
166 شركة صرافة في العراق.. لماذا وسّع البنك المركزي سوق الدولار وأهمل قطاع الإنتاجية؟
المستقلة/- يفتح عدد شركات الصرافة المجازة في العراق بابًا واسعًا للتساؤل عن سياسة البنك المركزي في إدارة سوق الدولار، ودوره في توجيه النشاط المالي داخل اقتصاد يعاني أصلًا من ضعف القطاعات الإنتاجية، وتراجع مساهمة الصناعة والزراعة، واتساع الاعتماد على الاستيراد والعملة الأجنبية.
فالحديث عن وجود نحو 166 شركة صرافة في العراق لا يبدو رقمًا إداريًا عابرًا، بل مؤشرًا على خيار اقتصادي أوسع: هل ذهبت السياسة النقدية خلال السنوات الماضية إلى تنظيم الحاجة الفعلية للسوق، أم أنها ساهمت في توسيع منافذ التعامل بالدولار، بينما بقي الاقتصاد المنتج خارج دائرة الدعم الفعلي؟ وتقوم زاوية التقرير الأصلية على مساءلة سياسة الترخيص والرقابة لدى البنك المركزي، وما إذا كان التوسع في منح إجازات الصرافة حاجة اقتصادية أم تضخمًا في قطاع حساس مرتبط بالدولار.
سوق الدولار يتمدد
في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، تصبح شركات الصرافة جزءًا مباشرًا من حركة السوق اليومية. فالتاجر يحتاج إلى الدولار، والمستورد يبحث عن التحويل، والمواطن يتابع سعر الصرف بوصفه عاملًا مؤثرًا في الأسعار والقدرة الشرائية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يصبح قطاع الصرافة بهذا الحجم في اقتصاد يفترض أن ينتقل تدريجيًا إلى المصارف والدفع الإلكتروني وتمويل المشاريع الإنتاجية؟
إذا كانت كثرة شركات الصرافة تعكس حاجة السوق إلى العملة الأجنبية، فإنها تكشف في المقابل عن خلل أعمق في بنية الاقتصاد العراقي، حيث لا تزال التجارة والاستهلاك والاستيراد أكثر حضورًا من الصناعة والزراعة والتشغيل الحقيقي.
أين القطاعات الإنتاجية؟
القطاعات الإنتاجية في العراق، خصوصًا الصناعة والزراعة، لم تحصل على زخم مماثل لما حصل عليه سوق الدولار والصرافة. فالمصانع تعاني من ضعف التمويل، والزراعة تواجه أزمات مياه وتكاليف وتسويق، والقطاع الخاص المنتج ما زال عاجزًا عن منافسة الاستيراد المفتوح.
في المقابل، نشأ قطاع واسع من الصرافة والتوسط ببيع وشراء العملات الأجنبية، يتحرك حول الدولار وحاجة السوق إليه. وهنا تظهر المفارقة: هل كان الأجدر بالسياسات المالية والنقدية أن توسع أدوات تمويل الإنتاج، أم توسع منافذ بيع وشراء العملة؟
البنك المركزي ليس وزارة صناعة أو زراعة، لكنه يمتلك أدوات مؤثرة في توجيه القطاع المصرفي والمالي. وعندما تبقى المصارف ضعيفة في تمويل المشاريع، بينما تتسع أنشطة الصرافة والحوالات، يصبح السؤال مشروعًا عن أولويات السياسة النقدية والرقابية.
الصرافة بدل المصارف
العدد الكبير لشركات الصرافة قد يعكس أيضًا ضعف الدور الحقيقي للمصارف. فالمواطن والتاجر الصغير غالبًا ما يجدان في شركة الصرافة منفذًا أسرع وأسهل من البنك، سواء لشراء الدولار أو إتمام بعض المعاملات المرتبطة بالتحويلات.
هذا الواقع يضع البنك المركزي أمام سؤال أساسي: هل عالج ضعف المصارف عبر تقويتها ودفعها لتمويل الاقتصاد، أم سمح لشركات الصرافة بأن تملأ الفراغ؟
فالمصرف، في الاقتصاد السليم، يفترض أن يكون قناة للادخار والتمويل والاستثمار. أما شركة الصرافة، فهي قناة لخدمة العملة والتحويل. وحين تتمدد القناة الثانية على حساب الأولى، يتحول الاقتصاد تدريجيًا إلى اقتصاد نقدي يدور حول الدولار بدل أن يدور حول الإنتاج.
