الشك المنهجي بين الغزالي وديكارت

إبراهيم أبو عواد

كاتب من الأردن

 

الشَّكُّ المَنهجي هو وسيلة مُؤقَّتة لفحصِ مَصادرِ المَعرفةِ ومَبادئها، واستبعادِ كُلِّ مَا لا يَقُوم على أساسٍ يَقيني، تَمهيدًا لإقامةِ مَعرفةٍ صحيحة ثابتة.

في هذا المجال، يَلتقي الإمام أبو حامد الغَزَالي (450 ه _505 ه/ 1058 م _1111م) والفَيلسوف رينيه ديكارت (1596 م _ 1650 م ) على اختلافِ السِّياقِ الحَضاري ، والمَرجعيةِ الدِّينية ، واللغةِ الفَلْسفية . كِلاهما جَعَلَ مِنَ الشَّكِّ طريقًا لا غاية، وَمِنَ الهَدْمِ المُؤقَّت سبيلًا إلى بناءِ الحقيقة، غَيْر أنَّ التشابه لا يلغي التمايزَ، ولا الاتفاق في المَنهج يَعني وَحدةَ النتائجِ أو المُنطلقات. والمُقارنةُ بين الشَّكِّ المَنهجي عِند الغَزَالي وديكارت تفتح نافذةً واسعة على فهمِ طَبيعةِ العقل، وحُدودِ المَعرفة، وعَلاقةِ الإنسانِ بالحقيقة.

نشأ شَكُّ الغَزَالي في سِياق أزمنة رُوحيَّة ومَعرفية عميقة، فَقَدْ وَجَدَ نَفْسَه مُحاطًا بتعدُّد الفِرَقِ والمَذاهب: المُتكلمون، والفلاسفة، والباطنية، والصُّوفية. وكُلُّ فريقٍ يَدَّعي امتلاكَ الحقيقة. هذا التنازعُ دَفَعَه إلى مُساءلةِ أدواتِ المَعرفةِ ذَاتِها. هَل الحِس صادق؟، وهَل العَقْل يَقيني؟، وَهَلْ يُمكِن الوُثوق بِما وَرِثَه الإنسانُ مِنْ تقاليد؟ لَم يَكُن شَكُّ الغَزَالي ترفًا ذِهنيًّا، بلْ صَرْخة باحثٍ عَن يقينٍ يَطمئن إلَيْه القلبُ قَبْلَ العقل.

أمَّا ديكارت، فَقَدْ جاءَ شَكُّه في سِياق أزمة مَعرفية أوروبية عميقة معَ بِداية العصرِ الحديث، حيث اهْتَزَّتْ سُلطةُ أرِسْطُو، وتزعزعت الثقةُ بالمعرفةِ المدرسية، وبرزت الحاجةُ إلى تأسيسِ العِلْمِ على قواعد جديدة لا تَقْبَل الشَّكَّ، وأعلنَ البَدْءَ مِنَ الصفر، وَرَفَضَ كُلَّ مَا يُمكِن الشَّك فيه .

يَشترك الغَزَالي ودِيكارت في نقدِ المعرفة الحِسِّية، فالغَزَالي يَرى أنَّ الحواس تَخدع، فالظِّلُّ يَبدو ساكنًا وهو مُتحرِّك، والكَوكبُ يَبدو صغيرًا وهو أعظم مِنَ الأرض. وَمِنْ هُنا يُقَرِّر أنَّ الحِسَّ لا يَصْلُح أساسًا لليقينِ المُطْلَق، غَيْر أنَّه لا يقف عِند هذا الحد، بَلْ يَتَّجه إلى العقلِ ذَاتِه مُتسائلًا: إذا كُنْتُ قد شككتُ في الحِسِّ بِحُكم العقل ، فما الذي يَمْنع أنْ يَكُون وراء العقل حاكمٌ آخَر يُكذِّبه كما كَذَّبَ العقلُ الحِسَّ ؟ .

دِيكارت بِدَوْرِه يَجعل مِنْ خِداعِ الحواس نُقْطَةَ انطلاق لِشَكِّه المَنهجي، ثُمَّ يُوسِّع دائرةَ الشَّكِّ لِيَشمل العقلَ نَفْسَه، وهُنا يَبْلُغ الشَّكُّ عِند دِيكارت أقصاه ، إذْ لا يَترك حَجَرًا على حجر في بِناء المَعروفةِ المَوْروثة .

على الرَّغْمِ مِنْ جَذريةِ الشَّكِّ، فإنَّ الغاية عِند الغَزَالي ودِيكارت لَيْسَت الهدمَ الدائم ، بَل الوُصول إلى يقين لا يَتَزَعْزَع ، غَيْر أنَّ طريقَ الخُروجِ مِنَ الشَّكِّ يَختلف اختلافًا جَوهريًّا .

يَصِلُ الغَزَالي إلى قناعة بأنَّ اليقين لا يُنال بالعقلِ المُجرَّد وَحْدَه، بَلْ بِنُورٍ يَقْذفه اللَّهُ في القلب. وهذا لا يَعني إلغاءَ العقل ، بَلْ وَضْعه في حُدوده الطبيعية ، والاعتراف بأنَّ أسمى الحقائقِ تحتاجُ إلى تَطهيرٍ باطني ، وتَجْرِبَةٍ رُوحيَّة. وَمِنْ هُنا كانت الصُّوفية عِند الغَزَالي ذِرْوَةَ طريقِ اليقين، لا باعتبارها نقيضًا للعقل، بَلْ مُكمِّلة له .

أمَّا دِيكارت، فيجد نُقْطَةَ اليقينِ الأُولَى في العِبارة: ” أنا أُفكِّر، إذًا أنا مَوجود ” . وحتى لَوْ شككتُ في كُلِّ شَيْء، لا أستطيعُ الشَّكَّ في أنَّني أشُكُّ، ولا في أنَّني أُفكِّر. وهَكذا يَبْني دِيكارت نَسَقَه المَعرفي، مُستندًا إلى بُنيةِ الأفكار، وإلى إثباتِ وُجود اللَّه بِوَصْفِه الضامن لصدقِ المعرفة، وعدمِ وُقوعِ العقل في الخِداع الدائم.

يُعبِّر الشَّكُّ المَنهجي عِند الغَزَالي عَنْ رُؤية تكاملية للعقلِ والواقعِ، فالعقلُ أداةٌ ضرورية، لكنَّه لَيْسَ مَصْدَرَ الحقيقةِ النهائية. واليقينُ الأسمى لا يَتحقق إلا بالهِدايةِ الإلهيَّة، لذلك يَنتهي الغَزَالي إلى مَوقف نَقْدي مِنَ الفلاسفة الذين غَلَّبُوا العقلَ في مسائل تتجاوز حُدودَه، كما في الإلهيَّات.

وديكارت يُمثِّل لحظةً مِفْصَلية في تاريخ الفلسفة الغَرْبية، حيث أصبحَ العقلُ هُوَ نُقْطَةَ الارتكاز الأساسيَّة. صحيحٌ أنَّ دِيكارت لَمْ يُقْصِ الإيمانَ باللَّهِ، بَلْ جَعَلَه عُنْصُرًا مَركزيًّا في نَسَقِه، غَيْر أنَّ العلاقة بين العقلِ والإيمانِ عِنده تَمُرُّ عَبْرَ البُرهانِ العقليِّ لا التَّجْرِبة الرُّوحيَّة.

يَلتقي الغَزَالي ودِيكارت في اعتبارِ الشَّكِّ مَنهجًا لا غاية، ونقدِ المَعرفةِ الحِسِّيةِ، ورفضِ التَّسليمِ للمَوْرُوث، والبحثِ عَنْ يقين أوَّلي تُبْنَى عَلَيْه المَعرفة.

ويَفْترقان في مَصدرِ اليقين النهائي، فَهُوَ نُورٌ إلهيٌّ وتَجْرِبة رُوحيَّة عِند الغَزَالي، مُقَابِل بَداهة عَقْلية عِند دِيكارت. وفي طبيعةِ المَشروع، فهو رُوحي إصلاحي عِند الغَزَالي، وعِلْمي فَلْسفي تأسيسي عِند دِيكارت. وفي المَوقفِ مِنَ العقل، فَهُوَ عقلٌ مَحدود يَحتاج إلى تجاوُز عِند الغَزَالي، وعَقْل مُؤسِّس للمعرفة عِند دِيكارت.

إنَّ الشَّكَّ المَنهجي عِند الغَزَالي ودِيكارت لَيْسَ مُجرَّد تَمْرين ذِهْني، بَلْ هُوَ فِعْل فِكْري في مُواجهةِ الزَّيْفِ واليقينِ السهل. كِلاهما يَرى أنَّ الحقيقة لا تُورَث، بَلْ تُنال بالكِفاحِ العقلي، والصِّدْقِ الداخلي، إلا أنَّ الغَزَالي يَعْتبر أنَّ العقل _ مَهْمَا بَلَغَ _ يَظَلُّ مُحتاجًا إلى نُورٍ أعلى، بَيْنما يُصِرُّ دِيكارت على أنَّ في العقلِ ذَاتِه بَذْرَةَ الخَلاصِ المَعرفي.

زر الذهاب إلى الأعلى