الى مفوضية حقوق الانسان .. طالت غفوتكم
د.باسل حسين …
حينما كتبت مقالة بعنوان ” مفوضية حقوق الانسان الحاضر الغائب” في شهر نيسان عام 2012 عاتبت المفوضية المفوضية المستقلة العليا لحقوق الانسان على غيابها شبه التام عن مشهد حقوق الانسان في العراق ، لاسيما وان المجتمع الدولي ومعه ابناء العراق استبشروا خيرا ، بولادتها بوصفها احدى الهيئات المستقلة التي تعنى بحقوق الانسان في العراق.
وقد قدمت عددا من المقترحات التي اعتقدت انه ربما تعين عمل المفوضية، غير انه ومع اقتراب اكثر من سنتين من عمل المفوضية لم يتحقق الشئ الكثير، بل يمكن القول ان هناك خيبة من عمل هذه المفوضية التي لم تلامس الواقع المر لحقوق الانسان في العراق، إلا فيما يتعلق بقانون الرعاية الاجتماعية التي كان لرئيسها د. دهام العزاوي دور فاعل في اقراره حسب ما كان ينقل من وزارة العمل.
ولاشك ان تضارب المصالح السياسية وضغط المشهد السياسي عطلٌا عمل المفوضية الى درجة كبيرة ، فضلا عن اخفاق بعض اعضائها في التعبير عن مطالب الجمهور وتوقعاتهم، والمفارقة انه وبعد مرور كل هذا الوقت لا تزال المفوضية بلا رأس يقودها ، فلا رئيس لها ولا نائباٌ له لغاية الان وهو امر يثير الاستغراب والتعجب، فعدم وجود الرئيس يعني من بين ما يعنيه عدم وجود ربان يقود سفينة حقوق الانسان مثلما يعني غياب التنظيم الدقيق وغياب النظام الداخلي والتدقيق والمراقبة والرصد، الى درجة انه لا يوجد اتفاق حول بعض التصريحات التي تصدر من بعض المفوضين تجاه عدة قضايا ، مما يعكس التأثير السياسي على عمل المفوضية.
وقد طالبت في مقالتي المفوضية بان تصدر تقريرا شهريا وفصليا وسنويا عن اوضاع حقوق الانسان في العراق، لاسيما وان قانون المفوضية ينص على ذلك، كما طالبتها بوضع مؤشر لمستوى حقوق الانسان ، لكننا لم نجد سوى اضغاث احلام ، والامر الاشد ايلاما هو استمرار غياب المفوضية عن العالم الافتراضي سواء كموقع لها او كحساب في مواقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك او تويتر وا غيرها، وهو الذي انتقدته في مقالتي عنها، وهو ما يعكس عدم وعي وادراك لدى المفوضية باهمية النمط التفاعلي في قضايا حقوق الانسان.
ان ما دفعني للعودة الى الكتابة عن المفوضية العليا لحقوق الانسان، هو تجاهلها التام للخرق والحيف الذي تعرضت له المرأة في الانتخابات التشريعية الاخيرة من خلال سرقة (22) مقعدا لها، ويبدو انه تم اعتماد تفسير غريب مفاده ان يكون عدد الفائزات بلا كوتا يتجاوز الـ ( 25%)، وهذا يفترض :
- ان تكون جميع الفائزات في البرلمان غير بحاجة الى الكوتا.
- ان يتجاوز عدد الفائزات (دون الحاجة الى كوتا) رقم (82) مقعدا، وما فوقها سوف تضاف الى الكوتا
وهو ما يعني واقعا استحالة تحقيق هذا الامر ويجسد عملية التحايل على المقاصد العامة التي بموجبها وضعت الكوتا، لصالح المقاصد الخاصة القائمة على الجندرة والتمييز، ويعكس رغبة متأصلة ببقاء نسبة حضور المرأة في البرلمان (25 %). وهو ما يتعرض مع تفسير المفوضية التي قالت قبل انتخابات عام 2010 وعلى لسان المفوضة السابقة حمدية الحسيني ان المراة التي تفوز دون الحاجة الى الكوتا سوف لن احتسابها ضمن نسبة الكوتا، وهو ما تم تجاهله لاحقا عقب خروج النتائج، وتم تجاهله ايضا في هذه الانتخابات، وهو ما يعبر عن انتهاك صريح وواضح لحقوق المرأة التي كفلها الدستور، والذي وضحته في مقال بعنوان ” يانساء العراق استيقظن : يا برلمانيات العراق اتحدن” وقد توقعت ان تتفاعل المفوضية مع هذه القضية لأسباب عدة لعل من اهمها، ان رئيسة لجنة المرأة هي إمراة د. بشرى العبيدي التي عرف لها اكثر من موقف يحسب لها، فضلا عن ان هذه القضية لاتثير اختلافا بين مكونات المفوضية او القوى التي يمثلونها، وكذلك رئيسة ملف الحقوق والحريات امراة هس د. اثمار الشطري، باعتبار ان المكتويات بنارها هن النساء في مختلف القوى السياسية، ناهيك ان هذا الانتهاك هو من اختصاص المفوضية وجزء اساسي من مهمتها.
غير ان سكوت المفوضية غير المبرر يعكس غفوة طالت مدتها عن قضايا أساسية في جوهر حقوق الانسان، من المفترض ان تكون المفوضية واعضاؤها في مقدمة الركب للدفاع عنها، لا التغاضي والسكوت ومداهنة القوى السياسية.
