مكافحة الفساد لا تبرر انتهاك الحقوق الدستورية للمتهمين

المستقلة/- فتحت حملة مكافحة الفساد التي تشهدها بغداد ملفًا لا يقل حساسية عن أصل الاتهامات المالية، يتعلق بطريقة التعامل مع المتهمين أثناء تنفيذ أوامر القبض، وحدود ما يجوز للسلطة أن تفعله باسم مكافحة الفساد من دون المساس بالكرامة الإنسانية والحقوق الدستورية.

وتأتي هذه التساؤلات بعد حملة اعتقالات طالت نوابًا ومسؤولين وشخصيات سياسية، من بينهم رئيس تحالف العزم مثنى السامرائي، ضمن إجراءات مرتبطة بملفات فساد وهدر في المال العام، بحسب ما تداولته وسائل إعلام محلية وعربية خلال الساعات الماضية.

ورغم أن مكافحة الفساد تمثل مطلبًا شعبيًا وسياسيًا ملحًا، فإن طريقة تنفيذ الإجراءات، بحسب مصادر تحدثت لـ”المستقلة”، أثارت مخاوف من تحول الحملة إلى مسار يتجاوز حدود القانون، خصوصًا إذا ثبت أن بعض المتهمين تعرضوا للإهانة أو المعاملة القاسية قبل عرضهم على القضاء.

وقالت مصادر مطلعة لـ”المستقلة”، مشترطة عدم الكشف عن أسمائها أو وظائفها، إن عددًا من المتهمين في حملة مكافحة الفساد تعرضوا، خلال مراحل القبض أو الاحتجاز الأولي، إلى “إهانات ومعاملة غير دستورية” بذريعة خطورة الملفات التي يواجهونها.

وقال أحد المصادر إن مثنى السامرائي وثلاثة نواب آخرين تعرضوا، بحسب روايته، إلى “معاملة خشنة” واستخدام ألفاظ وعبارات خادشة، قبل أن يتم تقييدهم وتركهم بوضع مهين لفترة تجاوزت ثلاث ساعات.

وأكد مصدر ثانٍ أن بعض النواب، عندما كانوا يطالبون بحقوقهم الدستورية أو يسألون عن إجراءات التوقيف، كان يجري الرد عليهم بعبارات قاسية ومهينة، في مشهد قال إنه “لا ينسجم مع مكانتهم القانونية كمتهمين لم تصدر بحقهم أحكام قضائية”.

وشدد مصدر ثالث على أن “أغلب، إن لم يكن جميع، المعتقلين تمت معاملتهم بطريقة قاسية ومهينة”، معتبرًا أن المبرر المعلن كان “حجم الفساد وخطورة الملفات”، وهو مبرر لا يجيز، بحسب المصدر، خرق الدستور أو إسقاط حقوق المتهمين.

ولم يتسنَّ لـ”المستقلة” التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل هذه الروايات، كما لم يصدر حتى إعداد هذا التقرير توضيح رسمي مفصل بشأن ظروف تنفيذ أوامر القبض أو طريقة التعامل مع المتهمين أثناء الاحتجاز الأولي.

لكن الجدل يطرح سؤالًا قانونيًا مباشرًا: هل تسمح خطورة التهم، مهما بلغت، بتجاوز قواعد المعاملة الإنسانية؟ الجواب الدستوري واضح؛ فالمادة 15 من الدستور العراقي تقرر أن لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية، ولا يجوز تقييد هذه الحقوق إلا وفقًا للقانون وبناءً على قرار صادر من جهة قضائية مختصة. أما المادة 37 فتذهب أبعد من ذلك، إذ تنص على أن حرية الإنسان وكرامته مصونة، وتحظر التوقيف أو التحقيق إلا بموجب قرار قضائي، كما تحرم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية.

كما أن المادة 19/خامسًا تنص على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة، فيما تؤكد المادة 19/سادسًا حق كل فرد في أن يعامل معاملة عادلة في الإجراءات القضائية والإدارية. وهذا يعني أن المتهم لا يفقد حقوقه لحظة القبض عليه، ولا تتحول التهمة، مهما كانت خطيرة، إلى إذن بإهانته أو التعامل معه كمدان قبل صدور حكم قضائي بات.

وتضع المادة 46 من الدستور قيدًا حاسمًا على أي سلطة تريد تقييد الحقوق والحريات، إذ لا يكون التقييد إلا بقانون أو بناءً عليه، على ألا يمس ذلك جوهر الحق أو الحرية. وبذلك فإن إجراءات القبض أو التوقيف، حتى إذا استندت إلى أوامر قضائية، يجب أن تبقى محكومة بحدود الضرورة القانونية، ولا يجوز أن تتحول إلى معاملة مهينة أو عقوبة مسبقة خارج حكم القضاء.

سياسيًا، تكمن خطورة هذه الروايات في أنها قد تضعف شرعية الحملة نفسها. فالقوة الحقيقية لأي حملة ضد الفساد لا تقاس بعدد المعتقلين أو حجم الأموال المعلنة، بل بقدرتها على احترام القانون وهي تواجه من تتهمهم بخرقه.

وإذا ثبت أن بعض المتهمين تعرضوا للإهانة أو المعاملة القاسية، فإن ذلك سيمنح خصوم الحملة فرصة لتحويل النقاش من أصل ملفات الفساد إلى شرعية الإجراءات، وقد يؤدي إلى الطعن ببعض المسارات القانونية أو التشكيك في حيادها.

كما أن التعامل المهين مع متهمين سياسيين أو نواب سابقين وحاليين قد يعمق الانقسام السياسي والطائفي، خصوصًا إذا تزامن مع اتهامات قائمة أصلًا بأن الحملة انتقائية أو موجهة ضد أذرع بعض القوى السياسية دون غيرها.

ولا يعني الدفاع عن حقوق المتهمين تبرئة أي شخص من قضايا الفساد، كما لا يعني تعطيل ملاحقة المال العام. لكن الدولة التي تريد استرداد الأموال المنهوبة لا تستطيع أن تبدأ بإهدار قواعد العدالة، لأن مكافحة الفساد خارج الدستور تتحول من إصلاح إلى انتقام.

المطلوب اليوم ليس وقف التحقيقات، بل ضبطها بالقانون. ويشمل ذلك إعلان الجهة المسؤولة عن تنفيذ أوامر القبض، وتمكين المتهمين من الاتصال بمحاميهم، ومنع الإهانات الجسدية واللفظية، وتوثيق إجراءات التوقيف، وفتح تحقيق مستقل في أي ادعاء يتعلق بسوء المعاملة.

فالعراق لا يحتاج إلى حملة فساد قوية فقط، بل إلى حملة نظيفة قانونيًا ودستوريًا. وإذا كانت الحكومة تريد أن تثبت أن ما يجري إصلاح حقيقي لا تصفية حسابات، فعليها أن تجعل كرامة المتهم وحقوقه جزءًا من قوة الدولة، لا عقبة أمامها.

فالفساد جريمة خطيرة، لكن انتهاك حقوق المتهمين باسم مكافحته يفتح بابًا أخطر: أن تصبح الدولة نفسها متهمة بتجاوز الدستور وهي تزعم حمايته.

زر الذهاب إلى الأعلى