
في آخر أيامها مديرةً للاستخبارات.. غابارد تُفجّر قنبلة فاوتشي: وثائق سرية تتّهمه بتمويل ووهان وتضليل الكونغرس

واشنطن — في خطوة وصفها المراقبون بأنها الأكثر دراماتيكية في تاريخ الاستخبارات الأمريكية الحديثة، اختارت تولسي غابارد مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية أن تُودّع منصبها بضربة أخيرة تستهدف واحداً من أبرز وجوه الطب الأمريكي في القرن الحادي والعشرين. ففي الثامن عشر من يونيو 2026، وهو ما وصفته بـ”يومها الأخير” في المنصب، نشر مكتبها حزمة وثائق سرية رُفعت عنها السرية بعد مراجعة استمرت عاماً كاملاً، تتضمن اتهامات صريحة وجسيمة للدكتور أنتوني فاوتشي، الرئيس السابق للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية.
وقالت غابارد في بيان مصوّر بثّته على منصة X: “اليوم في يومي الأخير كمديرة للاستخبارات الوطنية، أنشر مراسلات ووثائق لم تُرَ من قبل تكشف كيف أن الدكتور فاوتشي موّل أبحاثاً خطيرة لكسب الوظيفة في مختبر ووهان، وعمل مع عناصر متسيّسة داخل مجتمع الاستخبارات لقمع الحقيقة وإخفاء أصول التسرب المختبري للفيروس، وكذب أمام الكونغرس تحت القسم عام 2024. حان وقت معرفة الحقيقة.”
ماذا تقول الوثائق؟
كشف البيان الرسمي الصادر عن مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية (ODNI) أن فاوتشي، بصفته رئيساً للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية NIAID، أشرف على تمرير ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين إلى معهد ووهان للفيروسات في الصين لتمويل أبحاث “كسب الوظيفة” على فيروسات الكورونا من الخفافيش. ووصف البيان تلك الأبحاث بأنها “تُعدّ الآن على نطاق واسع المصدر للتسرب المختبري غير المتعمد الذي أشعل الجائحة”.
وتتمحور الاتهامات حول ثلاثة محاور متداخلة:
أولاً: التمويل. إشراف فاوتشي على منح مالية وصلت إلى معهد ووهان عبر منظمة EcoHealth Alliance الوسيطة، وذلك لدعم أبحاث يصفها المكتب بـ”الخطيرة” على فيروسات الكورونا من الخفافيش.
ثانياً: التلاعب. اتهام فاوتشي بالتواطؤ مع قيادات متسيّسة في مجتمع الاستخبارات لتوجيه التقييمات نحو نظرية “الأصل الطبيعي” للفيروس، وقمع نظرية التسرب المختبري التي أيّدها عدد من المحققين والمبلّغين عن المخالفات.
ثالثاً: الكذب. اتهامه صراحةً بالكذب أمام الكونغرس تحت القسم عام 2024 فيما يتعلق بطبيعة الأبحاث الممولة أمريكياً في ووهان.
شهادات المبلّغين: أثمان باهظة لمن طالبوا بالحقيقة
تضمّنت الوثائق شهادات من مبلّغين أحالتهم غابارد إلى المفتش العام لمجتمع الاستخبارات. وتُشير تلك الشهادات إلى ضغوط مؤسسية ممنهجة طالت كل من جاهر برأيه: فُصل متعاقد في إطار ما وُصف بأنه انتقام مباشر من إدلائه بشهادته لمكتب مديرة الاستخبارات، فيما ذكّر مديرون لمحللين دافعوا عن نظرية التسرب المختبري بأن “القيادة هي من ستحدد المحللين الجديرين بالترقية”. ويعدّ مكتب غابارد هذه الشهادة رسالةً ضمنية واضحة بأن مخالفة التقييمات الرسمية تُكلّف مخالفيها مساراتهم المهنية بأكملها.
ووثّقت الوثائق كذلك ما وصفه المكتب بـ”نظام أغلقت فيه مجموعة صغيرة من العلماء المدعومين حكومياً دائرةَ التأثير على تقييمات الاستخبارات”، إذ كانت توصيات فاوتشي تُتبنّى بصورة منهجية وتُعتمد مراجع رسمية في تقييمات الأجهزة الاستخباراتية حول أصل الجائحة.
من هي غابارد ولماذا غادرت؟
تولت تولسي غابارد منصب مديرة الاستخبارات الوطنية منذ الثاني عشر من فبراير 2025 بعد تعيينها من قِبَل الرئيس دونالد ترامب وإقرار الكونغرس. وفي مايو 2026، أعلنت استقالتها اعتباراً من نهاية يونيو لرعاية زوجها أبراهام الذي شُخّص بسرطان عظام نادر، في ما وُصف بانتهاء “ولاية مضطربة في أغلب أوقاتها”. وقد أعلن ترامب تعيين بيل بولتي مديراً بالنيابة خلفاً لها.
