ثنائية (الدين – العرش) في مسلسل صراع العروش

 المصلحة والصراع والبحث عن السلطة المطلقة

نزار عبد الغفار السامرائي

يعد مسلسل صراع العروش (Game of Thrones) أحد أكثر مسلسلات الفانتازيا شهرة ومتابعة في جميع انحاء العالم، وحصل عبر مواسمه الثمانية على أكبر عدد من الجوائز الفنية. ورغم أن هدفه الأول هو الترفيه وكسب المشاهدين، إلا أن المسلسل يحتوي على رؤية فكرية ضمنية يمكن استكشافها بتحليل خطابه السردي والبصري.

من أكثر ما يلفت في هذا المسلسل تلك الثنائيات الضدية (Binary Oppositions) التي تُبنى عليها الدلالات والأحداث، والتي تشكّل العمود الفقري للتوتر الدرامي والمعنى، والتي ترصد واقعا حقيقيا رغم الصورة الخيالية التي يمتاز بها العمل، المستمد بالأصل من رواية (A Song of Ice and Fire (أغنية الجليد والنار) متعددة الأجزاء للكاتب الأمريكي جورج ر. ر. مارتن (George R. R. Martin).

ومع تعدد تلك الثنائيات اتناول هنا واحدة من أهمها والتي نجد صدى لها في واقعنا اليوم والمتعلقة بثنائية (الدين-العرش) او (الايمان-السلطة السياسية). حيث “كل ثقافة تبني عالمها الرمزي على مجموعة من الثنائيات المتعارضة التي تُنتج المعنى.” كما يذهب شتراوس في الأنثروبولوجيا البنيوية.

وفي ضوء تحليل كلود ليفي-شتراوس للثنائيات الضدية كبنى توليدية للمعنى، تظهر ثنائية (الدين – العرش) في صراع العروش كبنية درامية تحدد الصراع بين سلطة تستمد شرعيتها من المقدس، وأخرى تقوم على الإرث السياسي والمصالح.”

وثنائية (الدين-العرش) تبرز لنا بقوة في الموسمين الخامس والسادس مع ظهور الكاهن الأعلى الجديد “الهاي سبارو” (High Sparrow) والطائفة المتشددة التي يقودها. و الذي تجد فيه (سيرسي) وسيلة لتحقيق غايتها بضرب اعدائها باسم الدين ولاسيما زوجة ابنها الملك مارجري.

ولكن مالم تحسب سيرسى حسابه أن يعمل الكاهن الأعلى الذي اختارته على تقوية سلطته وتدعيمها بإعلان تطبيق الاحكام الإلهية، وتشكيل جيش من المريدين(المرتلين) لتنفيذ هذه الاحكام دون أي رادع. فالسلطة الدينية، هنا تعمل على التحكم بسلطة التاج، وإنتاج خطاب جديد يجعلها من تمنح الشرعية للملك، فالسلطة الدنيوية هي مجال حكم التاج، لكن السلطة الحقيقية هي سلطة للكاهن باعتباره ممثل لسلطة الالهة، التي تمنح الملك شرعيته.

وإذا ما استعرنا رؤية ميشيل فوكو للخطاب بوصفه ممارسة سلطوية، يمكننا فهم كيف أن الكاهن الاعلى لم يكن مجرد شخصية دينية، بل كان يُعيد إنتاج خطاب أخلاقي يُخضع فيه النخبة السياسية، ويُبرّر ممارساته القمعية باسم الحقيقة الدينية.

تبلغ ذروة الصراع بين هذه الثنائية المتضادة حين يُجبر الكاهن الملكة الام سيرسي على “مسيرة العار” لتقوم بمسيرة من المعبد حتى القصر عارية تماما في شوارع كينغز لاندنغ وسط الاهانات التي يوجهها لها عامة الناس، في تعبير يظهر أن للمعبد سلطة لا حدود لها وتتجاوز سلطة التاج على أساس أن قوانين الالهة تعلو على قوانين البشر وبالتالي التاج يرضخ لقرارات المعبد. وفي هذا الجانب يظهر أيضا مدى احتقار الناس لأقطاب السلطة السياسية، والذي يظهرونه بحدة اول ما تسنح لهم الفرصة، ويأمنون العقاب، وهو ما يدركه الكاهن الأعلى ويسعى لمنح هؤلاء المستضعفين الفرصة للنيل من سلطة التاج عبر اذلال الملكة الام، التي تعد المهيمنة على السلطة السياسية بسيطرتها على القرار في القصر الملكي.

وهنا يمكننا رصد ظهور الدين كسلطة بديلة مع غياب الشرعية السياسية أو ضعف الدولة، حيث يصبح الدين قوة اجتماعية/أخلاقية تعبّئ الجماهير ضد النخب الفاسدة. ويتبنى خطابا شعبويا يتقارب مع عامة الناس، الذين يشعرون بالضعف والاضطهاد والفقر، فيما يتمتع أصحاب السلطة السياسية بكل الامتيازات.

