(القرن بعد اكتماله) حين يتحول الألم الإنساني إلى جمال سردي

أكرم توفيق

تنهض رواية (القرن بعد اكتماله) على مشروع سردي واسع يتجاوز الحكاية التقليدية إلى بناء عالم روائي متعدد الطبقات تتشابك فيه الأسئلة الإنسانية الكبرى مع الذاكرة والتاريخ والمنفى والحب والفقد والهوية.

إنها رواية لا تُقرأ بوصفها سردا لوقائع وأحداث فحسب بل بوصفها محاولة لاكتشاف الإنسان في أقصى هشاشته وهو يواجه خراب العالم وخراب الذات في آن واحد.

منذ الصفحات الأولى تضعنا الرواية أمام كتابة تمتلك وعيا جماليا واضحا بلغتها وبنيتها النفسية، إذ لا تعتمد الكاتبة على الحدث وحده بل تجعل من المشاعر والأمكنة والذكريات عناصر سردية فاعلة تتحرك داخل النص بقدر تحرك الشخصيات نفسها. لذلك تبدو الرواية أقرب إلى نهر داخلي طويل تتجاور فيه الوقائع مع التداعيات الوجدانية والتأملات الإنسانية العميقة.

الإنسان بوصفه جرحا مفتوحا

الخاصية الأبرز في الرواية أنها تنطلق من الإنسان لا من الفكرة المجردة.

شخصياتها ليست نماذج جاهزة أو أدوات لتحريك الحبكة بل كائنات مجروحة تحمل هشاشتها النفسية بوضوح مؤلم.

الجميع هنا يفتش عن خلاص ما.. خلاص من الحرب أو الذنب أو الوحدة أو المنفى أو الذاكرة.

وتبدو شخصية (مراثي) من أكثر الشخصيات اكتمالا من الناحية النفسية فهي لا تمثل فردا بعينه بقدر ما تتحول إلى صورة رمزية للأم العراقية المنكسرة وللإنسان الملقى على هامش العالم وهو يقاوم العدم بالحنين.

إن جوعها .. صمتها.. انكسارها.. وتعلقها بأطفالها كلها تتحول داخل الرواية إلى لغة وجودية كاملة تقول إن الإنسان قد يفقد كل شيء لكنه يظل متشبثا بخيط الحب الأخير.

أما شخصية (د. برون) فتنجح الرواية في تقديمها بعيدا عن الثنائية السطحية للخير والشر. إنه طبيب يحمل ثقافة الغرب العقلانية لكنه يصطدم بعجز العلم أمام الألم الإنساني الخالص. يتحول تدريجيا من طبيب يراقب حالة مرضية إلى إنسان يواجه انهياره الأخلاقي الداخلي ويكتشف أن اللامبالاة قد تكون جريمة مؤجلة.

وفي المقابل تمنح الكاتبة لشخصية (تمارا) حضورا مختلفا فهي ليست مجرد حبيبة أو عنصر عاطفي بل ذاكرة أندلسية تمشي على قدمين. حضورها يحمل عبق التاريخ والمنفى والجذور الضائعة حتى تبدو وكأنها تمثل الأندلس ذاتها بوصفها وطنا روحيا لم ينته تماما.

المكان بوصفه ذاكرة حية

واحدة من أجمل تقنيات الرواية تتمثل في قدرتها على تحويل المكان إلى كائن حي نابض بالروح. فالأمكنة هنا ليست ديكورا خارجيا بل حوامل للمعنى النفسي والحضاري.

الأندلس في الرواية ليست مدينة سياحية بل استعارة كبرى للفقد الحضاري والجمال المهدد بالاندثار. الأزقة.. الياسمين .. البيوت القديمة.. حدائق المعتمد بن عباد كلها تُستدعى بلغة مشبعة بالشاعرية حتى يشعر القارئ أن المكان يتنفس داخل النص.

