
التهاوي القيمي مسؤولية ؟
حيدر صبي*
العرف صنو للطباع ، والمشاع سكة آمنة يمضي عليها قطار السلوك وهكذا هو حال المجتمعات ..
الاداب والسلوكيات العامة والذائقة المجتمعية انما تأصلت بفعل العرف والطباع لدى مجموعة عاشت في بيئة معينة وترسخت في ذهنياتها قيم ومفاهيم بتقادم العيش لتصبح فيما بعد ارثا حضاريا يتناقل بين الأجيال ، تعتز به واحدة وتتفاخر به أخرى ، وهنا جاز لنا ان نطلق على تلك المجتمعات بالمجتمعات الجامدة ..
هذه المجتمعات تحاول جاهدة الحفاظ على موروثاتها بكل ما اتيح لها من وسائل قوة وضغط ، يقف بطليعتها صراع محتدم أسه الحفاظ على سلامة الدين والمعتقد مع انه وبغرائزية مراحل التطور وما يحدث من ازاحة جينية للموروثات والطباع امام الزائر الحداثوي القادم والداخل عنوة عليها حتى لتقف عاجزة عن مجاراة المهاجم الشرس الذي احتل مساحة لابأس بها من ذهنيات الاجيال اللاحقة ليرسم وعي قيمي جديد سترفضه حتما اجيالها السابقة !!.
التطور التكنولوجي كان هو المارد البالغ في تأثيره على عقلية الفرد اثر اكتشاف الفرد لنفسه كونه فرد طفيلي ، يسبح خارج النظام الكوني فهو كان يعيش بسلوك غرائبي على ارض الكوكب وبتفكبر محدود ان لم نقل عقيم ، وهنا اصبح لزاما عليه ان يعلن الحرب على المترسخ الماضي الذي نخر ذهنيته .. انه بات أثرا بعد عين ، فانفتاحه على حضارات وطباع وسلوكيات شعوب اخرى وجدها تتقدمه بعشرات السنين ان لم نقل مئات احدثت هوة كبيرة بينها وبينه ومنه صار المسعى لردمها امرا لامر منه .
السوشل ميديا منجز تكنلوجي كان نتاج لثورة علمية فخمة ادى لقلب النظم المجتمعية رأسا على عقب فغير من طرق تفكير الكثير من المجتمعات بعد ان جعل من مزية التواصل فيما بينها يمضي بيسر ودون قلق تتلاقفه حتى ايادي الاطفال ، واذن العالم كما يقال اصبح كقرية واحدة تلاقحت فيها الافكار وذابت في وعائها الثقافات وحتى المتباينة منها انصهرت دون ارادة فاستلهم بعضها وازيحت الاخرى .
– التهاوي القيمي مسؤولية من ؟
القانون هو الحاكم ولما يتهاوى تتهاوى معه جميع القيم المجتمعية وتصبح المجتمعات صدى لسلوكيات الحاكم او النظام فاية حالة خرق له من قبل النظام وبصورة علنية ومعتاده مؤداه خرقا آخر يكون طبيعا ومستساغا بل ومألوفا يتماهى بحرية معه اغلب الشعب .
يقول كانط : (( عندما تكون القوانين ونتائج انتهاكها معروفة علنًا ، يمكن اعتبار أن المخطئ قد اختار بحرية خرق القانون وتحمل العواقب )) .
يقال عن النظام هو نظام ديمقراطي وفيما سار على مباديء رصينة تتأصل فيها النزعة الى الحرية وانفاذ القانون ، اما حال ان ينصب النظام نفسه أبا ووكيلا يفكر بدل الشعب ويحد من حرياته هنا يتحول النظام من نظام ديمقراطي لنظام مستبد .
وهذا ما اشار اليه ” جون ستيوارت ميل ” في “On Liberty” . فيقول ان (( التدخل السياسي والقانوني مسموح به فقط عندما يكون من الضروري منع الإضرار بحرية الآخرين
وليس عندما تعتقد الدولة أنها تفهم مصلحة رعاياها اكثر من فهمهم لأنفسهم )) .