رقابة أعقد ومخاطر أكبر
كل شركة صرافة إضافية تعني منفذًا جديدًا للتعامل النقدي، وحاجة أكبر إلى الرقابة والامتثال والتدقيق. وهذا يرفع العبء على البنك المركزي في متابعة مصادر الأموال، وحركة الدولار، والالتزام بالتعليمات، ومخاطر السوق الموازي.
ومع استمرار الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق في فترات مختلفة، يصبح السؤال أكثر حساسية: هل ساعد هذا العدد من الشركات على استقرار سعر الصرف، أم وسّع دائرة الوسطاء داخل سوق الدولار؟
الاختبار الحقيقي لا يكون بعدد الشركات المجازة، بل بنتائجها: هل خفّضت كلفة الحصول على الدولار؟ هل قللت المضاربة؟ هل عززت الشفافية؟ هل نقلت السوق إلى مسار مصرفي منظم؟ أم أنها أبقت الاقتصاد يدور داخل حلقة النقد والاستيراد؟
مسؤولية البنك المركزي
لا يمكن تحميل البنك المركزي وحده مسؤولية ضعف القطاعات الإنتاجية في العراق، فالأزمة ترتبط أيضًا بالحكومات المتعاقبة، والسياسات التجارية، والفساد، وضعف البنية التحتية، وتراجع الاستثمار، وغياب الحماية الفعلية للمنتج المحلي.
لكن في ملف الصرافة تحديدًا، يبقى البنك المركزي هو الجهة التي تمنح الإجازات، وتضع الضوابط، وتراقب الالتزام، وتسحب الترخيص عند المخالفة. لذلك فإن مساءلته عن هذا العدد ليست استهدافًا سياسيًا، بل سؤالًا اقتصاديًا مشروعًا.
ما المعايير التي اعتمدها البنك المركزي في منح الإجازات؟ هل توجد دراسة تحدد حاجة السوق الفعلية لهذا العدد؟ كم شركة فعالة فعليًا؟ كم شركة تعرضت لعقوبات أو إنذارات؟ وهل لدى البنك المركزي خطة لتقليص التشتت وتحويل النشاط المالي نحو المصارف والتمويل المنتج؟
اقتصاد الدولار أم اقتصاد الإنتاج؟
تكمن خطورة الرقم في أنه يعكس اتجاهًا أوسع داخل الاقتصاد العراقي. فكلما زادت الحاجة إلى الدولار والصرافة، تراجع الحديث عن الإنتاج. وكلما توسعت السوق النقدية، بقيت المصارف عاجزة عن تمويل المشاريع. وكلما بقي الاستيراد هو المحرك الأكبر للسوق، ظلت الصناعة والزراعة خارج دائرة التأثير الحقيقي.
لذلك، فإن السؤال لا يتعلق فقط بـ166 شركة صرافة، بل بنموذج اقتصادي كامل: هل يريد العراق اقتصادًا يدير الدولار، أم اقتصادًا ينتج ويصدر ويوظف؟
إن وجود 166 شركة صرافة في العراق يطرح أسئلة ثقيلة على البنك المركزي والسياسة الاقتصادية عمومًا. فقد يكون هذا العدد استجابة لحاجة السوق، لكنه قد يكون أيضًا دليلًا على توسع اقتصاد الدولار على حساب الاقتصاد المنتج.
وبينما يحتاج العراق إلى مصارف قوية تمول الصناعة والزراعة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، يبدو أن قطاع الصرافة أصبح أكثر حضورًا في حياة السوق من القطاعات التي يفترض أن تخلق العمل والثروة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: هل وسّع البنك المركزي سوق الدولار لأنه ضرورة اقتصادية، أم أن هذا التوسع جاء على حساب بناء اقتصاد إنتاجي قادر على تقليل الحاجة أصلًا إلى الدولار؟





