
مكافحة الفساد في العراق.. صولة قضائية أم حملة سياسية بغطاء القانون؟
المستقلة/ تحقيق قانون، سياسي/- لا يمكن النظر إلى حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي بوصفها عملية عابرة، أو مجرد مداهمات أمنية ضد متهمين بالاستيلاء على المال العام. فما جرى يفتح سؤالاً أخطر من أسماء الموقوفين وحجم الأموال المضبوطة: من هي الجهة المختصة دستورياً بمكافحة الفساد في العراق؟ الحكومة أم البرلمان أم القضاء؟
هذا السؤال ليس نظرياً. فخلال أكثر من عشرين عاماً، رفع أكثر من رئيس وزراء شعار مكافحة الفساد، من نوري المالكي إلى حيدر العبادي، ثم عادل عبد المهدي، ومصطفى الكاظمي، ومحمد شياع السوداني، وصولاً إلى علي الزيدي. وفي كل مرة كان الشعار يبدأ كبيراً، ثم ينتهي غالباً إلى مأساة سياسية أو قانونية أو حقوقية بعد انتهاء ولاية الحكومة، أو يتحول إلى أداة لتصفية خصوم، أو إلى ملفات مفتوحة بلا أحكام نهائية واضحة. وتشير صحيفة الشرق الأوسط إلى أن العراق شهد تشكيل هيئات ولجان متعددة لمكافحة الفساد منذ عام 2007، من دون أن ينعكس ذلك جذرياً على بنية الفساد في الدولة.
في الظاهر، تقول الحكومة إن “صولة الفجر” حملة ضد الفاسدين. لكن في العمق، تبدو العملية أقرب إلى اختبار دستوري خطير بين ثلاث سلطات: سلطة تنفيذية متهمة تاريخياً بإنتاج بيئة الفساد من خلال العقود والتعيينات والموازنات، وسلطة تشريعية قصّرت أو تواطأت عبر الرقابة الانتقائية ورفع الحصانات بحسب الموازين السياسية، وسلطة قضائية بقيت لسنوات طويلة أقرب إلى موقع رد الفعل منها إلى موقع المبادرة في تفكيك شبكات الفساد الكبرى.
الدستور العراقي لم يترك هذا الأمر في منطقة رمادية. فالمادة 47 نصت على أن السلطات الاتحادية، التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات. كما نصت المادة 87 على استقلال السلطة القضائية، وقررت المادة 88 أن القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة. أما المادة 19 فتضع أصل البراءة وحق الدفاع والمحاكمة العادلة في صلب الشرعية القانونية.
بناء على ذلك، فإن مكافحة الفساد عندما تكون في مستوى الوقاية الإدارية، فهي من واجب الحكومة: ضبط العقود، إيقاف الهدر، إصلاح المناقصات، مراجعة المشاريع، حماية المال العام، وإحالة المخالفات إلى الجهات المختصة. لكنها لا تملك أن تتحول إلى سلطة اتهام أو تحقيق أو تشهير. وعندما تكون مكافحة الفساد في مستوى الرقابة، فهي من واجب البرلمان: مساءلة الوزراء، تشكيل لجان تقصي حقائق، استجواب الحكومة، تعديل القوانين، ورفع الحصانة عند وجود طلب قضائي مستوفٍ للشروط. لكنه لا يملك أن يتحول إلى محكمة سياسية أو غطاء لحماية المتهمين. أما عندما تصل مكافحة الفساد إلى القبض والتوقيف والتحقيق والإحالة، فهي اختصاص قضائي بحت، لا يجوز أن تدار بمنطق الحملات الحكومية أو الاصطفافات البرلمانية.
وهنا يظهر الخلل في عملية صولة الفجر. فالمعلومات المنشورة تفيد بأن قوات أمنية نفذت مداهمات داخل المنطقة الخضراء واعتقلت سياسيين ومسؤولين ونواباً ضمن حملة قيل إنها تمت بأوامر مباشرة من رئيس الوزراء، بعد صدور مذكرات قبض قضائية. وذكرت رويترز أن العملية جرت بقرار مباشر من الزيدي بعد إصدار السلطات القضائية أوامر قبض، وأن وكالة الأنباء العراقية تحدثت عن توقيف 47 مشتبهاً بهم بينهم نواب ومسؤولون. كما أفادت أسوشيتد برس بأن الاعتقالات شملت 12 نائباً حالياً، وأن الاتهامات التفصيلية لم تكن واضحة فوراً، رغم حديث قاضٍ مختص عن استغلال موارد الدولة والانتفاع من العقود الحكومية لأغراض انتخابية أو شخصية.
هذه الصياغة وحدها تثير القلق: هل نحن أمام ملف قضائي قادته الأدلة وانتهى إلى تنفيذ أمني، أم أمام قرار سياسي بدأ من رأس الحكومة ثم جرى تغليفه بأوامر قضائية؟ الفارق بين الحالتين جوهري وخطير. في الحالة الأولى نكون أمام دولة قانون. وفي الحالة الثانية نكون أمام سلطة تنفيذية تستخدم القضاء كغطاء لإدارة لحظة سياسية معقدة.
والاكثر خطورة، هي أن الحكومة أنشأت، وفق تقارير منشورة، ما سمي بـ”المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد الأموال العامة”، برئاسة رئيس الوزراء وعضوية جهات رقابية يفترض أنها تراقب السلطة التنفيذية نفسها. ونقلت الشرق الأوسط انتقادات نيابية لهذا الكيان، من بينها أن ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة جهات مستقلة مرتبطة بالبرلمان أو ذات طبيعة رقابية، ومهمتها مراقبة الوزارات والوزراء ورئيس الحكومة، لا العمل تحت رئاسته.
هذا ليس تفصيلاً إدارياً. إنه يمس جوهر مبدأ الفصل بين السلطات. فإذا كانت الحكومة، وفق مبدأ استمرارية عملها، هي البيئة التي تتولد فيها أغلب عقود الدولة وموازناتها وتعييناتها ومنافذ الهدر، فكيف تصبح هي نفسها القائد الأعلى لملف يفترض أن يحقق في مخالفات داخل السلطة التنفيذية؟ وكيف يمكن لجهات رقابية أن تحقق باستقلال إذا كانت تجتمع تحت مظلة من يجب أن تخضع أعماله للرقابة؟
التجربة العراقية السابقة تمنح هذا السؤال ثقلاً إضافياً. لجنة مكافحة الفساد المعروفة بلجنة “أبو رغيف”، التي تشكلت في عهد مصطفى الكاظمي، انتهت إلى قرار من المحكمة الاتحادية العليا بإلغاء الأمر الديواني الخاص بتشكيلها لمخالفته مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء، فضلاً عن مساسه بحماية حرية الإنسان وكرامته. وقد أشارت تقارير لاحقة إلى مزاعم خطيرة عن انتهاكات حقوقية وتعذيب وانتزاع اعترافات في سياق تلك الحملة.
هذه السابقة يجب أن تكون إنذاراً لا تفصيلاً من الماضي. فكل حملة فساد تقودها السلطة التنفيذية خارج الحدود الدقيقة لاختصاصها معرضة لأن تتحول لاحقاً إلى ملف انتهاكات، أو إلى صراع سياسي، أو إلى موجة اتهامات متبادلة بين الحكومات المتعاقبة. وهذا ما يجعل حملة الزيدي، حتى لو استندت إلى ملفات حقيقية، بحاجة إلى اختبار صارم: من بدأ التحقيق؟ من جمع الأدلة؟ من قرر ترتيب الأسماء؟ من طلب رفع الحصانة؟ من حدد توقيت المداهمات؟ ومن يملك قرار التسوية أو الاستمرار؟
إن وجود الفساد في العراق لم يعد محل جدل. العراق ما زال في موقع متأخر على مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، إذ حصل على 28 درجة من 100 واحتل المرتبة 136 من أصل 182 دولة، بحسب منظمة الشفافية الدولية. لكن خطورة الفساد لا تبرر إسقاط الدستور. فالدولة التي تكافح الفساد خارج القانون تنتج فساداً من نوع آخر: فساد السلطة، وفساد الانتقائية، وفساد استعمال الأجهزة العامة في إدارة الصراع السياسي.