العفو الرئاسي: الجدار القانوني المنيع
في أبرز التفاصيل القانونية ذات الصلة بمصير هذه الاتهامات، أصدر الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في اليوم الأخير من ولايته في يناير 2025 عفواً استباقياً شاملاً عن فاوتشي، مشيراً إلى أن ذلك جاء في “ظروف استثنائية” لحمايته مما وصفه بـ”الملاحقات المدفوعة سياسياً والتي لا أساس لها”. وأكد بايدن أن إصدار العفو “لا يُعدّ اعترافاً بأي مخالفة، ولا ينبغي أن تُفسَّر الموافقة عليه باعتبارها إقراراً بأي ذنب”.
ويعني هذا عملياً أن الاتهامات الجديدة — مهما بلغت خطورتها — لن تُفضي إلى ملاحقة جنائية بحق فاوتشي طالما ظل العفو الرئاسي سارياً، وهو وضع قانوني لا تستطيع حكومة ترامب تغييره إلا بطعن دستوري غير مسبوق.
ما الذي لم تُحسمه الوثائق؟
رغم ضخامة الادعاءات وصدورها من مكتب حكومي رسمي، تظل جملة من التساؤلات الجوهرية بلا إجابات قاطعة حتى اللحظة:
الإجماع العلمي غائب. لم تتوصل أجهزة الاستخبارات الأمريكية إلى توافق موحّد حول أصل كوفيد-19. فبينما ترجّح كل من مكتب التحقيق الفيدرالي (FBI) ووزارة الطاقة فرضية التسرب المختبري بدرجات متفاوتة من الثقة، تبقى وكالات أخرى متحفظة أو منقسمة. كما أن الوثائق المنشورة لم تخضع بعد لتحقق مستقل خارجي من قِبَل علماء أو هيئات برلمانية مستقلة.
فاوتشي لم يردّ. حتى لحظة نشر هذا التقرير، لم يُصدر فاوتشي أي بيان رسمي يردّ فيه على الاتهامات المحددة الواردة في الوثائق. وقد سعت نيوزويك إلى الوصول إليه عبر معهد جورجتاون للصحة العالمية دون الحصول على تعليق.
التداعيات القانونية غير محسومة. يظل من غير الواضح ما إذا كانت الوثائق ستؤدي إلى تحقيقات رسمية أو إجراءات قانونية في ظل الدرع التي يوفرها عفو بايدن.
في السياق الأشمل
الجدل حول أصل كوفيد-19 ليس وليد اليوم. منذ عام 2020 والتقارير والتحقيقات تتراكم من الطيفَين السياسيَّين الأمريكيَّين حول طبيعة التمويل الحكومي لأبحاث ووهان وملابسات ظهور الوباء الذي قتل ملايين البشر حول العالم. ما أضافته وثائق غابارد هو بُعد استخباراتي رسمي غير مسبوق: اتهام صريح بأن مجتمع الاستخبارات نفسه جرى توظيفه للتغطية على الحقيقة لا للكشف عنها.
وفي مطلع يونيو 2026، سبقت هذه الوثائقَ حزمةٌ أخرى كشف فيها مكتب غابارد عن تمويل أمريكي لأكثر من 120 مختبراً بيولوجياً في أكثر من 30 دولة، بعضها مرتبط بأبحاث على مسببات أمراض خطيرة وما وصفته بـ”أبحاث كسب الوظيفة”.
ما نشرته غابارد في يومها الأخير يُشكّل أكبر وثيقة اتهامية رسمية أمريكية لأعلى مسؤول طبي في تاريخ الولايات المتحدة. لكن الفارق بين الاتهام والإثبات يظل واسعاً: فالوثائق حكومية المصدر لا مستقلة التحقق، والعفو الرئاسي يُرسي جداراً قانونياً منيعاً، والعلم لم يقل كلمته الأخيرة في منشأ الجائحة.
المؤكد حتى اللحظة هو أن أكثر من ست سنوات بعد بداية جائحة قتلت ملايين البشر حول العالم، لا تزال الأسئلة الكبرى معلّقة — وأن المعركة بين من يريدون الكشف ومن يريدون الإغلاق لم تنتهِ بعد.
المصادر الموثّقة: البيان الرسمي لمكتب مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية (ODNI) — 18 يونيو 2026 | نيوزويك | وول ستريت جورنال | IBTimes UK | Tribune India | وكالة أسوشيتد برس | Western Journal





