المشتقات النفطية في العراق.. تحقيق يكشف فجوة غامضة بين الإنتاج والاستهلاك

المستقلة/ تحقيق/- بعد انكشاف مؤشرات فساد كبيرة في ملفي مصافي بيجي والمشتقات النفطية، بدأت “المستقلة” خلال الأسابيع الماضية محاولة تفكيك أحد أكثر الملفات غموضًا في الاقتصاد العراقي: ملف الوقود المدعوم، من لحظة دخول النفط الخام إلى المصافي، حتى وصول البنزين والديزل وزيت الوقود إلى المستهلكين أو إلى الأسواق غير المرئية.

لم يكن هدف التحقيق إطلاق اتهام مسبق، بل اختبار سؤال بسيط: هل أرقام استهلاك المشتقات النفطية في العراق طبيعية إذا قورنت بعدد السكان، وعدد السيارات، وحجم الاستهلاك في دول قريبة مثل مصر والأردن؟

الإجابة التي تظهرها الأرقام مقلقة.

بحسب النشرة الإحصائية السنوية لأوبك لعام 2025، بلغ عدد سكان العراق في 2024 نحو 46.12 مليون نسمة، فيما بلغ تشغيل المصافي العراقية 789 ألف برميل يوميًا، وبلغ إنتاج المنتجات النفطية 988 ألف برميل يوميًا، بينما بلغ الطلب النفطي المحلي 977 ألف برميل يوميًا. وتعرّف أوبك “تشغيل المصافي” بأنه النفط الداخل إلى وحدات التقطير الجوي في المصافي.

لكن إدارة معلومات الطاقة الأميركية تضع الرقم العراقي في إطار أوسع، إذ تشير إلى أن العراق استهلك في 2024 نحو 1.1 مليون برميل يوميًا من البترول والسوائل النفطية، وأن المصافي المحلية تلبي معظم الطلب، مع استمرار استيراد بعض المنتجات، خصوصًا البنزين، واستخدام النفط الخام وزيت الوقود عالي الكبريت في توليد الكهرباء.

هنا تبدأ الفجوة: إذا كان تشغيل المصافي الفعلي وفق أوبك 789 ألف برميل يوميًا، وكان الطلب المحلي يدور بين 977 ألفًا و1.1 مليون برميل يوميًا، فإن العراق يحتاج إلى تفسير رقمي شفاف للفارق بين ما يدخل المصافي، وما ينتج منها، وما يستورد، وما يستهلك، وما يذهب للكهرباء، وما يخزن، وما يباع، وما يدخل فعليًا إلى الخزينة.

المقارنة مع مصر والأردن

اختارت “المستقلة” مصر والأردن للمقارنة، لأنهما يقدمان مؤشرين مختلفين: مصر أكبر من العراق بأكثر من ضعف السكان، والأردن أصغر منه بنحو أربعة أضعاف تقريبًا، لكنه بلد قريب في طبيعة الاستهلاك المدني والتجاري، ولا يملك صناعة نفطية ضخمة تشوّه القياس كما هو الحال في دول بتروكيمياوية كبرى.

تظهر بيانات أوبك أن طلب مصر النفطي في 2024 بلغ 885 ألف برميل يوميًا، رغم أن سكانها تجاوزوا 107 ملايين نسمة. أي أن مصر، بأكثر من ضعف سكان العراق، تسجل طلبًا نفطيًا أقل من الطلب العراقي المسجل.

أما الأردن، فتظهر أرقام وزارة الطاقة الأردنية لعام 2024 أن عدد السكان بلغ 11.734 مليون نسمة، وأن استهلاك المشتقات النفطية بلغ 562 ألف طن من الغاز المسال، 1.285 مليون طن بنزين، 330 ألف طن وقود طائرات، 81 ألف طن كاز، 1.520 مليون طن ديزل، و116 ألف طن زيت وقود، أي ما مجموعه نحو 3.894 مليون طن سنويًا. وبالتحويل التقريبي، يعادل ذلك نحو 78 ألف برميل يوميًا من المشتقات.