فيما الفيلسوف الانكليزي ” باول غوير ” ذهب ليؤكد على تحلي من هم في قمة السلطة بالمعايير الأخلاقية فهي ان اعدمت لديهم فسيصبحون غير مؤهلين على تقييم الآخرين فيصرح بالقول ((عندما لا يملك النظام معايير اخلاقية لمن هم في قمة السلطة لا نتوقع أن يكونوا قادرين على تقويم أخلاق العامة ورفع مستواهم )) .
واذن حال ابتعاد الانظمة العمل بخضم تلك المباديء فانها تهبط بسلوكياتها السياسية والاخلاقية معا ومنه ستصاب المجتمعات الرازحة تحت نير تلك الانظمة بذات التهاوي القيمي .
في تحضير أسس تطوير الدول توضع رموزا ومعايير (codes and standards) واضحة ومفصلة تنشر في الكتب المخصصة للمحترفين وأصحاب المصلحة في جميع الاختصاصات بطابعيها العلمي والانساني . تتوائم مع ما تفرضه من عقوبات على من يقوض تلك المعايير والرموز, وبتطبيق هذا الأسلوب سيكون بمقدور الدولة رفع مستوى أدائها التقني والأخلاقي ومنه نجد ان محاربة ما اسمي ب (( المحتوى الهابط )) وفق سياسة فرض عقوبات صارمة دون اشعار او تنبيه او حتى بكتابة تعهد خطي من قبلهم هو عمل مخالف لبنود الدستور .
كان الاجدى بالحكومة العراقية ان تضع اولا المحددات والمثل القانونية وفق معايير ورموز واضحة ليتسنى للفرد هضمها والتهيء لاستيعابها اولا وحتى لا تقع السلطة القضائية في احراج امام الشعب ثانيا ، وثالثا كي لايتهم القضاء من انه قضاء مسيس استخدمه السياسيون ليكون اداة لقمع الحريات وتكميم لأفواه المعارضين للسلطة .
ان كانت الدولة جادة فعلا بمعالجة المحتوى الهابط كان لها ان تسلك طرقا اقل ضررا ويمكن تطبيقهاوحال توافرت الارادة الحقيقية ، منها نشر روح التسامح ودحض الطائفية باستلهام روح المواطنة وتعزيز ونشر قيم العلم والثقافة والأدب ووضع برامج واستراتيجيات واقامة الورش ونشر البحوث في مراكز الدراسات وقبل كل هذا التزام النظام بالمعايير الاخلاقية ونبذ الفساد واحترام المواطن وتوفير سبل العيش الكريم له وجعل مصلحة بلدهم تتقدم مصالح الدول الاخرى والتمسك بازمة قرارهم السيادي وتنظيف الساحة العراقية من فصائل العنف المأجورة الخارقة للقانون، وفتح مراكز صحية لعلاج مدمني المخدرات ناهيك عن اهتمامها بالتعليم والصحة العامة فهن ركيزة اساس لتقدم الشعوب .
*كاتب وسياسي مستقل
المصادر: Kant, I., Guyer, P., & Matthews, E. (2000). Critique of the power of judgment. Cambridge University Press
أخبار قد تهمك
العراق يتجه لتنظيم العطل الرسمية والحد من قرارات المحافظات
العراق يترقب قانوناً جديداً لحصر السلاح بيد الدولة
العراق يقترب من تعديل قانون خدمة وتقاعد قوى الأمن الداخلي
4 مباريات اليوم في الجولة الثانية من دوري نجوم العراق
فجوة مالية في العراق تتجاوز 18 تريليون دينار خلال 6 أشهر
العراق أمام ضغط مالي.. 10 تريليونات دينار التزامات شهرية
آبل تغيّر قواعد متجر التطبيقات في أوروبا وتفرض عمولة 5% خارج App Store
ريان كوندال يودّع عالم «Game of Thrones» بعد الموسم الرابع
النفط قرب 92 دولاراً.. ومضيق هرمز يربك الأسواق
اكتشاف جديد يغيّر فهم العلماء لدواء الميتفورمين ودوره في الدماغ
18.9 مليار يورو فاتورة إضافية.. ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الأسر الأوروبية




