
أرباح آسياسيل تقفز 32% والإيرادات لم تنمو إلا 8%.. من أين جاءت الزيادة؟
المستقلة/- في ثاني تقاريرها ضمن سلسلة التحليل المالي للحسابات الختامية لشركة آسياسيل لعام 2025، تواصل وكالة الصحافة المستقلة قراءة الأرقام من زاوية مهنية تستند إلى البيانات المعلنة، حيث تكشف المؤشرات المالية عن فجوة لافتة بين وتيرة نمو الإيرادات وبين القفزة الأكبر التي سجلتها الأرباح خلال العام.
وفيما تبدو الزيادة في الإيرادات محدودة وضمن نطاق يمكن اعتباره طبيعيا في سياق نشاط شركة اتصالات كبرى، فإن الارتفاع الكبير في الأرباح يفرض سؤالا ماليا مشروعا لا يمكن تجاوزه بسهولة: من أين جاءت هذه الزيادة؟ وهل تعكس تحسنا تشغيليا حقيقيا ومستداما، أم أن وراءها تراجعا في بنود إنفاق رئيسية، أو متغيرات محاسبية وتنظيمية تحتاج إلى تفسير أوضح؟
وبحسب البيانات المالية الرسمية، بلغت إيرادات آسياسيل خلال عام 2025 نحو 2.023 تريليون دينار عراقي، مقابل 1.872 تريليون دينار في عام 2024، بزيادة بلغت 8.1 بالمئة. وفي المقابل، ارتفع صافي الربح إلى 519.196 مليار دينار، مقارنة مع 393.732 مليار دينار في العام السابق، ليسجل نموا بنسبة 31.9 بالمئة، وهي وتيرة تفوق نمو الإيرادات بأكثر من ثلاثة أضعاف.
كما أظهرت البيانات أن فائض العمليات ارتفع إلى 602.092 مليار دينار في 2025، مقابل 459.420 مليار دينار في 2024، بنمو يقارب 31 بالمئة، ما يعزز الملاحظة ذاتها بشأن وجود عامل مؤثر في الربحية يتجاوز مجرد الزيادة الاعتيادية في المبيعات أو الإيرادات التشغيلية.
وفي العادة، تتحرك الأرباح بمعدلات قريبة من نمو الإيرادات، إلا إذا حدث تغير جوهري في هيكل المصروفات، أو في كفاءة التشغيل، أو في طريقة تسجيل بعض البنود المحاسبية. ومن هنا تكتسب أرقام آسياسيل أهميتها، لأن الفجوة المسجلة هذا العام لا تبدو تفصيلا عابرا، بل مؤشرا يستحق التوقف والتحليل.
وبحسب مراجعة المصروفات، فإن إجمالي الإنفاق خلال 2025 بلغ نحو 1.422 تريليون دينار، مقابل 1.412 تريليون دينار في 2024، أي بزيادة لا تتجاوز 0.6 بالمئة فقط، رغم أن الإيرادات نمت بأكثر من 8 بالمئة. وهذه هي النقطة الجوهرية الأولى في التقرير: الإيرادات ارتفعت، لكن المصروفات بقيت شبه مستقرة، فيما قفزت الأرباح بقوة.
وتكشف القراءة التفصيلية لبنود المصروفات عن تغيرات أكثر وضوحا. فقد انخفض بند الرواتب والأجور إلى 101.257 مليار دينار في 2025، مقابل 126.989 مليار دينار في 2024، بتراجع يقارب 20 بالمئة، وهو انخفاض يثير تساؤلات مهنية بشأن أسبابه، ولا سيما في ظل استمرار النشاط التشغيلي للشركة.
كما انخفض بند الضرائب والرسوم إلى 385.071 مليار دينار، بعد أن كان 425.248 مليار دينار في العام السابق، بتراجع يقارب 40 مليار دينار. ويبرز داخل هذا البند عنصر أكثر أهمية، يتمثل في تراجع “الرسوم الأخرى” إلى 52.317 مليار دينار في 2025، مقارنة مع 111.136 مليار دينار في 2024، أي بانخفاض يقارب النصف.
ويشير هذا التراجع تحديدا إلى واحد من أكثر العوامل تأثيرا في تحسن ربحية الشركة خلال العام، إذ إن انخفاض هذا البند وحده ساهم في تخفيف جانب مهم من الأعباء التي كانت تضغط على الأرباح في السنة السابقة.
وفي مقابل ذلك، ارتفعت بنود أخرى بدت أكثر اتساقا مع نمو النشاط، إذ صعدت الاندثارات والإطفاءات من 289.768 مليار دينار إلى 323.516 مليار دينار، كما ارتفعت مشتريات التشغيل من 307.146 مليار دينار إلى 348.391 مليار دينار. غير أن هذه الزيادات لم تكن كافية لمعادلة أثر الانخفاض في البنود الأخرى، وهو ما أبقى الربحية في مسار صاعد بشكل واضح.
والخلاصة الأولية التي تفرض نفسها من خلال هذه القراءة، أن القفزة في أرباح آسياسيل خلال 2025 لا تبدو ناتجة عن نمو استثنائي في الإيرادات، بقدر ما تبدو مرتبطة بشكل مباشر بتراجع بعض بنود المصروفات الرئيسية. وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة: هل يعكس ذلك تحسنا فعليا في كفاءة التشغيل؟ أم أن الشركة أعادت تصنيف بعض المصروفات؟ أم أن هناك عوامل غير متكررة أو تسويات معينة انعكست على نتائج هذا العام؟
وتطرح هذه الأرقام، من زاوية مهنية بحتة، عدة نقاط تستدعي التوضيح، من بينها: أسباب انخفاض بند الرواتب والأجور، وطبيعة التراجع الكبير في “الرسوم الأخرى”، وما إذا كانت هناك تغييرات في السياسات المحاسبية أو في طريقة عرض البنود، فضلا عن سؤال أساسي يتعلق بما إذا كانت هذه التحولات قابلة للاستمرار في الأعوام المقبلة، أم أنها مؤقتة ومرتبطة بعوامل استثنائية.
وتؤكد المستقلة أن هذه القراءة لا تقدم أحكاما نهائية، بل تأتي ضمن مسار تحليلي مهني يهدف إلى تفكيك الأرقام وفهمها في سياقها المالي الحقيقي، بعيدا عن الاستنتاجات المتسرعة، وقريبا من حق القارئ في معرفة ما الذي تقوله البيانات فعلا.
وفي التقرير القادم، تفتح المستقلة واحدا من أكثر الملفات حساسية في حسابات آسياسيل لعام 2025، عبر قراءة تفصيلية لبند الضرائب والرسوم والالتزامات التنظيمية، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم كيف قفزت الأرباح بهذا الشكل.





