار الثاني فيتعلق بتنويع الاقتصاد، من خلال دعم الصناعة والزراعة والنقل والطاقة والاستثمار والسياحة، بما يقلل الاعتماد المفرط على النفط ويوفر فرص عمل خارج القطاع العام.
ويتمثل المسار الثالث في استعادة ثقة المستثمرين عبر توفير بيئة قانونية أكثر وضوحًا، وحماية رؤوس الأموال، وتقليل البيروقراطية، وتحسين دور القضاء والرقابة.
كما تبدو الحكومة بحاجة إلى إدارة دقيقة للعلاقة المالية مع واشنطن، خصوصًا في ملف الدولار والعقوبات والتحويلات، بطريقة تمنع اضطراب السوق المحلية وتحافظ في الوقت نفسه على التزام العراق بالمعايير الدولية.
قد لا تمتلك حكومة الزيدي رفاهية الوقت، فالأزمات الاقتصادية تتحرك بسرعة، والشارع ينتظر نتائج ملموسة تتعلق بالوظائف والرواتب والخدمات والأسعار والاستقرار المالي.
ولهذا، فإن نجاح الحكومة الجديدة لن يُقاس فقط بقدرتها على تمرير التفاهمات السياسية أو توزيع الحقائب الوزارية، بل بقدرتها على منع العراق من الانزلاق نحو أزمة اقتصادية أعمق، وإطلاق إصلاحات حقيقية تعيد الثقة بالدولة والنظام المالي والاقتصاد الوطني.





