البنك المركزي يبرر ولا يكاشف.. أزمة المصارف العراقية تتسع بلا إجابات

المستقلة/- لم ينجح بيان البنك المركزي العراقي الأخير بشأن إصلاح القطاع المصرفي في تهدئة القلق داخل السوق، بقدر ما فتح باباً أوسع للأسئلة حول حجم الأزمة التي تعيشها المصارف العراقية، ومستوى القيود المفروضة عليها، والأسباب التي أوصلت جزءاً من القطاع إلى العزلة عن قنوات التحويل الخارجي.

فالبيان تحدث بلغة عامة عن الامتثال والحوكمة والشفافية واستكمال متطلبات الإصلاح، لكنه تجنب الإجابة عن الأسئلة الأكثر أهمية: كم مصرفاً تم تقييد وصوله إلى التحويلات الخارجية؟ ما طبيعة هذه القيود؟ من يتحمل مسؤولية الوصول إلى هذه المرحلة؟ ومتى يمكن للمصارف المتضررة أن تعود إلى النظام المالي الدولي؟

بيان يشرح الأزمة ولا يكشفها

قال البنك المركزي إن المصارف العراقية تواصل استكمال متطلبات المرحلة الثانية من برنامج الإصلاح، وإن هذه المرحلة تركز على رفع مستويات الامتثال والحوكمة، وتعزيز الشفافية، وتحسين الأداء المؤسسي.

لكن هذه العبارات، على صحتها النظرية، لا تكفي لتفسير ما يجري فعلياً في القطاع المصرفي. فالمشكلة لم تعد في إعلان النوايا الإصلاحية، بل في غياب المعلومات المحددة التي يحتاجها السوق لفهم حجم الأزمة واتجاه معالجتها.

وحين يتحدث البنك المركزي عن “مصارف تم تقييد وصولها إلى قنوات التحويل الخارجي”، فهو يعترف عملياً بوجود خلل عميق داخل القطاع. غير أن الاعتراف يبقى ناقصاً ما دام لا يوضح عدد المصارف المشمولة، أو أسماءها، أو أسباب تقييدها، أو المدة المتوقعة لمعالجة أوضاعها.

المصارف المقيدة.. السؤال الأكبر

يمثل ملف المصارف المقيدة جوهر الأزمة الحالية. فقيود التحويل الخارجي لا تعني مشكلة داخل مصرف بعينه فقط، بل تؤثر في الشركات والمستوردين والمودعين وحركة التجارة والوصول إلى العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية.

ومع ذلك، جاء البيان خالياً من التفاصيل التي كان ينتظرها المتعاملون في السوق. لم يوضح البنك المركزي ما إذا كانت القيود كاملة أم جزئية، ولا ما إذا كانت مرتبطة بالامتثال أو علاقات المراسلة الخارجية أو شبهات تتعلق بالتحويلات.

هذا الغموض يترك السوق أمام التأويلات. وكلما غابت المعلومات الرسمية، تقدمت التسريبات والشائعات، وتحولت الأزمة المصرفية إلى أزمة ثقة أوسع.

أين كانت الرقابة؟

لا يستطيع البنك المركزي أن يقدم نفسه اليوم بوصفه جهة إصلاح فقط، من دون أن يجيب عن مسؤوليته الرقابية في وصول المصارف إلى هذه المرحلة.

فإذا كانت المشكلة في ضعف الامتثال، فإن السؤال هو: لماذا تأخر فرض المعايير؟ وإذا كانت المشكلة في التحويلات الخارجية، فأين كانت الرقابة على المنصة والفواتير وحركة الأموال؟ وإذا كانت المشكلة في علاقات المصارف مع البنوك المراسلة، فلماذا لم تُبنَ هذه العلاقات ضمن خطة واضحة قبل الوصول إلى العزلة الحالية؟

الإصلاح مطلوب، لكن الإصلاح الذي لا يبدأ بالمكاشفة يبقى ناقصاً. والأخطر أن يتحول الخطاب الإصلاحي إلى غطاء لتأجيل الاعتراف بحجم الخلل.

دعوة إلى المصادر الرسمية لا تكفي

طالب البنك المركزي بالاعتماد على قنواته الرسمية فقط في متابعة أخبار الإصلاح المصرفي. وهذه دعوة مفهومة في ظل كثرة الأخبار المتداولة بشأن وضع المصارف.

لكن المشكلة أن المعلومات الرسمية نفسها جاءت محدودة. فالسوق لا يطلب أسراراً رقابية، بل يحتاج إلى بيانات منظمة: عدد المصارف المقيدة، طبيعة القيود بصورة عامة، مراحل المعالجة، ومعايير العودة إلى قنوات التحويل.

محاربة الشائعات لا تكون بالصمت أو البيانات العامة، بل بإفصاح منتظم ومدروس يترك مساحة أقل للتكهنات.

شركة تدقيق أم تمديد جديد للانتظار؟

أعلن البنك المركزي المضي في إجراءات التعاقد مع شركة تدقيق مستقلة ومتخصصة لتقييم المصارف المستوفية لمعايير المرحلة الأولى من برنامج الإصلاح.

هذه الخطوة قد تكون مهمة إذا كانت جزءاً من مراجعة مهنية واضحة. لكن البيان لم يحدد موعد التعاقد، ولا مدة التدقيق، ولا نطاق عمل الشركة، ولا ما إذا كانت النتائج ستعلن للرأي العام أو ستبقى داخل الإطار الرقابي المغلق.

ولهذا يبرز سؤال مشروع: هل ستكون شركة التدقيق أداة لاستعادة الثقة، أم عنواناً جديداً لتمديد الانتظار من دون خريطة زمنية واضحة؟

 

عزلة مصرفية تدفع ثمنها السوق

ظل القطاع المصرفي العراقي لسنوات يعاني من ضعف الامتثال والحوكمة، والاعتماد الكبير على نافذة العملة والتحويلات، والعلاقات المحدودة مع المصارف المراسلة. ومع تشدد الرقابة الدولية، ظهرت هذه الاختلالات بصورة أكثر حدة.

واليوم، لا يدفع ثمن الغموض أصحاب المصارف وحدهم، بل الشركات التي تحتاج إلى التحويلات، والتجار الذين يعتمدون على تمويل الاستيراد، والمودعون الذين يريدون معرفة سلامة مؤسساتهم المالية.

وعندما لا يميز البنك المركزي بوضوح بين المصارف الملتزمة والمصارف المتعثرة، فإن القلق يمتد إلى القطاع كله. وبدلاً من حماية المصارف الجيدة عبر الإفصاح، يترك الغموض الجميع تحت ضغط الشك.

الإصلاح لا ينجح بعبارات عامة

يتحدث البنك المركزي عن الشفافية، لكنه لم يقدم في بيانه ما يكفي منها. ويتحدث عن الحوكمة، لكنه لم يوضح أدوات المحاسبة. ويتحدث عن إصلاح المصارف، لكنه لم يضع جدولاً زمنياً ولا مؤشرات قياس واضحة.

والثقة في القطاع المصرفي لا تُبنى ببيانات مطمئنة، بل بمعلومات قابلة للفهم والمتابعة. فالمطلوب ليس كشف كل التفاصيل الحساسة، بل تقديم الحد الأدنى من المكاشفة الذي يسمح للسوق بتقييم الموقف.

ما المطلوب الآن؟

يحتاج البنك المركزي إلى الانتقال من لغة التبرير إلى لغة الإفصاح. وهذا يتطلب إصدار تحديثات دورية بشأن برنامج الإصلاح، وتوضيح عدد المصارف التي تواجه قيوداً، والمعايير العامة لرفع تلك القيود، ومراحل عودة المصارف المؤهلة إلى قنوات التحويل الخارجي.

كما أن على البنك أن يوضح نتائج ما تحقق من مراحل الإصلاح السابقة، لا أن يكتفي بالإعلان عن مراحل جديدة. فالسوق لا يريد وعوداً مفتوحة، بل يريد معرفة ما الذي تحقق فعلاً، وما الذي تعثر، ومن يتحمل المسؤولية.

بيان البنك المركزي العراقي لم يقدم إجابات كافية عن أزمة المصارف، بل بدا أقرب إلى محاولة تبرير لمسار مرتبك يواجهه القطاع منذ سنوات. فالبيان تحدث عن الإصلاح والامتثال، لكنه لم يكشف حجم المشكلة، ولم يحدد مواعيد، ولم يوضح مصير المصارف المقيدة.

وبينما يحتاج العراق إلى إصلاح مصرفي حقيقي يعيد الثقة ويربط المصارف بالنظام المالي الدولي، فإن هذا الإصلاح لن ينجح إذا ظل محاطاً بالغموض واللغة العامة.

فالمشكلة لم تعد في حاجة القطاع المصرفي إلى الإصلاح، بل في إصرار البنك المركزي على تقديم بيانات لا تكاشف السوق بما يكفي. والثقة لا تُستعاد بالتبرير، بل بالمصارحة، وبخطة واضحة تضع الحقائق أمام الرأي العام، لا خلف عبارات فضفاضة عن الحوكمة والامتثال.

زر الذهاب إلى الأعلى