
81 مصرفًا ومؤسسة مصرفية في العراق.. لماذا يغيب معظمها عن قوائم البنوك العالمية
81 مصرفًا في العراق.. لماذا يغيب معظمها عن التصنيف العالمي
المستقلة/- يمتلك العراق شبكة مصرفية واسعة عدديًا، تضم عشرات المصارف الحكومية والتجارية والإسلامية وفروع المصارف الأجنبية، لكن المفارقة تظهر عند الانتقال من عدد المصارف إلى وزنها الحقيقي على الخريطة المصرفية الدولية؛ إذ لا ينعكس هذا العدد الكبير بحضور مماثل في أبرز التصنيفات العالمية للبنوك.
وتضم المنظومة المصرفية العراقية، وفق القوائم المعتمدة للمصارف العاملة، 8 مصارف حكومية و24 مصرفًا تجاريًا محليًا و31 مصرفًا إسلاميًا محليًا، إضافة إلى 16 فرعًا لمصارف أجنبية ومكتبَي تمثيل، ليصل العدد الإجمالي إلى نحو 81 مؤسسة مصرفية ومكتبًا تمثيليًا.
لكن البحث في أبرز التصنيفات الدولية، وفي مقدمتها قائمة Top 1000 World Banks التي تصدرها مجلة The Banker وتعتمد بصورة رئيسية على حجم رأس المال من الشريحة الأولى Tier 1 Capital، يكشف أن الحضور العراقي في القائمة العالمية ظل محدودًا للغاية قياسًا بعدد المصارف العاملة في البلاد.
ومن أبرز الحالات العراقية الموثقة، المصرف العراقي للتجارة TBI، الذي تمكن خلال سنوات سابقة من دخول قائمة أكبر ألف مصرف في العالم. ووفق البيانات المنشورة رسميًا من المصرف، وصل ترتيبه إلى المركز 319 عالميًا في عام 2020 وفق معيار Tier 1 Capital، بعد أن تقدم 26 مرتبة مقارنة بالعام السابق.
لكن هذه المرتبة تاريخية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها تصنيفًا حديثًا لعام 2026. وحتى أحدث إصدار من قائمة The Banker، لا تتوافر في البيانات العامة المفتوحة مرتبة حديثة موثقة يمكن نسبها إلى جميع المصارف العراقية أو حتى إلى معظمها بصورة منفردة.
وهنا تظهر واحدة من أهم مشكلات قراءة واقع المصارف العراقية: وجود عشرات المصارف لا يعني أن لكل واحد منها ترتيبًا عالميًا. فالترتيبات الدولية الكبرى تعتمد على رأس المال والأصول والربحية والقوة المالية والانتشار ونوعية الميزانية، بينما لا تدخل غالبية المصارف الصغيرة والمتوسطة أصلًا ضمن هذه القوائم.
ويزداد الفارق وضوحًا عند مقارنة العراق بالأنظمة المصرفية الخليجية. فدول مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت تمتلك عددًا أقل من المصارف في بعض الحالات، لكنها تسجل حضورًا أقوى في التصنيفات العالمية، لأن عدة مصارف فيها تمتلك رؤوس أموال وأصولًا ومعدلات ربحية وانتشارًا دوليًا أكبر بكثير.
أما في العراق، فيشير صندوق النقد الدولي إلى أن النظام المصرفي ما يزال يتركز بصورة كبيرة حول مصرفين حكوميين رئيسيين، فيما تبقى المصارف الخاصة صغيرة نسبيًا وتواجه تحديات تتعلق بمحدودية رأس المال وقاعدة العملاء والمنافسة مع المصارف الحكومية. كما أشار الصندوق إلى أن هيمنة المصارف الحكومية الكبيرة شكلت عائقًا أمام ظهور مصارف خاصة أقوى.
وأشار صندوق النقد كذلك إلى ضرورة استكمال إعادة هيكلة المصارف الحكومية وتحديث النظام المصرفي وتوسيع علاقات المراسلة الدولية للمصارف الخاصة، باعتبارها خطوات أساسية لدمج القطاع المصرفي العراقي بصورة أوسع في النظام المالي العالمي.
والأكثر دلالة هو تقييم المخاطر الذي تجريه وكالة S&P Global Ratings للأنظمة المصرفية حول العالم. ففي تحديثها الصادر في تموز/يوليو 2026، وضعت الوكالة النظام المصرفي العراقي ضمن BICRA Group 10. (S&P Global)
وهذه المجموعة لا تعني أن العراق يحتل المركز العاشر عالميًا؛ بل إن مقياس S&P يمتد من المجموعة الأولى إلى العاشرة، بحيث تمثل المجموعة الأولى الأنظمة الأقل مخاطر، فيما تمثل المجموعة العاشرة الأنظمة الأعلى مخاطر. وبذلك يقع العراق ضمن أعلى مستويات المخاطر المصرفية في هذا المقياس الدولي.
وتظهر المقارنة الإقليمية اتساع الفجوة. ففي تقييم S&P نفسه، جاءت السعودية ضمن المجموعة الثالثة، والإمارات وقطر ضمن المجموعة الرابعة، والكويت ضمن المجموعة الثالثة، بينما جاء الأردن ضمن المجموعة السادسة، في حين بقي العراق في المجموعة العاشرة.