وفي مقابل دفء الأندلس تأتي المستشفى الباردة في جنيف بوصفها فضاء للعزلة الإنسانية الحديثة مكانا منظما وباردا وعقلانيا لكنه عاجز عن احتواء وجع امرأة مكسورة القلب. هذا التضاد بين المكانين يكشف وعيا سرديا عميقا لدى الكاتبة في بناء الفضاء الروائي ودلالاته النفسية.

البنية السردية وتيار العاطفة

تعتمد الرواية على سرد انسيابي متدفق يقترب أحيانا من تيار الوعي حيث تتداخل الذكريات مع الحاضر ويتقدم الشعور على الفعل في كثير من المقاطع. وقد نجحت الكاتبة في الحفاظ على توازن صعب بين السرد والحس الشعري دون أن يتحول النص إلى خطاب إنشائي فاقد للحركة.

وتتميز الرواية بقدرتها على إدارة الانفعال العاطفي بمهارة واضحة. فهي رواية مشبعة بالألم لكنها لا تستجدي دموع القارئ بشكل مباشر بل تترك المواقف الإنسانية نفسها تتكفل بإنتاج التأثير. ويتجلى ذلك بأعلى درجاته في مشهد لقاء مراثي بطفليها وهو من أكثر المشاهد كثافة وتأثيرا في الرواية إذ يتحول اللقاء إلى لحظة خلاص روحي جماعي تتوقف عندها اللغة على حافة البكاء.

ومع ذلك، يمكن الإشارة نقديا إلى أن الرواية تميل أحيانا إلى الإطالة في بعض المشاهد الوجدانية بحيث تتكرر الفكرة الشعورية بأكثر من صيغة الأمر الذي قد يبطئ الإيقاع السردي في بعض الفصول. غير أن هذا الامتداد العاطفي يظل جزءا من طبيعة النص نفسه القائم أساسا على التشبع الوجداني والتأمل النفسي.

اللغة بين الشعر والسرد

لغة الرواية من أبرز عناصر قوتها. فهي لغة ذات نفس شعري واضح لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بقدرتها على السرد والحركة.

تمتلك الكاتبة حسّا تصويريا رفيعا يجعل المشاهد تمر أمام القارئ كما لو كانت لقطات سينمائية.

كما نجحت في توظيف الحوار بصورة طبيعية تكشف الشخصيات وتمنحها خصوصيتها الثقافية والنفسية خصوصا في المزج بين العربية والفصحى والتعبيرات المحلية داخل الحوارات دون افتعال أو تصنع.

والأهم أن اللغة لا تبدو متعالية على شخصياتها بل تنبع من داخلها وهو ما منح الرواية صدقها الإنساني الكبير.

رواية عن الحب.. لكن بصيغة الخسارة

قد تبدو الرواية ظاهريا رواية حب، لكنها في عمقها رواية عن الخسارات البشرية الكبرى خسارة الوطن والعائلة واليقين وحتى الذات. الحب فيها ليس زينة رومانسية بل وسيلة نجاة أخيرة من الانهيار الكامل.

ولهذا تنجح (القرن بعد اكتماله) في أن تكون رواية إنسانية بامتياز تتجاوز حدود المكان واللغة لتلامس جوهر الإنسان أينما كان لأنها تتحدث عن أكثر ما يوحد البشر الخوف.. الحنين.. الأمومة.. الذنب.. والرغبة المستميتة في النجاة.

خاتمة

في (القرن بعد اكتماله) تثبت الروائية ذكرى محمد نادر أنها تمتلك صوتا سرديا حساسا وقادرا على بناء عالم روائي ثري بالعاطفة والدلالات الإنسانية. إنها رواية كتبت بقلب يفيض بالشجن لكن بعين سردية واعية تعرف كيف تحول الألم إلى جمال فني.

رواية تترك قارئها بعد الصفحة الأخيرة محاطا بشعور ثقيل من الحنين والأسئلة وكأن شخصياتها لا تغادر النص تماما، بل تبقى معلقة في الذاكرة مثل أصوات بعيدة قادمة من خراب العالم، تهمس بأن الإنسان مهما تهشم يظل قادرا على الحب.

 

زر الذهاب إلى الأعلى