ترامب يفتح جبهة جديدة ضد الإعلام الأميركي.. وزارة العدل تحقق مع خمس شبكات كبرى وحرية الصحافة على المحك

المستقلة/- دخلت المواجهة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووسائل الإعلام مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما فتحت وزارة العدل الأميركية تحقيقاً رسمياً مع خمس من أكبر الشبكات التلفزيونية في الولايات المتحدة، على خلفية قرارها تعليق التغطية المشتركة لأنشطة البيت الأبيض، احتجاجاً على منع مؤسسات إعلامية من الوصول إلى المقر الرئاسي.

ويشمل التحقيق شبكات ABC وCBS وCNN وNBC وFox News، في خطوة تثير تساؤلات قانونية وسياسية بشأن حدود سلطة الإدارة الأميركية في التعامل مع المؤسسات الصحفية، وإمكانية استخدام قوانين مكافحة الاحتكار في نزاعات تتعلق بحرية الإعلام واستقلاليته.

وبحسب ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز»، وأكدته تقارير لوكالتي رويترز وأسوشيتد برس، فإن وزارة العدل باشرت التحقيق لتحديد ما إذا كانت الشبكات الخمس قد انتهكت القوانين الفيدرالية لمكافحة الاحتكار، نتيجة تنسيقها قرار الامتناع المؤقت عن تقديم التغطية التلفزيونية المشتركة للفعاليات الرئاسية.

وتعود جذور الأزمة إلى 19 أيلول الماضي، عندما منعت إدارة ترامب صحفيين من شبكات CNN وMS NOW ومؤسسة Politico من دخول البيت الأبيض، في قرار ربطته الإدارة بموقفها من التغطيات الإعلامية التي تنتقد الرئيس وسياساته.

وأثار القرار اعتراضات واسعة داخل الأوساط الصحفية الأميركية، ما دفع الشبكات التلفزيونية الخمس المشاركة في نظام التغطية المشتركة للبيت الأبيض إلى تعليق عملها بصورة مؤقتة، تضامناً مع المؤسسات المستبعدة، قبل أن تستأنف التغطية لاحقاً.

وتكمن أهمية هذا التحرك في أن نظام التغطية المشتركة، المعروف باسم «البول الصحفي»، يتيح للمؤسسات الإعلامية تقاسم تكاليف ومهام تغطية تحركات الرئيس، وتبادل المواد المصورة مع وسائل الإعلام الأخرى، بما يضمن وصول المعلومات والصور إلى جمهور واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها.

غير أن وزارة العدل تنظر إلى التنسيق بين الشبكات من زاوية قانونية مختلفة، إذ ترى أن المقاطعات الجماعية المنسقة بين مؤسسات تجارية متنافسة قد تثير شبهات مخالفة قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار.

وأكدت المتحدثة باسم الوزارة إميلي كوفينغتون أن قسم مكافحة الاحتكار يجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كانت المؤسسات الإعلامية قد خالفت القانون، من دون الإعلان عن نتائج نهائية أو توجيه اتهامات قضائية مثبتة حتى الآن.

وفي المقابل، تتجاوز القضية حدود النزاع القانوني التقليدي، لتطرح إشكالية دستورية تتعلق بالتعديل الأول للدستور الأميركي، الذي يوفر حماية لحرية التعبير والصحافة.

وكانت المؤسسات الإعلامية التي شملها قرار المنع قد لجأت إلى القضاء الفيدرالي، معتبرة أن الإجراءات المتخذة بحق مراسليها تمثل انتقاماً من مضمون التغطية الصحفية، وليس تطبيقاً محايداً لقواعد الوصول إلى البيت الأبيض.

وفي 24 أيلول الماضي، أمر قاضٍ فيدرالي بإعادة التصاريح الصحفية للمؤسسات المتضررة، بعد ترجيحه أن إجراءات المنع تتعارض مع الضمانات الدستورية، وهو ما أعاد فتح أبواب البيت الأبيض أمام الصحفيين المستبعدين، من دون إنهاء الخلافات الأوسع بشأن آليات التغطية الإعلامية.