ولكن مع تصاعد سلطة الدين كأداة ضبط للمجتمع، يقوم الكاهن واتباعه على ممارسة سلطتهم بقسوة لا تقل عن ممارسات السلطة السياسية، ويذهب الى استعمال العقوبة والإذلال والقتل باسم “التقوى”.

أن مشاهد محاكمة سيرسي ومسيرتها عارية تمثل شكلاً من العنف الرمزي، وفق تعبير بورديو، حيث يُمارَس الإذلال باسم الأخلاق، ويُقبَل شعبيًّا بوصفه تطهيرًا شرعيًّا، ما يُكسب السلطة الدينية بُعدًا رمزيًّا يتفوق على سلطة العرش.

هذا التصاعد بالسلطة الدينية لا يتناسب ورؤية السلطة السياسية، وإذا كان الملك الصبي الضعيف ينساق الى طروحات الكاهن الأعظم، محاولا انقاذ زوجته من مسيرة الاذلال، فأن سيرسي الحاكم الفعلي والتي تمثل السلطة المجردة من الأخلاق، لا تتوان عن فعل أي شيء للانتقام أولا، واستعادة السلطة التي منحتها للكاهن الأكبر واستغلها ضدها، ولا تجد هنا غير الافراط في القوة وتفجير المعبد “Sept of Baelor” بالنار الإغريقية.

ورمزية تفجير المعبد لا تقف عند حد مقتل الكاهن الأكبر واتباعه، وكل من كان داخل المعبد من النبلاء بما فيهم زوجة الملك واخيها، بل الى القطيعة بين الدين والتاج، والتحول من علاقة تبادل المنفعة، وشرعية السلطة الى التقاطع والتضاد التام، ذلك ان المعبد الكبير في مسلسل صراع العروش يحمل رمزية خاصة اذ هو مكان عبادة “الآلهة السبعة” (The Seven) في ويستروس، وهي الديانة السائدة هناك. وتم اطلاق اسم “Baelor” عليه تيمنا باسم شخصية تاريخية مهمة في عالم ويستروس، وهو الملك بيلور الأول تارغاريان، الذي كان ملكًا تقيًا ومقدسًا، وبُني هذا المعبد تكريمًا له.

لذلك واستكمالا لهذه القطيعة ينتهي الامر بالملك الصبي الى الانتحار والقاء نفسه من اعلى القصر، ليكون هنالك مرحلة جديد تتمثل بتنصيب سيرسي على العرش لتتمتع بسلطة مطلقة لا حدود لها.

تكشف هذه الثنائية عن هشاشة العلاقة بين الدين والسلطة، لا سيما حين يُوظف أحدهما الآخر في لعبة المصالح. كما يبرز المسلسل، في رمزية مؤثرة، أن التقاء السلطتين على أساس النفوذ لا القيم، قد يقود إلى خراب مشترك، كما حصل في مشهد تفجير المعبد. وهو درس بصري وسردي لا يقل أهمية عن وقائع التاريخ أو أسئلة الحاضر.

فإن ما جاء به المسلسل/ الرواية في هذا الجانب لم يكن بعيدا عن الواقع فتاريخيا، هناك تشابه بين ما جاء في هذا الجانب مع ما حدث من مواجهة بين والدولة (مثل صراع هنري الرابع مع البابا). الذي يعد أحد أهم الصراعات بين السلطتين الدينية والدنيوية في العصور الوسطى، ودار هذا الصراع حول من يملك السلطة العليا في أوروبا: الإمبراطور أم البابا.

كما يمكننا ملاحظة ان المسلسل رغم كونه فانتازيا تاريخية في قارة متخيلة، الا أن الاحداث تحمل ملامح الدين المسيحي الكاثوليكي ابان القرون الوسطى من حيث (سلطة الكهنة، نظام الإقرار بالذنوب، التوبة، محكمة دينية تذكرنا بأسلوب محاكم التفتيش).

وهذا أيضا ينسحب على عالمنا المعاصر حيث نشهد نزاعات حديثة تحمل الطابع الديني، فيما العديد من نظم الدول تشهد تداخلا بين المؤسسات الدينية، والمؤسسات السياسة.

في النهاية، تكشف ثنائية (الدين – العرش) في صراع العروش عن هشاشة التحالفات بين السلطتين حين لا تُبنى على أسس أخلاقية متينة، بل على المصالح والمناورة. وعبر سرد بصري رمزي، يقدّم المسلسل نقدًا لاذعًا لكل سلطة تدّعي القداسة أو تحتكر الشرعية، سواء أكانت باسم الآلهة أو باسم العرش.

زر الذهاب إلى الأعلى