ويبدو ان بعض مفوضي وﻣﻮﻇﻔي المفوضية العليا لحقوق اﻹﻧﺴﺎن بحاجة إﻟﻰ تدريب وﻣﻌﺮﻓﺔ أكثر بقضايا ومعايير حقوق الانسان كما حددتها الشرعة الدولية والدستورالعراقي والقوانين النافذة، تلك اﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ التي ﺗﺤﺪد وﻻﻳﺘﻬﺎ وﺗﻮﻓﺮ هوية لها ومنارا لعملها، كما ترسي وترسخ التزامات قانونية للحكومة تجاهها، وتوفر الاساس المتين لمطالبة الحكومة والفاعلين الاخرين في الدولة باحترام حقوق الانسان واﻟﺤﺮﻳﺎت اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ ﺑﻼ ﺗﻤييز بسبب الجنس او اللغة أو الدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء، ومراعاة تلك الحقوقو والحريات.
ولا شك ان المرأة العراقية هي اكثر الشرائح تضررا في المجتمع العراقي بطرق واساليب شتى تعكس هيمنة ثقافة ذكورية تنظر بدونية اليها. لذا فان المطالبة بحقوقها هي واجب شرعي وقانوني.
ان مقاصد المادة (49) رابعا والمادة 13 من قانون الانتخابات هي ان لاتقل نسبة حضور المراة في البرلمان عن نسبة الربع (25% ) لكن ذلك لايعني بأي شكل من الاشكال ان لاتحصل المرأة على اكثر من الربع في حال تمكنها من الوصول الى البرلمان من دون الاعتماد على الكوتا. فضلا عن ذلك ان الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة(1979) ” الجزء الاول المادة رابعا اولا” ” ﻻ يعتبر اتخاذ الدول الاطراف تدابير خاصة مؤقتة تستهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والرجل تميزا كما تحدده هذه الاتفاقية”. ولذا يفهم انه وضع تدابير كالكوتا هو تمييز ايجابي، يحقق ما اشارت اليه المادة ( 7) من نفس الاتفاقية التي تنص تتخذ الدول الاطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المراة في الحياة السياسية والعامة للبلد،وبوجه خاص تكفل للمراة،على قدم المساواة مع الرجل، الحق في:
ا) التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة، والاهلية للانتخاب لجميع الهيئات التي ينتخب اعضاؤها بالاقتراع العام.
ب) المشاركة في صياغة سياسة الحكومة وفي تنفيذ هذه السياسة،وفي شغل الوظائف العامة على جميع المستويات الحكومية.
ج) المشاركة في اية منظمات وجمعيات غير حكومية تهتم بالحياة العامة والسياسية للبلد.
وهذه الاجراءات تتماشى مع ماذهبت اليه المادة (2) التي تنص على ” تشجب الدول الاطراف جميع اشكال التمييز ضد المراة، وتتفق على ان تنتهج، بكل الوسائل المناسبة ودون ابطاء، سياسة تستهدف القضاء على التمييز ضد المراة”، وتحقيقاً لذلك تتعهد بالقيام بما يلى:
ا) ادماج مبدا المساواة بين الرجل والمراة في دساتيرها الوطنية او تشريعاتها المناسبة الاخرى، اذا لم يكن هذا المبدا قد ادمج فيها حتى الآن،وكفالة التحقيق العملى لهذا المبدا من خلال التشريع وغيره من الوسائل المناسبة.
ب) اتخاذ المناسب من التدابير، التشريعية وغير التشريعية، بما في ذلك ما يناسب من إجراءات ، لحظر كل تمييز ضد المراة.
ج) فرض حماية قانونية لحقوق المراة على قدم المساواة مع الرجل،وضمان الحماية الفعالة للمراة، عن طريق المحاكم ذات الاختصاص والمؤسسات العامة الاخرى في البلد، من اى عمل تمييزي.
د) الامتناع عن مباشرة اى عمل تمييزي او ممارسة تمييزية ضد المراة،وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام.
هـ) اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المراة من جانب اى شخص او منظمة او مؤسسة.
و) اتخاذ جميع التدابير المناسبة ، بما في ذلك التشريعى منها، لتغيير او ابطال القائم من القوانين والانظمة والاعراف والممارسات التي تشكل تمييزاً ضد المراة.
اخيرا اكرر مطالبتي المفوضية بان تقوم بدورها في هذه القضية من خلال تبني هذه القضية كي نؤسس فعلا ونشيع ثقافة احترام حقوق الانسان ونقضي على التمييز القائم على اساس الجنس واعطاء المرأة جزءا من حقوقها السياسية كما حددتها الشرعة الدولية والدستور العراقي ، فهل هذا كثير، انه نداء الى المفوضية افيقوا من غفلتكم واذا سكتم فعلى الاقل لن اسكت انا وساترجم هذه الرسالة مع وثائق اخرى وسوف ارسلها الى المنظمات الدولية المختصة لعلها تجد اذانا صاغية واتمنى ان تقوموا بدوركم وحينها ساعلنها واكتبها من اعماق قلبي شكرا لمفوضية حقوق الانسان.
للاتصال بالكاتب : dr.basily@yahoo.com





