تفويض مفاجئ في بغداد… هل يبدأ تفكيك “قوة السلاح” خارج الدولة؟

المستقلة/ – في تطور سياسي وأمني لافت، منح “الإطار التنسيقي” الائتلاف الحاكم في العراق، رئيس الحكومة الجديد علي الزيدي، تفويضاً وُصف بأنه “الأول من نوعه”، للتعامل مع ملف حصر السلاح بيد الدولة، وسط ضغوط أميركية متصاعدة وتحذيرات من عقوبات اقتصادية ومالية محتملة على بغداد.

ويأتي هذا التفويض في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها التوترات بين إيران والولايات المتحدة، وتداعيات الهجمات المتبادلة في المنطقة، ما جعل العراق في قلب معادلة أمنية معقدة تتجاوز حدوده الداخلية.

تفويض سياسي مفتوح ومسار زمني محدد

بحسب مصادر سياسية، فإن اجتماع “الإطار التنسيقي” الذي استمر أكثر من ثلاث ساعات في بغداد، شهد توافقاً على تشكيل لجنة عليا لمتابعة ملف الفصائل المسلحة، على أن تضع هذه اللجنة مساراً تنفيذياً خلال ثلاثة أشهر، ينتهي مع نهاية أيلول/سبتمبر المقبل.

البيان الختامي للاجتماع شدد على “اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحفظ المصالح العليا للبلد”، وربط الخطوة بـ“تعزيز سيادة الدولة واستكمال مسار إنهاء مهمة التحالف الدولي”.

“فك الارتباط” بدل “تسليم السلاح”

في موازاة ذلك، أعلنت عدة فصائل مسلحة خطوات وُصفت بـ“فك الارتباط” عن هيئة الحشد الشعبي، من بينها “عصائب أهل الحق” و“الإمام علي”، في خطوة اعتبرتها الحكومة تطوراً إيجابياً، بينما رآها مراقبون إعادة صياغة شكل العلاقة دون حسم جوهر ملف السلاح.

وبحسب مراقبين، فإن المصطلح الجديد لا يعني بالضرورة تسليم السلاح، بل إعادة تنظيم العلاقة الإدارية والوحداتية داخل الحشد، وهو ما يفتح باباً واسعاً للتأويل حول مستقبل هذه التشكيلات.

واشنطن تراقب… وتحذيرات من التفاف سياسي

في المقابل، علّق المبعوث الأميركي توم برّاك على التطورات واصفاً إياها بأنها “خطوة أولى نحو استعادة سيادة الدولة”، مشيراً إلى أن بعض المجموعات بدأت بإعادة تنظيم وضعها العسكري.

لكن خبراء يحذرون من أن واشنطن قد لا تعتبر هذه الخطوات كافية ما لم تتضمن تفكيكاً فعلياً لترسانة الفصائل أو دمجاً واضحاً داخل مؤسسات الدولة.

فصائل مترسخة داخل الدولة

يمتد المشهد المسلح في العراق إلى شبكة معقدة من الفصائل، تتوزع بين أجنحة سياسية وعسكرية واقتصادية، وتشكل جزءاً مؤثراً داخل منظومة “الحشد الشعبي” الذي تأسس عام 2014 كقوة رسمية بغطاء قانوني.

وتُعد فصائل مثل “بدر”، و“العصائب”، و“كتائب حزب الله”، و“النجباء”، و“سيد الشهداء”، من أبرز القوى الأكثر تأثيراً داخل المشهد الأمني، حيث تمتلك ألوية عسكرية، ونفوذاً سياسياً، وشبكات اقتصادية واسعة.

في المقابل، تبرز فصائل أقل ارتباطاً بالمحور الإيراني مثل “سرايا السلام”، إلى جانب “حشد العتبات” المرتبط بالمرجعية الدينية في النجف، كقوى أكثر استقلالية نسبياً داخل المشهد الفصائلي.

خريطة نفوذ معقدة تمتد على كامل العراق

تتوزع الفصائل المسلحة جغرافياً على المحافظات العراقية وفق نفوذ متداخل، حيث تتركز القوة الأكبر في نينوى والأنبار وديالى وبغداد وبابل، إضافة إلى حضور اقتصادي وأمني واسع في الجنوب، خصوصاً في البصرة.

وفي ديالى وصلاح الدين، يبرز نفوذ “بدر” و“العصائب” بشكل واضح، فيما تُعد بابل إحدى أكثر المناطق حساسية بسبب سيطرة فصائل على مناطق مغلقة منذ سنوات.

أما بغداد، فتمثل مركز الثقل السياسي والاقتصادي والعسكري، حيث تتقاسم الفصائل مناطق نفوذ غير معلنة داخل العاصمة وضواحيها.

التحدي الحقيقي: الدولة داخل الدولة

رغم مرور سنوات على هزيمة تنظيم “داعش”، لا يزال ملف السلاح المنفلت أحد أبرز التحديات أمام الحكومات العراقية المتعاقبة، بسبب تداخل الفصائل مع مؤسسات الدولة، وامتلاكها تمثيلاً سياسياً ونفوذاً مالياً وأمنياً واسعاً.

ويرى محللون أن الأزمة لا تكمن فقط في وجود السلاح خارج سيطرة الدولة، بل في تحوله إلى جزء من بنية النظام السياسي نفسه، ما يجعل أي محاولة للحل مرتبطة بتوازنات داخلية وإقليمية شديدة التعقيد.

اختبار الدولة الأهم

بين ضغوط الخارج وتوازنات الداخل، يقف العراق أمام أحد أخطر اختباراته السياسية والأمنية منذ 2003، حيث يُنظر إلى ملف “حصر السلاح بيد الدولة” باعتباره مفصلاً حاسماً في شكل الدولة المقبلة، واستقرارها، وعلاقاتها الإقليمية والدولية.

زر الذهاب إلى الأعلى