
تطور صامت داخل البنكرياس.. دراسة تكشف ما يسبق السكري من النوع الثاني
المستقلة/-كشفت دراسة علمية حديثة عن تطور صامت يحدث داخل خلايا البنكرياس المنتجة للأنسولين، قد يساعد في تفسير كيفية ظهور داء السكري من النوع الثاني مع التقدم في العمر، ولماذا يفشل الجسم لدى بعض الأشخاص في الحفاظ على مستويات السكر ضمن الحدود الطبيعية.
وتأتي الدراسة في وقت تواصل فيه معدلات الإصابة بداء السكري الارتفاع عالميًا، إذ يعيش أكثر من نصف مليار شخص مع المرض، وتشكل حالات النوع الثاني النسبة الأكبر من الإصابات، في ظل عوامل متداخلة تشمل شيخوخة السكان، قلة النشاط البدني، زيادة الوزن، وتغير أنماط الغذاء.
الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Metabolism، قادتها الدكتورة دانا أفراهامي-تسفاتي من الجامعة العبرية، بالتعاون مع الدكتورة إليزابيتا ماندوتشي والبروفيسور كلاوس كايستنر من جامعة بنسلفانيا، وركزت على كيفية تكيّف خلايا “بيتا” في البنكرياس عبر مراحل العمر، وكيف يختلف هذا التكيف لدى المصابين بالسكري من النوع الثاني.
وتؤدي خلايا بيتا دورًا حاسمًا في تنظيم السكر في الدم، لأنها المسؤولة عن إنتاج الأنسولين وإفرازه عند ارتفاع مستويات الغلوكوز. ومع التقدم في العمر، يصبح الجسم أكثر مقاومة للأنسولين، ما يفرض على هذه الخلايا العمل بجهد أكبر للحفاظ على توازن السكر.
واعتمد الباحثون على تحليل ما يعرف بـ”الميثيلوم”، وهي خريطة كيميائية للتغيرات التي تطرأ على الحمض النووي دون أن تغير تسلسله الجيني نفسه، لكنها تؤثر في تشغيل بعض الجينات أو إيقافها. وتندرج هذه التغيرات ضمن علم “فوق الجينات”، الذي يدرس كيف تتبدل طريقة عمل الجينات بفعل العمر والبيئة والمرض.
وأظهرت النتائج أن خلايا بيتا لدى الأشخاص الأصحاء لا تبقى ثابتة مع التقدم في العمر، بل تعيد ضبط برامجها الجينية تدريجيًا كي تتمكن من تلبية الطلب المتزايد على الأنسولين. غير أن هذا التكيف يبدو مختلفًا لدى المصابين بداء السكري من النوع الثاني، إذ قد تتسارع أو تختل هذه التغيرات، ما يضعف قدرة الخلايا على الاستجابة بكفاءة لحاجة الجسم.
وبحسب الباحثين، فإن فهم هذه التغيرات الصامتة قد يفتح الباب أمام تطوير طرق جديدة لتأخير ظهور السكري من النوع الثاني أو الوقاية منه، من خلال استهداف الآليات التي تساعد خلايا بيتا على الحفاظ على وظيفتها مع التقدم في العمر.
ولا تعني نتائج الدراسة أن السكري يحدث فجأة، بل تعزز الفكرة القائلة إن المرض يتكون تدريجيًا عبر سنوات، نتيجة تفاعل طويل بين مقاومة الأنسولين، تغيرات خلايا البنكرياس، والعوامل المرتبطة بنمط الحياة والوراثة.
ويرى مختصون أن أهمية هذه النتائج تكمن في أنها تنقل التركيز من مراقبة مستوى السكر فقط إلى فهم ما يحدث داخل الخلايا المسؤولة عن تنظيمه، وهو ما قد يساعد مستقبلًا في تطوير علاجات أكثر دقة تستهدف جذور الخلل قبل ظهور المضاعفات.
تابع وكالة الصحافة المستقلة على الفيسبوك .. اضغط هنا
ومع أن الدراسة تقدم خطوة مهمة في فهم داء السكري من النوع الثاني، إلا أن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد كيف يمكن ترجمتها إلى تدخلات علاجية أو وقائية مباشرة لدى البشر.
ويظل داء السكري من النوع الثاني أحد أكبر التحديات الصحية عالميًا، بسبب ارتباطه بمضاعفات خطيرة تشمل أمراض القلب والكلى والأعصاب والعيون، ما يجعل الكشف المبكر وتعديل نمط الحياة ومتابعة المؤشرات الصحية عناصر أساسية في تقليل مخاطر المرض.