عند حساب الاستهلاك لكل ألف نسمة، تظهر الفجوة بوضوح:

الدولةالسكان تقريبًاالطلب/الاستهلاك النفطيالاستهلاك لكل ألف نسمة
العراق46.12 مليون977 ألف إلى 1.1 مليون برميل/يوم21.2 إلى 23.8 برميل/يوم
مصر107 ملايين885 ألف برميل/يوم8.3 برميل/يوم
الأردن11.734 مليوننحو 78 ألف برميل/يوم مكافئ6.6 برميل/يوم

بمعنى آخر، يستهلك العراق نفطيًا لكل ألف نسمة ما يقارب 2.5 إلى 3 مرات مستوى مصر، ونحو 3 إلى 3.6 مرات مستوى الأردن.

هذه النتيجة لا تثبت وحدها وجود تهريب، لكنها تجعل الأرقام العراقية غير قابلة للقبول بلا تدقيق.

عدد السيارات لا يفسر الفجوة

الاعتراض الطبيعي يقول إن العراق لديه أسطول سيارات كبير، ولذلك يرتفع استهلاك البنزين والديزل. لكن المقارنة بعدد المركبات لا تنهي الشك، بل تعززه.

تظهر بيانات الجهاز الإحصائي العراقي أن عدد سيارات القطاع الخاص المسجلة في مديرية المرور العامة بلغ 8,287,604 سيارة في 2024. وفي مصر، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد المركبات المرخصة بلغ 10.41 مليون مركبة في نهاية 2024. أما الأردن، فتظهر بيانات إدارة ترخيص السواقين والمركبات أن عدد المركبات العاملة تراكمياً بلغ 1,985,398 مركبة لغاية 30 أيلول/سبتمبر 2024.

وعند احتساب الاستهلاك لكل مركبة، تبدو الصورة أكثر حساسية:

الدولةعدد المركباتالاستهلاك النفطيالاستهلاك لكل مركبة يوميًا
العراق8.29 مليون977 ألف إلى 1.1 مليون برميل/يوم18.7 إلى 21 لترًا
مصر10.41 مليون885 ألف برميل/يوم13.5 لترًا
الأردن1.985 مليوننحو 78 ألف برميل/يوم مكافئ6.2 لترًا

صحيح أن هذا المؤشر لا يعني أن كل المشتقات تذهب للسيارات؛ فجزء من الديزل وزيت الوقود يذهب للكهرباء والمولدات والزراعة والصناعة. لكنه مع ذلك يكشف أن عدد السيارات وحده لا يفسر تضخم الاستهلاك العراقي.

فمصر لديها مركبات أكثر من العراق، وسكان أكثر من الضعف، ومع ذلك يسجل العراق طلبًا نفطيًا أعلى. والأردن لديه كثافة مركبات قريبة نسبيًا من العراق، لكنه يستهلك لكل مركبة أقل بكثير.

أين قد تختبئ الفجوة؟

الأولى هي الفجوة بين تشغيل المصافي والطلب المحلي. فإذا كان تشغيل المصافي 789 ألف برميل يوميًا، والطلب المحلي يقترب من مليون برميل يوميًا أو يتجاوزه، فلا بد من جدول يشرح: كم أُنتج محليًا؟ كم استُورد؟ كم ذهب للكهرباء؟ كم خُزن؟ وكم بيع فعليًا؟

الثانية هي الفجوة بين الإنتاج المعلن للمنتجات النفطية والإيراد المالي المحوّل إلى الخزينة. فالكميات الكبيرة لا تعني شيئًا ماليًا إذا لم تقابلها إيرادات واضحة في حسابات الدولة.

الثالثة هي الفجوة بين الاستهلاك الطبيعي المتوقع والاستهلاك المسجل. فإذا قسنا العراق على مصر والأردن، فإن الاستهلاك الطبيعي المدني كان يجب أن يكون أقل بكثير من مليون برميل يوميًا. وحتى بعد إضافة هامش عراقي خاص للكهرباء والمولدات والنقل الثقيل والزراعة، تبقى الأرقام المسجلة مرتفعة بما يكفي لفتح تحقيق رسمي.

الدعم المطلق يصنع ربحًا مغريًا

لا يمكن فهم هذه الفجوة دون فهم نظام الدعم. فالمشتقات النفطية في العراق تباع بأسعار مدعومة، وهذا الدعم إذا لم يكن مستهدفًا ومراقبًا يتحول إلى فرصة ربح كبيرة.

آلية الفساد المحتملة لا تبدأ دائمًا بسرقة مباشرة من المصفى. قد تبدأ من تضخيم الحاجة، أو تسجيل حصص غير دقيقة، أو منح وقود مدعوم لقطاعات لا تستهلكه فعليًا، أو خروج صهاريج عن مسارها، أو بيع المنتج المدعوم في السوق السوداء، أو تهريبه حيث يكون السعر أعلى.

كل لتر مدعوم يحمل داخله فرقًا سعريًا. وكل فرق سعري، في غياب الرقابة، يمكن أن يتحول إلى ربح غير مشروع.

لذلك فإن السؤال المركزي في هذا التحقيق ليس: هل العراق يدعم الوقود؟ بل: من يستفيد من الدعم؟ وكم تصل قيمته إلى المواطن؟ وكم يتسرب خارج الاستهلاك الحقيقي؟

ما الذي يجب أن يُنشر؟

ولكي لا يبقى ملف المشتقات النفطية في دائرة الشك والتقدير، لم يعد كافيًا أن تعلن وزارة النفط أرقامًا كلية عن الإنتاج أو الاستهلاك. المطلوب هو ميزان شهري واضح يبدأ من لحظة تسليم النفط الخام إلى كل مصفاة، ويمر عبر قياس التشغيل الفعلي داخل المصافي، ثم يوضح بدقة ما ينتج من بنزين وديزل ونفط أبيض وزيت وقود وغاز وبقية المنتجات. بعد ذلك يجب أن تُطابق هذه الكميات مع ما يتم استيراده من الخارج، وما قد يتم تصديره، وما يبقى في المخزون في بداية الشهر ونهايته، حتى لا تختلط أرقام الإنتاج بالاستهلاك أو التخزين أو التصدير.

ولا يكتمل هذا الميزان إلا إذا كشف المسار اللاحق للمنتجات النفطية: كم تسلمت شركة توزيع المنتجات النفطية؟ وكم وصل فعليًا إلى محطات الوقود؟ وكم بيع للمواطنين؟ وكم خُصص للكهرباء والمولدات والزراعة والصناعة والجهات الحكومية؟ ثم الأهم: كم دينارًا عاد فعليًا إلى الخزينة من هذه الكميات؟

هذه المطابقة وحدها تستطيع أن تفصل بين الاستهلاك الحقيقي والاستهلاك المسجل، وبين الدعم الذي يصل إلى مستحقيه والدعم الذي يتسرب إلى الفاقد أو السوق السوداء أو الحصص الوهمية. ومن دونها، سيبقى ملف المشتقات النفطية أحد أكثر ملفات العراق غموضًا: كميات ضخمة تتحرك داخل الدولة، ودعم واسع يُدفع باسم المواطن، وطلب مرتفع يُسجل في البيانات، لكن الوجهة النهائية للكميات، والإيراد الفعلي العائد إلى الخزينة، لا يظهران بالوضوح الذي يليق بملف بهذه الخطورة.

لا يثبت هذا التحقيق وحده أن الفجوة كلها تهريب أو سرقة. لكنه يثبت أن الأرقام العراقية لا تشبه مصر ولا الأردن، ولا تنسجم بسهولة مع عدد السكان أو عدد المركبات. كما يثبت أن هناك مساحة غامضة بين الإنتاج والتكرير والتوزيع والاستهلاك والإيراد.

وهذه المساحة، في اقتصاد ريعي يقوم على النفط والدعم، ليست تفصيلًا فنيًا. إنها قد تكون واحدة من أكبر بوابات الهدر والفساد في العراق.

السؤال الذي تضعه “المستقلة” أمام الحكومة والبرلمان والجهات الرقابية هو: هل الاستهلاك المسجل للمشتقات النفطية في العراق استهلاك حقيقي بالكامل، أم أن جزءًا منه رقم متضخم يمول شبكات تهريب وحصص وهمية وفساد؟

زر الذهاب إلى الأعلى