وهذا لا يعني أن جميع المصارف العراقية متعثرة أو متشابهة في أوضاعها، لأن تقييم BICRA يتعلق بالمخاطر المصرفية على مستوى الدولة والنظام المالي ككل، وليس تصنيفًا منفردًا لكل مصرف. لكنه يعكس البيئة التي تعمل فيها هذه المؤسسات، ومدى قوة النظام الرقابي والاقتصادي والمالي الذي يحيط بها.
وتلفت S&P كذلك إلى أن الاقتصاد العراقي شديد الحساسية لتحركات سوق النفط، وأن الاعتماد المرتفع على النفط والتقلبات السياسية والاقتصادية تؤثر على البيئة التشغيلية للمصارف. وقد وصفت الوكالة البيئة المصرفية العراقية في تقاريرها بأنها بيئة تشغيلية ضعيفة نسبيًا مقارنة بأنظمة مصرفية أخرى.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم مصرفًا لدى العراق؟ بل: كم مصرفًا منها قادر على المنافسة عالميًا؟
فوجود عشرات المصارف لا يتحول تلقائيًا إلى قطاع قوي ما لم تتوافر مصارف ذات رسملة كبيرة، وقواعد ودائع مستقرة، وربحية مستدامة، وحوكمة قوية، وأنظمة امتثال فعالة، وعلاقات مراسلة دولية، وتصنيفات ائتمانية قابلة للمقارنة مع المؤسسات الإقليمية والدولية.
كما أن وجود 16 فرعًا لمصارف أجنبية في العراق لا يعني دخولها ضمن تصنيف المصارف العراقية عالميًا؛ لأن التصنيف الذي قد تتمتع به مجموعة مصرفية مثل Standard Chartered أو غيرها يعود إلى البنك الأم ومجموعته العالمية، وليس إلى فرعه العامل داخل العراق بوصفه مصرفًا عراقيًا مستقلًا.
وعليه، فإن وصف جميع المصارف الـ81 بأنها تحمل “تصنيفًا عالميًا” غير دقيق. الجزء الأكبر منها لا يمتلك أصلًا مركزًا منشورًا في أبرز قوائم ترتيب أكبر البنوك في العالم، فيما يظهر عدد محدود في بيانات أو تقييمات دولية منفردة.
وبين كثرة العدد وضعف الحضور الدولي، يبدو أن التحدي المقبل أمام البنك المركزي العراقي لن يكون فقط الحفاظ على عشرات التراخيص المصرفية، بل بناء قطاع أقل تشظيًا وأكثر قوة وقدرة على المنافسة.
الإصلاح الجاري للقطاع المصرفي قد يؤدي خلال المرحلة المقبلة إلى إعادة ترتيب السوق، ورفع متطلبات رأس المال والامتثال والحوكمة، وربما تقليص عدد المصارف الضعيفة أو دمج بعضها، مقابل بناء مؤسسات أكبر وأكثر قدرة على الاتصال بالنظام المالي الدولي.
وفي المحصلة، يمكن اختصار المشهد بجملة واحدة:
العراق يملك عشرات المصارف، لكنه لا يملك حتى الآن عشرات البنوك ذات الوزن العالمي.
فالعدد وصل إلى نحو 81 مؤسسة مصرفية ومكتبًا تمثيليًا، لكن الحضور في التصنيفات العالمية الكبرى يبقى محدودًا، في وقت ما يزال فيه النظام المصرفي العراقي مصنفًا ضمن أعلى مجموعات المخاطر لدى S&P.
وهذا يضع القطاع أمام اختبار حقيقي: هل تنجح الإصلاحات المقبلة في تحويل “كثرة المصارف” إلى “قوة مصرفية”، أم أن خريطة المصارف العراقية ستشهد خلال السنوات المقبلة تقليصًا واندماجات وإعادة هيكلة واسعة؟

أخبار قد تهمك
الجزائر تقرر قطع علاقاتها مع الإمارات
النائب الخفاجي يطالب رئيس الوزراء بالتدخل الفوري للحسم في قضية “مجمع الفردوس” بكربلاء
الشمري تطالب بلجنة رقابية حازمة للحد من التجاوزات على عقارات الدولة
الموسوي يحذر من انهيار الصناعة الوطنية جراء رفع أسعار الوقود ويدعو لحلول رقابية بديلة
النزاهة تضبط موظفين في بلدية الموصل بتهمة سرقة 60 دفتر وصولات جباية واستغلالها خارج القانون
العراقيون يتصدرون الاستثمار العقاري للأجانب في الأردن.. 63 مليون دينار خلال 8 أشهر
النزاهة ورئاسة الجمهورية توحّدان الجهود لملاحقة الفساد واسترداد المال العام
30 أيلول موعد نهائي.. العراق يؤكد انتهاء مهمة التحالف الدولي والانسحاب مستمر
رفع الدعم عن الوقود يهدد صناعة الأسمنت في العراق ويرفع كلف الإنتاج
التربية تطلق المرحلة الثانية من اختبارات الموهوبين
15 يوماً لحسمها.. تحرك نيابي لإنهاء شغور 9 حقائب وزارية»