ويرى مراقبون أن دخول وزارة العدل على خط الأزمة قد ينقل المواجهة من خلاف مباشر بشأن اعتماد المراسلين إلى صراع أكثر تعقيداً بين استقلالية القرار التحريري من جهة، وصلاحيات الحكومة في تطبيق القوانين الاقتصادية من جهة أخرى.

فالتحقيق يطرح سؤالاً أساسياً حول ما إذا كان اتفاق مؤسسات إعلامية على تعليق التغطية احتجاجاً على قرار حكومي يمثل ممارسة جماعية لحرية الصحافة، أم تنسيقاً تجارياً يمكن إخضاعه لقواعد مكافحة الاحتكار.

ولا يعني وجود تنسيق بين مؤسسات إعلامية متنافسة بالضرورة ارتكاب مخالفة قانونية، إذ يتطلب تحديد المسؤولية دراسة طبيعة الاتفاق وأهدافه وآثاره القانونية والاقتصادية، إلى جانب الضمانات الدستورية المرتبطة بحرية التعبير.

وفي هذا السياق، حذرت لجنة حماية الصحفيين من استخدام تحقيقات مكافحة الاحتكار وسيلة للضغط على المؤسسات الإعلامية التي تدافع عن حق الصحفيين في الوصول إلى المعلومات، معتبرة أن حرية التغطية تشكل جزءاً أساسياً من حق الجمهور في المعرفة.

وتكتسب الأزمة بعداً سياسياً إضافياً مع شمول التحقيق شبكة Fox News، التي تُعد أقرب إلى ترامب من عدد من منافساتها في المشهد الإعلامي الأميركي، الأمر الذي يكشف أن الاعتراض المهني على قيود التغطية لم يقتصر على المؤسسات المعروفة بانتقاد الإدارة الجمهورية.

ومن الناحية السياسية، قد يؤدي استمرار التحقيق إلى تعميق حالة الاستقطاب بين البيت الأبيض والمؤسسات الصحفية، ولا سيما إذا تطور إلى إجراءات قضائية أو مطالبات واسعة بالكشف عن المراسلات الداخلية وآليات اتخاذ القرارات التحريرية.

كما أن القضية قد تترك آثاراً تتجاوز المؤسسات الخمس، إذ يمكن أن تؤثر نتائجها في مستقبل التعاون المهني بين وسائل الإعلام الأميركية، خصوصاً في أنظمة تقاسم التغطية والمحتوى الإخباري للأحداث الحكومية والرئاسية.

وبالرغم من أن الإدارة الأميركية تقدم التحقيق باعتباره إجراءً قانونياً للتحقق من احتمال وجود ممارسات احتكارية، فإن منتقدي الخطوة يخشون أن يؤدي توسيع استخدام هذه الصلاحيات إلى خلق ضغوط على المؤسسات الإعلامية، وربما دفع بعضها إلى تجنب اتخاذ مواقف احتجاجية جماعية مستقبلاً.

وتأتي التطورات في ظل علاقة متوترة بين ترامب ووسائل إعلام أميركية بارزة، تخللتها اتهامات متكررة بنشر الأخبار المضللة، وخلافات بشأن اعتماد المراسلين وإمكانية حضور المؤتمرات والفعاليات الرسمية.

وفي المحصلة، تضع هذه القضية المؤسسات الأميركية أمام اختبار يتجاوز مصير خمس شبكات تلفزيونية، ليطال طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والصحافة، وحدود استخدام الأدوات القانونية في مواجهة الاحتجاج الإعلامي.

ويبقى المسار المقبل مرهوناً بنتائج التحقيق وما إذا كانت وزارة العدل ستتوصل إلى أدلة تبرر اتخاذ إجراءات قانونية، أم أن القضية ستظل جزءاً من المواجهة السياسية والدستورية المتصاعدة بين إدارة ترامب ووسائل الإعلام الأميركية.

وبينما تتمسك واشنطن بحقها في تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار، يبقى السؤال الأبرز: هل تتحول مقاطعة التغطية الرئاسية من موقف احتجاجي دفاعاً عن حرية الصحافة إلى قضية قانونية ضد المؤسسات الإعلامية نفسها؟

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى