العراق المتصدر عالميًا في عدد المصارف هو الأضعف في التأثير الاقتصادي

المستقلة/- رغم أن العراق يضم أكثر من 70 مصرفاً، إلا أن قطاعه المصرفي ما يزال يُعد من بين الأضعف في المنطقة من حيث التأثير الاقتصادي، والقدرة على التمويل، ومستوى الثقة، في وقت نجحت فيه دول مثل الإمارات والسعودية في تحويل مصارفها إلى رافعة رئيسية للنمو والاستثمار. والمفارقة هنا لا ترتبط بعدد المصارف، بل بطبيعة الدور الذي تؤديه داخل الاقتصاد.

وتكشف قراءة الواقع المصرفي في العراق أن المشكلة الأساسية لا تكمن في قلة المؤسسات المالية، بل في غياب الوظيفة الاقتصادية الفعلية للمصرف، إذ إن جزءاً كبيراً من هذه المصارف لا يعمل كممول للمشاريع أو داعم للنشاط الإنتاجي، بقدر ما يرتبط بأنشطة محدودة تدور في فلك الدولة والسيولة والعملة الأجنبية.

وفي العراق، تشكل الإيرادات النفطية نحو 90 بالمئة من موارد الدولة، ما جعل الاقتصاد قائماً في جوهره على الريع، لا على الإنتاج. وضمن هذا النموذج، تحول البنك المركزي إلى المصدر الأساسي للدولار، فيما بقيت المصارف الخاصة، في جانب كبير منها، أقرب إلى وسطاء ماليين يستفيدون من دورة النقد والعملة، أكثر من كونهم مؤسسات تضخ التمويل في الصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية.

وبحسب هذه المعادلة، أصبحت المصارف العراقية، في كثير من الحالات، مؤسسات تعيش على الدولة أكثر مما تغذي الاقتصاد، وهو ما يفسر ضعف دورها في تحريك الاستثمار أو توسيع قاعدة النشاط الخاص. فالمصرف في الاقتصادات السليمة يضطلع بوظيفة واضحة تتمثل في تعبئة المدخرات، وتحويلها إلى قروض واستثمارات ومشاريع، أما في العراق فما تزال هذه الحلقة ضعيفة ومشوشة.

في المقابل، تظهر التجربة في الإمارات والسعودية بصورة مختلفة تماما، إذ يعمل عدد أقل من المصارف، لكن ضمن بيئة اقتصادية أكثر تنوعا وحيوية، تشمل الطاقة، والعقار، والسياحة، والطيران، والتكنولوجيا، والاستثمارات السيادية. وفي هذا السياق، لا يكون البنك مجرد وسيط مالي، بل شريكا مباشرا في صناعة النمو، من خلال تمويل المشاريع الكبرى، ودعم القطاع الخاص، والاندماج مع حركة الاستثمار المحلي والدولي.

ولا يقف الفارق عند طبيعة الاقتصاد فقط، بل يمتد إلى مستوى الثقة بين المواطن والجهاز المصرفي. ففي العراق ما يزال الاقتصاد النقدي هو الغالب، وما يزال عدد واسع من المواطنين يفضلون الاحتفاظ بأموالهم خارج المصارف، نتيجة تراكمات مرتبطة بضعف الحماية القانونية، وقلة الشفافية، وتراجع الثقة بقدرة النظام المصرفي على حماية المدخرات وتقديم خدمات مستقرة وآمنة.

أما في الإمارات والسعودية، فقد ساعد ارتفاع الشمول المالي، والتوسع في استخدام البطاقات المصرفية، والاعتماد الواسع على الدفع الإلكتروني، في تعزيز الثقة بالمؤسسات المصرفية، وربط الأفراد والشركات بشكل يومي بالنظام المالي الرسمي، وهو ما منح المصارف عمقا اجتماعيا واقتصاديا أكبر.

وتبرز الحوكمة والرقابة كعامل حاسم آخر في تفسير هذا التفاوت. فالقطاع المصرفي العراقي يعاني من ضعف نسبي في أنظمة التدقيق الداخلي، وتفاوت في الامتثال، وتداخلات سياسية واقتصادية أثرت على كفاءة بعض المؤسسات، فيما تبدو بعض المصارف، في نظر كثير من المتابعين، أقرب إلى واجهات مالية محدودة الوظيفة، لا إلى مؤسسات مصرفية متكاملة قادرة على إدارة الائتمان والمخاطر وفق المعايير الحديثة.

وفي المقابل، تستند الأنظمة المصرفية في الإمارات والسعودية إلى رقابة أشد صرامة، وإلى مستويات أعلى من الامتثال والمعايير الدولية، بما في ذلك متطلبات كفاية رأس المال، وإدارة المخاطر، ومكافحة غسل الأموال، والشفافية المؤسسية، وهو ما منح تلك الأسواق قدرة أكبر على جذب الاستثمار وتعزيز الاستقرار المالي.

كما أن التحول الرقمي يمثل أحد أهم الفوارق بين النموذجين. ففي حين ما تزال الخدمات المصرفية في العراق تعاني من بطء واضح في التطوير، ومن ضعف نسبي في البنية التكنولوجية، وعدم استقرار بعض أنظمة الدفع، استطاعت المصارف في الخليج أن تنتقل إلى مستويات متقدمة من الرقمنة، عبر التطبيقات الذكية، والتحويلات الفورية، والخدمات الإلكترونية التي باتت جزءا من الحياة اليومية للأفراد والشركات.

ومن زاوية المخاطر والسيولة، يواجه العراق تحديات إضافية ترتبط بارتفاع القروض المتعثرة، وضعف إدارة المخاطر في بعض المؤسسات، والاعتماد الكبير على السيولة الحكومية أو غير الإنتاجية، في حين تتمتع المصارف الخليجية عادة بمستويات أعلى من الرسملة والاحتياطيات والسيولة، بما يمنحها قدرة أكبر على امتصاص الصدمات والتعامل مع التقلبات الاقتصادية.

والخلاصة أن أزمة القطاع المصرفي العراقي ليست أزمة عدد، بل أزمة وظيفة وهيكل وثقة. فالعراق لا يعاني من نقص في المصارف، بل من غياب الدور التنموي الحقيقي لها، ومن ارتباط جزء كبير منها بالاقتصاد الريعي والدولار، بدلا من الارتباط المباشر بالاقتصاد الإنتاجي والاستثمار طويل الأجل.

وبهذا المعنى، فإن المصارف في الإمارات والسعودية تعمل كمحرك للنمو الاقتصادي، بينما ما يزال جزء كبير من القطاع المصرفي العراقي بعيدا عن هذا الدور، وهو ما يجعل تأثيره محدودا رغم اتساعه العددي.

وإذا استمر النموذج الحالي في العراق، فإن القطاع المصرفي سيبقى كبيرا في الأرقام وضعيفا في الأثر. أما إذا اتجهت الدولة إلى إصلاح حقيقي يشمل الحوكمة، والرقابة، والتحول الرقمي، وتعزيز الثقة، وربط المصارف بالاقتصاد الإنتاجي، فإن العراق يمتلك من حيث حجم السوق والطلب الداخلي ما يؤهله لبناء واحد من أقوى القطاعات المالية في المنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى