سردية النفي وسلطة الأصل

تأملات في خطاب التجنيس السردي

أمجد نجم الزيدي

في قراءتي لمقالة الدكتورة نادية هناوي الموسومة بـ(التجنيس الأدبي من وجهة غير غربية)، والمنشورة في الملحق الثقافي لجريدة طريق الشعب بتاريخ الثلاثاء 1 تموز 2025، وجدت أنني أمام مقالة ذات طابع حماسي، تطمح إلى مساءلة التمركز الغربي في تأريخ الأجناس الأدبية، وإعادة الاعتبار للتقاليد السردية العربية التي غُيبت أو أُقصيت عمداً أو غفلة من السرديات الأوروبية، وهي أطروحة جذابة في ظاهرها، خاصة في ظل الهيمنة الطويلة للمقولات النقدية الغربية، غير أن ما أثير في المقالة لا يخلو من إشكاليات نقدية ومعرفية تستوجب المراجعة، ليس بقصد دحض الفكرة، بل لتحريرها من الحماسة الانفعالية التي قد تُعطل قدرتها على الإقناع.
لقد استوقفتني منذ الفقرة الأولى نبرة الحكم القاطع التي وُجه بها الاتهام إلى جُل النقاد بوصفهم تابعين بلا وعي للمنظومة الغربية، منقادين لأحكامها، مقدسين لأدواتها، لا يجتهدون، ولا يناقشون، ولا يعترضون، هذا التعميم، فضلاً عن افتقاده للدقة، ينم عن ضيق في تصور طبيعة العلاقة المعقدة بين المثقف العربي والمرجعيات الغربية، فليس كل اعتماد على أدوات الغرب يُعد انقياداً، وليس كل حوار مع نظرية أوروبية خضوعاً، إن التفاعل النقدي الحي الذي ميز مسار نخبة من النقاد العرب في العقود الأخيرة، من داخل المؤسسات الأكاديمية وخارجها، يبرهن على أن ما وُصف بالتبعية ليس إلا قراءة اختزالية لتجربة نقدية غنية بتنوعها واختلافها، بل إن أبرز المنظرين العرب المعاصرين، ممن اشتبكوا معرفياً مع الغرب، فعلوا ذلك بدافع النقد لا التبعية، وبروح السؤال لا بروح الاتباع.
ما تغفله المقالة أيضاً، هو أن النقد الغربي نفسه قد دخل منذ نهاية القرن العشرين في مراجعة شاملة لمركزيته، ولا يمكن اليوم اختزال هذا النقد في كونه ذكورياً أبيضاً، إقصائياً كما ورد في المقالة، دون تمييز بين تياراته وحقوله، فالدراسات ما بعد الكولونيالية، والنقد النسوي، والنظرية الثقافية، والانعطافة ما بعد الحداثية، كلها مشاريع نقدية نشأت في داخل المؤسسات الغربية ذاتها، وغالباً ما تبنت خطاباً تفكيكياً لمقولات السيطرة والتمركز الأوروبي، ومن ثمّ فإن الحديث عن “عنصرية السرد الغربي” وكأنه كيان متماسك ومغلق، يتنافى مع واقع التفكك البنيوي الذي أصاب هذا النقد من داخله، وهو ما يتطلب من القارئ العربي ألا يكتفي بموقف دفاعي يطالب بالاعتراف، بل أن يشارك في هذا التفكيك ذاته، بوصفه شريكاً في مشروع إعادة توزيع المركز والهامش، لا مجرد شاهدٍ منسي.
أما فيما يتعلق بمركزية النقد الغربي في تصور نشأة الأجناس السردية كالرواية والنوفيلا، فإن المقالة تُعيد صياغة خطاب ما بعد كولونيالي قائم على فكرة الإقصاء التاريخي المتعمد للثقافة العربية، وهو خطاب له مشروعه وجدواه، لكنه في هذا السياق يجنح نحو القول بأن الرواية الأوروبية، بل والنوفيلا بالتحديد، ليست سوى تطور للأشكال السردية العربية، الخبر، والمقامة، والمنامة، والرحلة، وإذا كان بالإمكان التسليم بوجود تأثير ثقافي للحضارة العربية الإسلامية، خصوصاً عبر الأندلس، فإن الاستنتاج الذي يجعل من الرواية الحديثة نتيجة مباشرة لذلك التأثير يتطلب أدلة أكثر تماسكاً من مجرد التوازي الزمني أو التشابه الشكلي، فالرواية، كما نظر لها إيان واط –على أقل تقدير- في كتابه (نشوء الرواية) والذي يُرجع نشأتها إلى سياق اجتماعي وثقافي محدد، ارتبط بتحولات في مفهوم الفرد، وصعود الطبقة الوسطى، وانتشار الطباعة، وهي عناصر لا يمكن إرجاعها إلى الإرث العربي القديم من دون قراءة متعسفة للتاريخ.
كذلك تفتقر المقالة إلى التفريق الدقيق بين معنى “النوفيلا” في السياق الإيطالي في القرن الرابع عشر، حيث كانت تشير إلى “خبر جديد” أو “قصة طريفة” كما في الديكاميرون، وبين “النوفيلا” الحديثة بصيغتها المستقلة كجنس أدبي، التي لم تتبلور إلا في القرن التاسع عشر، بعد ترسخ الرواية الطويلة، ومن ثم فإن القول بأن “النوفيلا طالت فصارت رواية” ليس سوى اختزال تطوري لا يسنده النسق التاريخي للأدب، بل ينتمي إلى سردية مقلوبة تُحاكي خطاب المركزية الغربية بأسلوب معاكس.
وإذا كانت الدكتورة هناوي تشير إلى أن الأدباء الأوروبيين من أمثال سيرفانتس وديفو “استعاروا” تقاليد السرد العربي، فإن مثل هذا الطرح، دون تحليل نصي مقارن أو دلائل مادية، يظل ضمن الخطاب التأويلي، فالسرد لا يُختزل في البنية السطحية أو في تطابق الشكل، بل في آلياته العميقة، في أنظمة التلقي، ووظائفه الجمالية والفكرية.
لكن مع ذلك، لا يمكن إنكار القيمة الرمزية لهذا النوع من الخطاب، الذي يسعى إلى استعادة المركز الثقافي العربي المطمور، بل ربما تكون أهميته في تحفيز سؤال الهوية النقدية، والدعوة إلى تفكيك التصورات الجاهزة عن تاريخ الأدب العالمي، غير أن ذلك لا ينهض إلا على أساس نقدي علمي متماسك، لا يقوم على العاطفة ولا على ثنائية “الشرق الأصل” و”الغرب المزيف”، بل على الاشتباك النقدي الرصين، والقدرة على إنتاج بدائل مفهومية ومنهجية فعالة.
إن تأكيد حضور التقاليد السردية العربية في تشكل السرد العالمي ممكن ومشروع، لكن الدفاع عنه ربما لا يستقيم باتهام الآخر، بل ببناء جهاز مفاهيمي سردي عربي قادر على الاشتباك النقدي لا على استعادة الاعتبار فحسب، أما تحويل الجدل حول التجنيس الأدبي إلى صراع حضارات، أو إلى سجال تمجيدي، فلن يؤدي إلا إلى تعميق المسافة بين سؤال النقد وسؤال الهوية، وهو ما ينبغي تجاوزه لا إعادة إنتاجه.

#أمجد_نجم_الزيدي
@highlight

زر الذهاب إلى الأعلى