المسؤولية الأولى تقع على الحكومات المتعاقبة، لأنها أدارت المال العام والعقود والوزارات والمشاريع، وهي التي سمحت بتضخم شبكات المحاصصة داخل مؤسسات الدولة. الحكومة ليست حكماً محايداً في ملف الفساد، بل هي المتهم الأول سياسياً وإدارياً، ليس بالمعنى الجزائي ضد كل من تولى موقعاً فيها، بل باعتبارها مركز إدارة الموارد العامة ومصدر القرارات التي أنتجت الهدر والنهب وسوء التعاقد.
أما البرلمان، فقد تحول في كثير من المراحل من سلطة رقابية إلى شريك في الأزمة. فالنواب والكتل يملكون أدوات الرقابة والاستجواب والتشريع، لكنهم غالباً ما استخدموها بانتقائية، أو عطلوها عندما تقترب من مصالح الكتل. وإذا ثبت أن الحصانات رُفعت أو حُميت وفق ميزان سياسي لا قضائي، فإن البرلمان لا يكون مقصراً فقط، بل شريكاً في تسييس العدالة.
ويبقى القضاء أمام السؤال الأصعب. فإذا كان القضاء هو صاحب الاختصاص الأصيل في التحقيق والمحاكمة، فلماذا ظلت ملفات الفساد الكبرى طوال سنوات تتراكم من دون حسم جذري؟ ولماذا لا تظهر الملفات الكبرى إلا عند تبدل الحكومات أو اشتداد الصراع السياسي؟ القضاء هو الجهة الوحيدة القادرة على تحويل مكافحة الفساد من شعار إلى مسار قانوني، لكنه يفقد هذه القدرة إذا بدا متفرجاً حيناً، أو مستدعًى إلى المشهد حين تقرر السلطة التنفيذية فتح معركة سياسية حيناً آخر.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من حملة مداهمات، بل من إعادة ترتيب الاختصاصات. الحكومة يجب أن تُمنع من قيادة التحقيقات، وأن يقتصر دورها على الوقاية الإدارية والتنفيذ الأمني لأوامر القضاء. البرلمان يجب أن يلتزم بالرقابة والتشريع ورفع الحصانة وفق طلبات قضائية لا مساومات سياسية. القضاء يجب أن يتصدر الملف بصفته سلطة مستقلة، معلناً حدود الإجراءات وضمانات المتهمين ومسار القضايا، بعيداً عن التسويق الحكومي والاستعراض الإعلامي.
أما هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية فيجب أن يبقيا خارج هيمنة الحكومة، لأن معناهما المؤسسي يقوم على مراقبة السلطة التنفيذية لا الاندماج معها. وأي مجلس أو لجنة أو غرفة عمليات تجعل رئيس الحكومة فوق الجهات الرقابية تفتح الباب أمام شبهة دستورية، حتى لو رفعت شعار استرداد الأموال العامة.
الخلاصة أن ما جرى في عملية الزيدي يميل، في صورته السياسية والإعلامية الحالية، إلى التسييس أكثر مما يميل إلى مسار قضائي منسجم تماماً مع الدستور ومعايير حقوق الإنسان. قد تكون هناك ملفات فساد حقيقية، وقد يكون بين الموقوفين من ارتكب جرائم خطيرة بحق المال العام، لكن عدالة القضية لا تكفي وحدها إذا اختلت عدالة الإجراءات.
الفساد في العراق لم ينفجر فجأة. الذي انفجر هو الغطاء السياسي الذي كان يحميه أو يتعايش معه. ولذلك لا يجوز أن تتحول لحظة الانفجار إلى حملة انتقام أو إعادة توزيع للنفوذ. المسؤولية تتحملها منظومة حكم كاملة: حكومة أنتجت بيئة الفساد، وبرلمان قصّر أو تواطأ، وقضاء تأخر في المبادرة والحسم. أما الإصلاح، فلا يقوده رئيس وزراء منفرد، ولا كتلة برلمانية، ولا لجنة طارئة، بل يقوده قضاء مستقل، ورقابة غير خاضعة للحكومة، وبرلمان يستعيد وظيفته، وحكومة تقبل أن تكون خاضعة للمحاسبة لا قائدة لها.





